منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث بمنصة صفر

قبول التوصيات الحقوقية لا يكفي.. الاختبار الحقيقي للدول يبدأ بعد جنيف

21 يونيو 2026
تستعد العاصمة السويسرية جنيف لاستضافة أعمال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة
تستعد العاصمة السويسرية جنيف لاستضافة أعمال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة

في الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان، تبدو الأرقام في كثير من الأحيان مشجعة، دولة تعلن دعمها لعشرات أو مئات التوصيات، وأخرى تؤكد انفتاحها على الحوار، وثالثة تعرض خططاً وطنية وإصلاحات مؤسسية.

لكن القراءة التحليلية لهذه الأرقام تكشف أن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بعدد التوصيات التي قبلتها الدولة، بل بطبيعة هذه التوصيات، وبالملفات التي بقيت خارج القبول الكامل، وبمدى وجود خطة حقيقية لتحويل الالتزامات إلى إجراءات قابلة للقياس.

فالاستعراض الدوري الشامل لا ينتهي في قاعة مجلس حقوق الإنسان عند عرض التقرير أو اعتماد النتائج، تلك ليست سوى بداية المسار، أما الاختبار الحقيقي فيبدأ بعد جنيف، حين تعود الدولة إلى مؤسساتها الوطنية، وتصبح مطالبة بتحويل التوصيات إلى قوانين، سياسات، موازنات، بيانات، خدمات، وآليات متابعة.

الأرقام لا تقدم الصورة كاملة

تكشف مراجعات عدد من الدول ضمن الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان أن القبول الرقمي الواسع لا يعني بالضرورة أن جميع الملفات الجوهرية قد حُسمت، ففي حالة ولايات ميكرونيزيا الموحدة، أعلنت الدولة دعمها لـ155 توصية من أصل 162، وأخذت علماً بـ7 توصيات فقط، هذا الرقم يعكس انفتاحاً واضحاً على آلية الاستعراض الدوري الشامل، لكنه لا يجيب وحده على سؤال التنفيذ: كيف ستتمكن دولة جزرية صغيرة، محدودة الموارد وموزعة جغرافياً، من تحويل هذه التوصيات إلى حماية فعلية في ملفات المناخ، البيانات، حقوق النساء، الأشخاص ذوي الإعاقة، وحماية الأطفال؟

وفي موريتانيا، قبلت الدولة 229 توصية من أصل 271، وهي نسبة قبول مرتفعة، لكن التوصيات التي أخذت بها علماً أو قبلتها جزئياً ارتبطت بملفات ذات حساسية واضحة، مثل عقوبة الإعدام، التحفظات على اتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة، قوانين الأحوال الشخصية، الجنسية، وحرية الدين، وهنا تظهر أهمية القراءة النوعية: قد تكون التوصيات غير المقبولة أقل عدداً، لكنها أعمق أثراً على بنية الحقوق والقانون.

أما في نيبال، فقد دعمت الدولة 224 توصية من أصل 284، لكنها أخذت علماً أو قدمت مواقف جزئية بشأن توصيات تتعلق بالعدالة الانتقالية، ومدد التقادم في قضايا العنف الجنسي والاغتصاب، وهذا يعني أن بعض الملفات التي تمس حق الضحايا في الوصول إلى العدالة قد تبقى معلقة، حتى عندما تظهر الدولة قبولاً واسعاً لتوصيات أخرى.

التوصيات تكشف حدود الإصلاح

غالباً ما يكون من الأسهل على الدول قبول التوصيات العامة التي تدعو إلى تعزيز الجهود، تطوير السياسات، تحسين التدريب، أو مواصلة التعاون مع الآليات الدولية، لكن الاختبار الحقيقي يظهر عند التوصيات التي تتطلب تعديلات قانونية أو سياسية واضحة، مثل إلغاء عقوبة الإعدام، تعديل قوانين الجنسية، تجريم العنف الأسري أو الاغتصاب الزوجي، إزالة مدد التقادم في قضايا العنف الجنسي، أو حماية الفضاء المدني والإعلام.

في حالة عُمان، يظهر هذا النمط بوضوح، فقد قبلت الدولة بعض الجوانب المتعلقة بالتدريب والحماية والوصول إلى العدالة، لكنها أخذت علماً أو قبلت جزئياً توصيات ترتبط بعقوبة الإعدام، سن المسؤولية الجزائية، زواج من هم دون 18 عاماً، العمالة، العنف الأسري، والاغتصاب الزوجي، وهذا يكشف أن القبول قد يكون واسعاً في المجالات الإجرائية أو التدريبية، لكنه يصبح أكثر تحفظاً عندما تصل التوصيات إلى تعديل النصوص القانونية أو إدخال مفاهيم حقوقية جديدة في التشريع الوطني.

لذلك، لا يكفي أن نسأل: كم توصية قبلت الدولة؟ بل يجب أن نسأل: هل قبلت الدولة التوصيات التي تمس جوهر المشكلة؟ وهل تحفظت على الملفات الأكثر حساسية؟ وهل القبول عام وفضفاض، أم مرتبط بإجراءات قابلة للتنفيذ؟

القبول ليس تنفيذاً

قبول التوصية قد يبقى موقفاً دبلوماسياً إذا لم يتحول إلى خطة وطنية واضحة، فالتنفيذ يحتاج إلى جهة مسؤولة، وجدول زمني، وموازنة، ومؤشرات قياس، وبيانات مصنفة، وتنسيق بين الوزارات والمؤسسات، ومن دون ذلك، يمكن أن تبقى التوصية المقبولة في الوثائق، دون أثر مباشر على حياة الناس.

وهنا تبرز أهمية التقارير الجديدة المتعلقة بالصناديق الطوعية المرتبطة بالاستعراض الدوري الشامل، فتقرير الصندوق الطوعي للمشاركة يوضح أن الصندوق دعم منذ تأسيسه مشاركة 276 مندوباً من 119 دولة، خاصة من الدول النامية وأقل البلدان نمواً والدول الجزرية الصغيرة النامية، أما تقرير الصندوق الطوعي للمساعدة المالية والتقنية، فيشير إلى تلقي 34 مقترح مشروع عام 2025 لدعم تنفيذ التوصيات وبناء الآليات الوطنية للتنفيذ وإعداد التقارير والمتابعة.

هذه الأرقام تكشف أن المجتمع الدولي نفسه يدرك أن المشكلة ليست فقط في صياغة التوصيات، بل في القدرة على تنفيذها، فالدول، وخاصة الصغيرة أو محدودة الموارد، قد تحتاج إلى دعم فني ومالي حتى تتمكن من تحويل الالتزامات إلى سياسات فعلية.

التنفيذ يحتاج مؤسسات

من أبرز ما تكشفه تقارير الدول أن التنفيذ لا يمكن أن يحدث دون مؤسسات وبيانات، بعض الدول تحتاج إلى إنشاء مؤسسات وطنية مستقلة لحقوق الإنسان، دول أخرى تحتاج إلى آليات وطنية لمتابعة التوصيات، ودول كثيرة تحتاج إلى بيانات مصنفة حسب الجنس، العمر، الإعاقة، المنطقة، والفئات الأكثر هشاشة.

غياب البيانات لا يعني فقط نقصاً في الأرقام، بل قد يعني غياب بعض الفئات عن السياسات العامة، فإذا لم تعرف الدولة بدقة أوضاع النساء، الأطفال، الأشخاص ذوي الإعاقة، العمال المهاجرين، اللاجئين، أو سكان المناطق النائية، فلن تستطيع قياس أثر السياسات أو معرفة من يستفيد ومن يبقى خارج نطاق الحماية.

وهذا يظهر بوضوح في الدول الجزرية الصغيرة، حيث تجعل الجغرافيا والمناخ والموارد المحدودة عملية التنفيذ أكثر تعقيداً، ففي هذه الحالات، لا يكون التحدي فقط في قبول التوصية، بل في الوصول إلى المجتمعات المتفرقة، جمع البيانات، توفير الخدمات، وبناء مؤسسات قادرة على المتابعة.

ما الذي يجب مراقبته؟

المتابعة الجدية للاستعراض الدوري الشامل لا يجب أن تتوقف عند اعتماد التقرير، المطلوب هو مراقبة ما بعد القبول:

·         هل وضعت الدولة خطة تنفيذ وطنية؟

·         هل حددت الجهات المسؤولة عن كل توصية؟

·         هل خصصت موازنة؟

·         هل أشركت البرلمان والمجتمع المدني؟

·         هل نشرت بيانات مصنفة؟

·         هل قدمت مؤشرات واضحة لقياس التقدم؟

·         وهل تحولت التوصيات إلى قوانين أو خدمات أو سياسات ملموسة؟

هذه الأسئلة هي التي تحول الاستعراض الدوري الشامل من تمرين دبلوماسي إلى أداة فعلية لتحسين أوضاع حقوق الإنسان.

خلاصة تحليلية

تؤكد القراءة الأولية لتقارير الاستعراض الدوري الشامل أن الأرقام مهمة، لكنها ليست كافية، فالدولة التي تقبل عدداً كبيراً من التوصيات قد تبقى متحفظة على ملفات جوهرية، والدولة التي تعلن القبول قد لا تمتلك المؤسسات أو الموارد أو البيانات اللازمة للتنفيذ، لذلك، فإن التقييم الحقيقي لأي مراجعة يجب أن يجمع بين ثلاثة عناصر: عدد التوصيات المقبولة، ونوعية التوصيات التي تم التحفظ عليها، ومدى وجود خطة واضحة للتنفيذ.

الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان ليس سباقاً في عدد التوصيات المقبولة، هو اختبار لقدرة الدول على تحويل الالتزامات إلى حماية فعلية، والمرحلة الأهم لا تبدأ فقط في جنيف، بل تبدأ بعدها: في التشريعات، الموازنات، المؤسسات، البيانات، والخدمات التي تصل إلى الناس.

 

 

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print