منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

التحول الرقمي يصل إلى القرى النائية في فيتنام ويمنح الأقليات العرقية نافذة جديدة على المعرفة

23 يونيو 2026
تدريب سكان في فيتنام على استخدام التكنولوجيا الرقمية
تدريب سكان في فيتنام على استخدام التكنولوجيا الرقمية

رهنت السلطات المحلية في مقاطعة كاو بانغ الفيتنامية جزءاً كبيراً من خططها التنموية بتوسيع استخدام التكنولوجيا الرقمية وتطبيقات المعلومات الحديثة، في مسعى يستهدف تقليص فجوة المعرفة بين المناطق الحضرية والمناطق الجبلية التي تقطنها الأقليات العرقية.

وتضع المقاطعة الواقعة شمالي فيتنام قضية الوصول إلى المعلومات في مقدمة أولوياتها التنموية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن المعرفة تمثل المدخل الأساسي لتحسين مستويات المعيشة وتعزيز فرص التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات البعيدة عن المراكز الحضرية.

ووفقاً لتقرير حديث أصدرته إدارة الأقليات العرقية والأديان في مقاطعة كاو بانغ، كثفت السلطات المحلية خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 تنفيذ مشروع تعزيز تطبيق تكنولوجيا المعلومات لدعم الأقليات العرقية في التنمية الاجتماعية والاقتصادية وتعزيز الأمن والاستقرار في المناطق الجبلية.

وأوضح التقرير أن المشروع ساعد السكان في المناطق النائية على تجاوز العوائق الجغرافية التقليدية والوصول بصورة أسرع إلى المعلومات والخدمات الرقمية والمعارف العلمية والتكنولوجية الحديثة.

التحول الرقمي كأداة للتنمية

تنطلق استراتيجية كاو بانغ من مبدأ ربط التحول الرقمي بالتنمية الشاملة في فيتنام، بدلاً من التعامل معه باعتباره مشروعاً تقنياً منفصلاً.. ولهذا السبب عملت السلطات على تطوير منصات رقمية سهلة الاستخدام تتلاءم مع احتياجات السكان اليومية وتراعي الخصائص الاجتماعية والثقافية للمناطق التي تسكنها الأقليات العرقية.

وشجعت المقاطعة المؤسسات والهيئات والأفراد على الاستفادة من نظام معلومات قاعدة بيانات شؤون الأقليات العرقية، إلى جانب منتدى الحوار الإلكتروني الخاص بشؤون الأقليات العرقية. وأتاحت هذه المنصات للسكان فرصة متابعة التوجيهات الحكومية والسياسات العامة والبرامج التنموية بشكل مباشر، كما وفرت قنوات تواصل تسمح للمواطنين بطرح مشكلاتهم ومقترحاتهم أمام الجهات المختصة دون الحاجة إلى التنقل لمسافات طويلة.

ويؤكد مسؤولون محليون أن هذه الأدوات الرقمية أسهمت في تعزيز الشفافية وتحسين التفاعل بين الإدارة والمجتمع، كما ساعدت في رفع مستوى الوعي بالحقوق والخدمات المتاحة لسكان المناطق الجبلية.

استمرار دور الإعلام التقليدي

ورغم التوسع في الخدمات الرقمية الذي تشهده فيتنام، لم تتخلَ مقاطعة كاو بانغ عن وسائل الإعلام التقليدية التي ما زالت تحتفظ بأهمية كبيرة في بعض المناطق التي تعاني من ضعف البنية التحتية الرقمية أو محدودية الاتصال بالإنترنت.

وخلال مايو 2026 وحده، وزّعت السلطات المحلية أكثر من 26 ألف نسخة من المطبوعات الصحفية على شخصيات مجتمعية مؤثرة بلغ عددها 1462 شخصاً. وشملت عمليات التوزيع صحيفة كاو بانغ المحلية ونشرة الجماعات العرقية والتنمية الأسبوعية.

ويؤدي هؤلاء المؤثرون دوراً مهماً في نقل المعلومات الرسمية إلى القرى والنجوع البعيدة، ما يعزز انتشار الرسائل التوعوية والتنموية داخل المجتمعات المحلية.

بناء المهارات إلى جانب المعلومات

لم تحصر المقاطعة جهودها في توفير الأخبار والمعلومات، بل ركّزت أيضاً على بناء القدرات البشرية وتطوير المهارات العملية التي تساعد السكان على تحسين أوضاعهم الاقتصادية.

وفي هذا السياق نظّمت إدارة الأقليات العرقية والأديان 12 دورة تدريبية متخصصة استهدفت المسؤولين المحليين وأفراد المجتمعات الجبلية.

وركّزت البرامج التدريبية على موضوعات ترتبط مباشرة بالحياة اليومية للسكان، مثل أساليب التنمية المجتمعية المستدامة، وآليات الحد من الفقر، وإدارة المشروعات المحلية، ومراقبة الاستثمارات المجتمعية، وتعزيز الإنتاج المرتبط بسلاسل القيمة، إضافة إلى مهارات التسويق والترويج التجاري للمنتجات المحلية.

ويرى القائمون على هذه المبادرات أن امتلاك المعرفة وحده لا يكفي لتحقيق التنمية، بل يحتاج السكان إلى مهارات عملية تمكنهم من تحويل المعلومات إلى مشاريع اقتصادية وفرص دخل مستدامة.

إعلام متعدد اللغات لخدمة الأقليات

يلعب الإعلام المحلي دوراً محورياً في تنفيذ استراتيجية مكافحة فقر المعلومات، فقد حافظت صحيفة وإذاعة وتلفزيون كاو بانغ على برامج ومحتويات متخصصة تستهدف الأقليات العرقية بلغاتها المحلية، الأمر الذي ساعد على توسيع نطاق الوصول إلى المعلومات وتعزيز المشاركة المجتمعية.

وتبث قناة كاو بانغ التلفزيونية برامجها لمدة 15 ساعة يومياً عبر التلفزيون الفضائي ومنصات الإنترنت المختلفة، كما تقدم برامج موجهة بلغات تاي نونغ ومونغ وداو وفق جدول بث منتظم يراعي التنوع اللغوي والثقافي لسكان المقاطعة.

وتوفر الإذاعة المحلية محتوى بأربع لغات تشمل الفيتنامية وتاي نونغ وهمونغ وداو، مع برامج إخبارية وثقافية وفنية وتنموية متنوعة. ويسهم هذا التنوع اللغوي في ضمان وصول الرسائل الإعلامية إلى مختلف الفئات السكانية بلغاتها الأم، وهو ما يعزز فعالية التواصل ويزيد من مستوى التفاعل مع القضايا التنموية.

تحديات تعوق التطوير

على الرغم من التقدم الذي حققته المقاطعة، فإن المؤسسات الإعلامية المحلية لا تزال تواجه مجموعة من التحديات الفنية والتقنية. واعترف قادة صحيفة وإذاعة وتلفزيون كاو بانغ بوجود صعوبات تؤثر على جودة العمل الإعلامي، أبرزها الاعتماد على استوديو تسجيل واحد لإنتاج البرامج بعدة لغات، إلى جانب تقادم عدد من المعدات التقنية وتكرار الأعطال الفنية.

وتسعى المؤسسة الإعلامية إلى تحديث بنيتها التحتية وتطوير أدوات الإنتاج بما يواكب التوسع في الخدمات الإعلامية الرقمية، مع التركيز على زيادة ساعات البث باللغات المحلية، وخاصة لغة تاي التي يتحدث بها نحو 70 في المئة من سكان المقاطعة.

رؤية وطنية للتحول الرقمي

تتزامن جهود كاو بانغ مع توجه وطني أوسع تتبناه الحكومة الفيتنامية لتعزيز العلوم والتكنولوجيا والابتكار. وخلال اجتماع وطني عقد الثلاثاء لمناقشة تطوير التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، شدد رئيس الوزراء لي مينه هونغ على أهمية إزالة العقبات التي تعرقل الابتكار، وإتقان التقنيات الأساسية والاستراتيجية التي تدعم بناء دولة رقمية متكاملة.

وأظهرت البيانات الحكومية أن 29 منطقة في مختلف أنحاء البلاد سجلت 124 منتجاً علمياً وتكنولوجياً رائداً، فيما شاركت كاو بانغ بفاعلية ضمن هذه المبادرات، كما ناقشت الوزارات والهيئات الحكومية مجموعة من الخطط المتعلقة بالطاقة المتجددة والزراعة الذكية والسياحة الرقمية والتكنولوجيا الصحية، في إطار رؤية تستهدف تعزيز الاقتصاد المعرفي وتحقيق نمو مستدام.

تعد مقاطعة كاو بانغ واحدة من المناطق الجبلية الواقعة شمال فيتنام بالقرب من الحدود مع الصين، وتضم عدداً كبيراً من الأقليات العرقية التي تعيش في مناطق متفرقة ذات تضاريس معقدة.

وعلى مدى سنوات طويلة واجهت هذه المجتمعات تحديات تتعلق بصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية والمعلومات وفرص التعليم والتدريب.

ومع تسارع التحول الرقمي في فيتنام، بدأت الحكومة المركزية والسلطات المحلية تنفيذ برامج واسعة لدمج المناطق الجبلية في الاقتصاد الرقمي وتقليص الفجوة التنموية بينها وبين المدن الكبرى.

وتعتبر مكافحة فقر المعلومات أحد المحاور الرئيسية لهذه الاستراتيجية، إذ تنظر فيتنام إلى المعرفة الرقمية باعتبارها أداة أساسية لتحسين مستويات التعليم والصحة والإنتاج والدخل، فضلاً عن تعزيز مشاركة المواطنين في الحياة العامة ودعم التنمية المستدامة في المناطق التي تسكنها الأقليات العرقية.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print