منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أمام الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان

الأمم المتحدة تدعو لتحالف عالمي من أجل السلام وتحذّر من سباق التسلح وتراجع الدبلوماسية

12 يونيو 2026
مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة
مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة

حذّر تقرير أممي جديد من أن العالم يواجه مرحلة بالغة الخطورة نتيجة تصاعد النزاعات المسلحة وسباقات التسلح وتراجع الاستثمار في التنمية والدبلوماسية، مؤكداً أن السلام العالمي بات يتعرض لضغوط غير مسبوقة في ظل تنامي الاستقطاب السياسي واتساع الفجوات الاقتصادية والاجتماعية وتزايد التوترات الدولية.

وأكد التقرير أن استمرار هذه الاتجاهات يهدد بإضعاف النظام الدولي القائم على التعاون متعدد الأطراف، ويقوض الجهود الرامية إلى حماية حقوق الإنسان وتحقيق التنمية المستدامة، داعياً إلى إعادة إحياء ثقافة التضامن الدولي باعتبارها الركيزة الأساسية لبناء سلام دائم وعادل بين الشعوب والدول.

وأشار التقرير، الذي يُعرض أمام الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والمنعقدة خلال الفترة من 15 يونيو إلى 10 يوليو، إلى أن العالم بحاجة ماسة إلى إعادة ترتيب أولوياته لمصلحة السلام والتنمية والعدالة الاجتماعية بدلاً من التوسع في الإنفاق العسكري والانخراط في سياسات الاستقطاب والمواجهة.

ودعا إلى تشكيل تحالف عالمي للتضامن من أجل السلام يكون قادراً على مواجهة التحديات الراهنة، وتعزيز الحوار بين الدول، واستعادة الحيز المدني، وتجديد الالتزام بحل النزاعات عبر الوسائل السلمية باعتبارها أساس النظام الدولي المعاصر.

ويؤكد التقرير، الذي أعدته الخبيرة المستقلة المعنية بحقوق الإنسان والتضامن الدولي سيسيليا م. باييه، أن العالم يشهد في الوقت الراهن مجموعة متشابكة من الأزمات التي تهدد الاستقرار العالمي، من بينها الارتفاع القياسي في مستويات التسلح، وتجدد المخاوف المرتبطة بالأسلحة النووية، وتفاقم الأزمات البيئية، واتساع الفوارق الاقتصادية داخل الدول وفيما بينها، فضلاً عن تنامي الجريمة المنظمة العابرة للحدود وانتشار المعلومات المضللة التي تغذي الانقسامات المجتمعية والسياسية.

ويرى التقرير أن هذه التحديات تتزامن مع تراجع ملحوظ في فعالية المؤسسات الدولية متعددة الأطراف، الأمر الذي أضعف قدرة المجتمع الدولي على الاستجابة للأزمات ومنع النزاعات.

ويشير إلى أن العديد من الدول باتت تنتهك بصورة متزايدة المبادئ الأساسية المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، وعلى رأسها احترام سيادة الدول والمساواة بينها وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية والامتناع عن التهديد باستخدام القوة أو اللجوء إليها.

وفي هذا السياق، يلفت التقرير إلى أن تصاعد الإنفاق العسكري يأتي في وقت تتعرض فيه قطاعات أساسية مثل التعليم والصحة وحقوق الإنسان والتنمية الاجتماعية لتخفيضات متزايدة في التمويل، وهو ما ينعكس سلباً على فرص بناء مجتمعات أكثر استقراراً وقدرة على مواجهة الأزمات.

ويشدد التقرير على أن مفهوم السلام لا ينبغي أن يقتصر على غياب الحرب أو العنف المباشر، بل يجب أن يشمل أيضاً معالجة الأسباب الجذرية للنزاعات، بما في ذلك الفقر والتمييز والتهميش وعدم المساواة.

ويصف هذا النهج بـ”السلام الإيجابي”، الذي يقوم على العدالة الاجتماعية والمساواة والاحترام المتبادل بين الأفراد والمجتمعات والدول.

ويعتبر التقرير أن التضامن الدولي يمثل الأداة الرئيسية لتحقيق هذا النوع من السلام، لأنه يرسخ قيم التعاون والمسؤولية المشتركة ويعزز قدرة المجتمعات على مواجهة التحديات العابرة للحدود.

ويؤكد أن التضامن لا يقتصر على المساعدات الإنسانية أو الدعم المالي، بل يشمل أيضاً حماية الحقوق والحريات وتعزيز الإدماج الاجتماعي واحترام التنوع الثقافي والديني والعرقي.

ويحذّر التقرير من أن العالم يشهد اليوم تراجعاً في الاهتمام بالدبلوماسية الوقائية وتسوية النزاعات عبر الحوار، مقابل تصاعد الاعتماد على المقاربات الأمنية والعسكرية.

ويرى أن هذا التحول يؤدي إلى إطالة أمد الأزمات بدلاً من حلها، ويزيد من احتمالات انتهاك حقوق الإنسان وتقويض الحريات الأساسية.

ويتناول التقرير عدداً من الأمثلة المتعلقة بالنزاعات والتوترات الدولية الراهنة، مشيراً إلى أن المجتمع الدولي يواجه اختبارات صعبة تتعلق بمدى احترام مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

ويؤكد أن الحفاظ على السلم والأمن الدوليين يتطلب التزاماً جماعياً بإعلاء القانون الدولي وعدم اللجوء إلى القوة لحل الخلافات السياسية.

ويخصص التقرير جانباً مهماً للحديث عن الدور الذي تؤديه الحركات المدنية ومنظمات المجتمع المدني في تعزيز السلام.

ويشير إلى أن هذه الجهات لعبت عبر العقود الماضية أدواراً محورية في الدعوة إلى حظر الأسلحة النووية، والمطالبة بوقف إطلاق النار في مناطق النزاع، ودعم عمليات المصالحة والعدالة الانتقالية، فضلاً عن مواجهة العنف والتمييز والدفاع عن الفئات الأكثر ضعفاً.

لكن التقرير يحذّر في الوقت ذاته من أن نشطاء السلام والمدافعين عن حقوق الإنسان يتعرضون بصورة متزايدة للملاحقة والاعتقال والتهديد، بل القتل في بعض الحالات، بسبب أنشطتهم السلمية ودعواتهم إلى الحوار والتسوية السلمية للنزاعات.

ويتناول التقرير مفهوم “الحق في السلام”، مشيراً إلى أن عدداً من الدساتير الوطنية حول العالم بات يعترف بهذا الحق بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

ويستعرض نماذج من دول مثل كوستاريكا واليابان والإكوادور وكولومبيا، التي أدرجت مبادئ السلام وعدم اللجوء إلى الحرب ضمن أطرها الدستورية أو التشريعية.

كما يستعرض التقرير عدداً من السوابق القضائية التي أكدت أهمية حماية الحق في السلام، مشيراً إلى أحكام قضائية ربطت بين السلام والتمتع ببقية حقوق الإنسان، واعتبرت أن الحفاظ على السلم يشكل التزاماً دستورياً يقع على عاتق الدولة.

وفي سياق متصل، يناقش التقرير أهمية مناطق السلام الخالية من الأسلحة النووية والقواعد العسكرية الأجنبية، معتبراً أنها تمثل نماذج عملية للتضامن الدولي من أجل السلام، ومشيرا إلى المبادرات الإقليمية التي شهدتها أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي للحفاظ على الطابع السلمي للمنطقة وتعزيز التعاون بين دولها رغم الخلافات السياسية القائمة.

ويتطرق التقرير إلى قضية الاستنكاف الضميري عن الخدمة العسكرية، معتبراً إياها إحدى صور التضامن مع السلام، مؤكدا أن الحق في رفض المشاركة في الأعمال العسكرية يرتبط بحرية الفكر والضمير والدين، وقد اعترفت به العديد من الأنظمة القانونية والمحاكم الوطنية والدولية.

ومن بين القضايا التي يسلط التقرير الضوء عليها كذلك، الدور الذي تلعبه عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية في منع النزاعات وحماية المدنيين ودعم جهود الإغاثة الإنسانية، لكنه يحذر من أن الأزمات المالية التي تواجهها الأمم المتحدة قد تؤثر سلباً على قدرة هذه العمليات على أداء مهامها في المستقبل.

ويناقش التقرير أهمية المعاهدات الدولية الخاصة بالحد من التسلح ونزع الأسلحة، معرباً عن القلق إزاء التراجع الذي تشهده بعض هذه الاتفاقيات خلال السنوات الأخيرة، ويرى أن تنامي سباقات التسلح، خصوصاً في المجال النووي، يمثل تهديداً مباشراً للأمن العالمي ولحق الأفراد والشعوب في العيش بسلام.

ويؤكد التقرير أن تسوية النزاعات عبر الوسائل السلمية تظل الخيار الأكثر فاعلية واستدامة، مستعرضاً تجارب دولية وإقليمية نجحت في حل خلافاتها الحدودية والسياسية عبر التفاوض أو الوساطة أو اللجوء إلى المحاكم الدولية بدلاً من المواجهات العسكرية.

وفي جانب آخر، يربط التقرير بين السلام وقضايا اللجوء والهجرة، موضحاً أن ملايين اللاجئين والنازحين حول العالم هم في الواقع ضحايا مباشرون لانهيار السلم والأمن، ويشيد بالدول التي تستضيف أعداداً كبيرة من اللاجئين وتوفر لهم الحماية والفرص اللازمة للاندماج، معتبراً ذلك أحد أبرز أشكال التضامن الدولي.

ويحذر من تصاعد خطاب الكراهية والعنصرية والتمييز، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، معتبراً أن هذه الظواهر تشكل تهديداً مباشراً للسلم الاجتماعي وتزيد من احتمالات العنف والانقسام، ويدعو إلى تبني سياسات شاملة لمواجهة خطاب الكراهية وتعزيز ثقافة الحوار والتعايش واحترام التنوع.

ويشدد التقرير على أن بناء السلام المستدام يتطلب إشراك الفئات الأكثر تهميشاً في عمليات صنع القرار، بما في ذلك النساء والأشخاص ذوو الإعاقة والشعوب الأصلية والأطفال واللاجئون وكبار السن، ويرى أن مشاركة هذه الفئات بصورة حقيقية وفعالة تساهم في معالجة جذور النزاعات وتعزيز فرص المصالحة والاستقرار.

وفي ختام التقرير، دعت الخبيرة المستقلة المجتمع الدولي إلى تجديد التزامه بقيم التضامن والتعاون متعدد الأطراف، مؤكدة أن السلام ليس مجرد هدف سياسي، بل شرط أساسي للتمتع بجميع حقوق الإنسان.

وشددت على أن مواجهة التحديات العالمية المتزايدة تتطلب استبدال منطق المواجهة والاستقطاب بمنطق الشراكة والحوار، وإعادة توجيه الموارد نحو التنمية والعدالة الاجتماعية والدبلوماسية، بما يضمن بناء عالم أكثر أمناً واستقراراً للأجيال الحالية والمقبلة.