منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

دعوات لتعزيز العدالة.. الحق في الصحة والكرامة الإنسانية محور نقاشات مجلس حقوق الإنسان

17 يونيو 2026
مجلس حقوق الإنسان الأممي
مجلس حقوق الإنسان الأممي

شهدت أعمال الحوار التفاعلي مع المقررة الخاصة المعنية بالحق في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية نقاشات واسعة حول العلاقة بين الصحة والكرامة الإنسانية، وسط تأكيدات دولية على أن ضمان الحق في الصحة لا يقتصر على توفير الخدمات الطبية، بل يشمل معالجة عوامل التمييز وعدم المساواة والإقصاء التي تحول دون تمتع الأفراد بحقوقهم الأساسية.

وجاءت هذه المناقشات ضمن فعاليات الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، في إطار البند الثاني من الجلسة الخامسة المخصص لموضوع “حق الجميع في التمتع بأعلى مستويات الصحة البدنية والعقلية”، حيث قدمت المقررة الخاصة تقريرها الأخير المعنون “الحق في الصحة كمدخل للكرامة الإنسانية”، إلى جانب عرض نتائج زيارتها الرسمية إلى تايلاند خلال فبراير 2025.

وأكدت المقررة الخاصة في مستهل مداخلتها أن الكرامة الإنسانية تمثل جوهر الحق في الصحة وأساس التمتع بجميع الحقوق الأخرى، مشيرة إلى أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أقر منذ عام 1948 بالمساواة المتأصلة بين البشر في الكرامة والحقوق.

الكرامة الإنسانية محوراً رئيسياً

وأوضحت المقررة الخاصة أن الحياة الكريمة ترتبط بمجموعة مترابطة من الحقوق تشمل الغذاء والمياه والسكن والعمل والضمان الاجتماعي والصحة، معتبرة أن الإخفاق في ضمان هذه الحقوق يخلق حواجز مباشرة أمام التمتع الكامل بالحق في الصحة.

وقالت إن عملها خلال فترة الولاية ركز على جعل الكرامة الإنسانية محوراً رئيسياً للسياسات الصحية، خاصة في مجالات الصحة الجنسية والإنجابية، ومكافحة التمييز والعنصرية، وتحقيق العدالة في الأنظمة الصحية، بما في ذلك التحديات المرتبطة بالتحول الرقمي والغذاء وحقوق العاملين في القطاع الصحي.

وأشارت إلى أن العديد من الممارسات لا تزال تؤدي إلى انتهاك الكرامة الإنسانية، من بينها الوصم الاجتماعي والتمييز والتجريم والعقبات البنيوية التي تحول دون الوصول إلى الخدمات الصحية، مؤكدة أن هذه العوامل تسهم في زيادة معدلات المرض والمعاناة والوفيات التي يمكن تجنبها.

أبعاد الحق في الصحة

وركز التقرير على ثلاثة أبعاد رئيسية للحق في الصحة، يتمثل أولها في بعد الحرية الذي يشمل الحماية من الإكراه والتمييز والوصم، بينما يتعلق البعد الثاني بالاستحقاق وضمان توافر خدمات صحية عادلة ومتاحة للجميع دون إقصاء أو تمييز، أما البعد الثالث فيتمثل في الوقاية من خلال السياسات الرامية إلى الحد من انتشار الأمراض وتهيئة بيئات صحية سليمة.

وأكدت المقررة الخاصة أن الكرامة الإنسانية لا ينبغي أن تبقى مفهوماً نظرياً، بل يجب أن تنعكس بشكل مباشر في التشريعات والسياسات الصحية والميزانيات الوطنية وآليات الحوكمة الصحية، مع إعطاء الأولوية للفئات الأكثر تهميشاً وضعفاً.

ودعت الدول إلى تبني مقاربات قائمة على حقوق الإنسان في جميع مراحل تصميم وتنفيذ السياسات الصحية، مع تعزيز آليات المشاركة المجتمعية والمساءلة والشفافية.

وأوصت بتعزيز احترام الهوية الفردية والخصوصية والاستقلالية والسلامة الجسدية، وضمان عدم التمييز، وإشراك الفئات المهمشة في عمليات صنع القرار الصحي، إلى جانب مراجعة الأطر القانونية العقابية التي تؤثر سلباً على الوصول إلى الخدمات الصحية.

إشادة بتجربة تايلاند

وخلال الحوار، استعرضت المقررة الخاصة نتائج زيارتها إلى تايلاند، مشيدة بما وصفته بالتقدم الملحوظ الذي حققته البلاد في مجال التغطية الصحية الشاملة وتعزيز التضامن الصحي.

وأشارت إلى أن تايلاند نجحت في تطوير نظام صحي يتيح وصول شرائح واسعة من السكان إلى الخدمات الصحية الأساسية، لكنها أكدت في الوقت ذاته استمرار بعض التحديات المرتبطة بضمان الوصول الكامل إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية.

ومن جانبها، أعربت تايلاند عن تقديرها للتقرير، مؤكدة أن التعاون مع آليات حقوق الإنسان الدولية يمثل جزءاً من التزامها بالحوار البناء والنهج متعدد الأطراف.

واستعرض الوفد التايلاندي أبرز الإنجازات الصحية التي حققتها البلاد، ومن بينها نجاحها في القضاء على انتقال فيروس نقص المناعة البشرية والأمراض المنقولة جنسياً من الأم إلى الطفل، إضافة إلى تعزيز خدمات الرعاية الصحية الأولية وتوسيع نطاق التغطية الصحية الشاملة.

وأشار إلى الإصلاحات التشريعية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025، بما في ذلك اعتماد قانون المساواة في الزواج وإجراء تعديلات قانونية تهدف إلى تعزيز المساواة وعدم التمييز.

وأكدت تايلاند استمرار التزامها بتقديم الخدمات الصحية لجميع المقيمين على أراضيها، بمن فيهم غير المواطنين، انطلاقاً من اعتبار الصحة حقاً أساسياً يجب أن يتمتع به الجميع دون استثناء.

الكرامة أساس السياسات الصحية

من جانبه، شدد الاتحاد الأوروبي على أن الكرامة الإنسانية تمثل الأساس الذي يجب أن تقوم عليه جميع التشريعات والسياسات الصحية.

وأكد أن التمييز والإقصاء الاجتماعي يظلان من أبرز العوامل التي تحرم الفئات الهشة من الوصول إلى الخدمات الصحية، داعياً إلى معالجة المحددات الاجتماعية للصحة مثل التعليم والسكن والحماية الاجتماعية.

ورحب الاتحاد الأوروبي بالتركيز الذي أولاه التقرير لمبادئ المشاركة والموافقة والاستقلالية والمساءلة، باعتبارها عناصر رئيسية لبناء أنظمة صحية عادلة وشاملة.

وفي مداخلة ألقتها فنزويلا باسم مجموعة الدول الصديقة المدافعة عن ميثاق الأمم المتحدة، تم التأكيد على أن التضامن الدولي يمثل عنصراً أساسياً لضمان الحق في الصحة.

وشدد البيان على أن الحق في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية حق إنساني أساسي لا يجوز تقييده أو المساس به لأسباب سياسية، ودعا إلى تعزيز التعاون الدولي والتعاون بين بلدان الجنوب، باعتباره وسيلة فعالة لدعم النظم الصحية الوطنية وتحسين الخدمات الصحية.

وانتقد البيان الإجراءات القسرية الأحادية الجانب، معتبراً أنها تؤثر سلباً على قدرة الدول في الحصول على الأدوية والمعدات الطبية وتقديم الخدمات الصحية الأساسية.

مواجهة الوصم والتمييز

وأكدت أيسلندا، متحدثة باسم بلدان الشمال والبلطيق، أن الوصم والتمييز والإقصاء تمثل عقبات رئيسية أمام التمتع الكامل بالحق في الصحة.

وأشارت إلى أن النساء والفتيات والأشخاص ذوي الإعاقة والفئات الأخرى الأكثر عرضة للتهميش لا تزال تواجه تحديات كبيرة في الحصول على الرعاية الصحية الملائمة.

وشددت المجموعة على أهمية تعزيز المشاركة المجتمعية وآليات المساءلة باعتبارهما عنصرين أساسيين لبناء الثقة بين المواطنين والمؤسسات الصحية.

الغذاء جزء من الحق في الصحة

في بيان مشترك قدّمته إندونيسيا نيابة عن أكثر من ستين دولة، تم التأكيد على أن الغذاء والتغذية يمثلان عنصراً أساسياً في الكرامة الإنسانية والحق في الصحة.

وأشار البيان إلى أن ملايين الأشخاص حول العالم لا يزالون يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وخاصة الأطفال في مناطق النزاعات والنزوح.

وأكدت الدول المشاركة أن التغذية ليست مجرد قضية صحية، بل حق أساسي يرتبط مباشرة بالنمو والرفاه والقدرة على التمتع ببقية الحقوق الإنسانية.

الاستثمار في الصحة

من جانبها، شددت مجموعة دول آسيا والمحيط الهادئ، في بيان ألقته بنغلاديش، على أن الاستثمار في الصحة أصبح ضرورة ملحة في ظل التحديات العالمية المتزايدة.

وأكدت أهمية تعزيز برامج التحصين والرعاية الصحية الأولية وتطوير المجتمعات المحلية، إلى جانب الاستفادة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في تطوير الأنظمة الصحية.

ودعت إلى اعتماد نهج شامل يعالج أوجه عدم المساواة ويضمن وصول الخدمات الصحية إلى جميع الفئات بتكلفة ميسورة.

دول الخليج والحق في الصحة

وأكد مجلس التعاون لدول الخليج العربية، في بيان ألقته البحرين، أن الحق في الصحة يحتل مكانة مركزية في السياسات الوطنية لدول المجلس.

وأوضح البيان أن دول الخليج تواصل الاستثمار في تطوير البنية التحتية الصحية وتحسين جودة الخدمات وتعزيز التغطية الصحية الشاملة بما يضمن حصول جميع أفراد المجتمع على الرعاية الصحية اللازمة.

وشدد على أهمية مراعاة الخصوصيات الوطنية والقيم الثقافية والدينية عند تنفيذ السياسات الصحية، مع الالتزام بالمفاهيم المتفق عليها دولياً.

غزة تحت المجهر

وخلال النقاش، برزت الأوضاع الإنسانية والصحية في قطاع غزة باعتبارها إحدى القضايا الرئيسية المطروحة.

وأشارت مداخلات عدة إلى التداعيات الخطيرة للحصار ونقص الوقود والإمدادات الطبية على عمل المستشفيات والخدمات الصحية.

وجرى التحذير من تدهور أوضاع الأطفال والمرضى، خاصة في ظل التأثير المباشر للأزمة على الحضانات ووحدات العناية المركزة ومرافق علاج الأمراض المزمنة.

وفي السياق ذاته، أكدت دولة فلسطين أن استهداف المستشفيات والمنشآت الصحية وحرمان السكان من الغذاء والمياه يشكل انتهاكاً مباشراً للحق في الصحة والكرامة الإنسانية، مشيرة إلى الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية الصحية في قطاع غزة.

دعوات لتعزيز العدالة

استعرضت نيجيريا جهودها الوطنية لتطوير الرعاية الصحية الأولية وتحسين صحة الأمهات والأطفال وتعزيز خدمات الصحة النفسية، مؤكدة أهمية بناء أنظمة صحية قائمة على الكرامة والإنصاف والمساءلة.

وبدورها، شددت أستراليا على ضرورة اعتماد نهج قائم على حقوق الإنسان في إدارة الأنظمة الصحية، مؤكدة أن التمييز والإقصاء لا يزالان من أكبر التحديات التي تعيق تحقيق العدالة الصحية.

ودعت إلى تعزيز المشاركة المجتمعية والمساءلة، خاصة فيما يتعلق بالفئات الأكثر تهميشاً وحرماناً.

مركزية الكرامة الإنسانية

أظهرت المناقشات توافقاً واسعاً بين الوفود المشاركة على أن الحق في الصحة لا يمكن فصله عن الكرامة الإنسانية، وأن بناء أنظمة صحية عادلة وشاملة يتطلب معالجة جذور التمييز وعدم المساواة وتعزيز الاستثمار في الخدمات الصحية والبنية التحتية والموارد البشرية.

وبرزت دعوات متزايدة إلى اعتماد مقاربات قائمة على حقوق الإنسان، وتعزيز التعاون الدولي والتضامن العالمي، وضمان وصول جميع الأفراد إلى الرعاية الصحية دون تمييز، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لتحقيق التنمية المستدامة وحماية الكرامة الإنسانية للجميع.