حذرت آليات الأمم المتحدة المعنية بمناهضة التعذيب من أن النساء والفتيات يواجهن أشكالاً مركبة من التعذيب وسوء المعاملة، ترتبط غالباً بالعنف القائم على النوع الاجتماعي، والتمييز، والوصم، وعدم المساواة، ما يجعل حمايتهن والوصول إلى العدالة أمراً يتطلب استجابات خاصة وشاملة.
وجاء ذلك في بيان مشترك أصدره المقرر الخاص المعني بالتعذيب، ولجنة مناهضة التعذيب، واللجنة الفرعية لمنع التعذيب، وصندوق الأمم المتحدة لضحايا التعذيب، بمناسبة اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب الذي وافق أمس الجمعة.
وأكدت الآليات الأممية، في بيانها، تضامنها مع ضحايا التعذيب حول العالم، مشددة على أن التعذيب لا يمكن التعامل معه باعتباره فعلاً محايداً من الناحية الجندرية؛ لأن أنماطه وآثاره تختلف باختلاف النوع الاجتماعي والظروف الاجتماعية المحيطة بالضحايا.
وأوضحت أن النساء والفتيات يتعرضن لأشكال متعددة من التعذيب وسوء المعاملة في مراكز الاحتجاز والسجون ومناطق النزاع وطرق الهجرة والمؤسسات المغلقة، ومنها العنف الجنسي، والتفتيش العاري، والإذلال، والتدخل في الصحة الإنجابية، والحرمان من الرعاية الصحية، والتهديدات، والوصم الاجتماعي.
حظر التعذيب في القوانين لا يكفي
شدد البيان على أن حظر التعذيب في القوانين لا يكفي وحده للقضاء على هذه الممارسات، مؤكداً أن الدول ملزمة بإنشاء آليات عملية وفعالة وآمنة للتحقيق في الانتهاكات، ومنع الإفلات من العقاب، وضمان إعادة تأهيل الضحايا، وتمكينهم من الوصول إلى العدالة.
وتؤكد التقارير الحقوقية الدولية أن التعذيب وسوء المعاملة لا يزالان قائمين في مراكز الشرطة والسجون ومراكز احتجاز المهاجرين ومناطق العمليات العسكرية وأثناء قمع الاحتجاجات، رغم الحظر القانوني المطلق للتعذيب بموجب القانون الدولي.
وتشير هذه التقارير إلى أن استخدام التعذيب لا يقتصر على الأنظمة الاستبدادية، بل يظهر أيضاً في ممارسات بعض الأجهزة الأمنية داخل دول تصنف نفسها باعتبارها ديمقراطية، خصوصاً في سياقات مكافحة الإرهاب، وضبط الحدود، واحتجاز المهاجرين، ومواجهة الاحتجاجات.
وترصد المنظمات الحقوقية ثلاثة عوامل رئيسية تفسر التراجع الملحوظ في جهود مكافحة التعذيب خلال السنوات الأخيرة، أولها صعود السياسات الأمنية التي تبرر القيود والانتهاكات بذريعة مكافحة الإرهاب، أو حماية الحدود، أو مكافحة الهجرة غير النظامية، أو الحفاظ على النظام العام.
مراكز احتجاز المهاجرين
في هذا السياق، تبرز مراكز احتجاز المهاجرين بوصفها إحدى أكثر المساحات المغلقة إثارة للقلق الحقوقي، حيث دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك مؤخراً إلى إجراء تحقيقات مستقلة في الوفيات التي وقعت أثناء احتجاز المهاجرين لدى وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية.
وأفادت منظمة هيومن رايتس ووتش، بالتعاون مع أطباء من أجل حقوق الإنسان، بأن 52 شخصاً توفوا في حجز وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية خلال أول 500 يوم من الإدارة الأمريكية الحالية، في ظل توسع كبير في نظام الاحتجاز واتهامات بتدهور الرعاية الصحية والرقابة والشفافية.
أما في أوروبا، فتتعرض سياسات صد اللاجئين وتفويض مراقبة الحدود إلى دول ثالثة لانتقادات حقوقية متزايدة، باعتبارها نهجاً أمنياً ينقل الانتهاكات إلى خارج الحدود الأوروبية، ويجعل الضحايا أقل قدرة على الوصول إلى الحماية القانونية أو آليات المساءلة.
وتشير تقارير حقوقية كذلك إلى استمرار مزاعم التعذيب وسوء المعاملة في مناطق النزاع، ومنها الانتهاكات ضد أسرى الحرب والمدنيين، وحالات الاختفاء القسري، وإعدام الأسرى، فضلاً عن استخدام قوانين مكافحة الإرهاب في بعض الدول لتبرير الاحتجاز التعسفي والتعذيب.
أما العامل الثاني، فيتمثل في الإفلات من العقاب، إذ لا يخضع كثير من وقائع التعذيب لتحقيقات مستقلة وفعالة، أو يتمتع المتورطون فيها بحماية إدارية أو حصانة قضائية، أو يجري تعطيل الأدلة، أو تبرير الانتهاكات تحت ذريعة استخدام القوة أثناء أداء الواجب.
آليات مناهضة التعذيب
وتشير ملاحظات لجان وآليات مناهضة التعذيب إلى أن غياب التحقيقات الفعالة، وضعف الضمانات الأساسية داخل الاحتجاز، وصعوبة الوصول إلى محامين وأطباء مستقلين، كلها عوامل تجعل الضحايا عاجزين عن الشكوى، وتفتح الباب أمام تكرار الانتهاكات.
ويتمثل العامل الثالث في ترسيخ ثقافة القمع والعنف، إذ لا يبدأ التعذيب دائماً داخل الزنازين أو مراكز الاحتجاز، بل يسبقه غالباً خطاب اجتماعي وسياسي يجرد الضحايا من إنسانيتهم عبر وصفهم بأنهم إرهابيون أو مجرمون أو مهاجرون غير شرعيين أو خونة.
وتحذر المنظمات الحقوقية من أن هذا الخطاب يخلق قبولاً اجتماعياً لعنف الدولة، ويحوّل مؤسسات إنفاذ القانون والسجون والوحدات العسكرية من أدوات لحماية القانون إلى أدوات للانتقام أو العقاب خارج الضمانات القانونية.
وفيما يتعلق بالنساء والفتيات، شدد البيان الأممي على أن التركيز عليهن هذا العام ليس اختياراً رمزياً، بل محاولة لإبراز الخلفية الاجتماعية والجندرية للتعذيب. فالعنف ضد النساء والفتيات كثيراً ما يتخذ أشكالاً ترتبط بالشرف والعار والأسرة والأمومة والقدرة الإنجابية والخصوصية الجسدية.
وتشمل هذه الأشكال العنف الجنسي، والتهديد بالاغتصاب أو التشهير، والإضرار بالأسرة، والضغط النفسي المرتبط بالأمومة، والتفتيش العاري، والانتهاكات الممنهجة للخصوصية، والحرمان من الخدمات الصحية، خصوصاً خدمات الصحة الإنجابية والنفسية.
مكافحة التعذيب ضد النساء
وأكدت الآليات الأممية أن مكافحة التعذيب ضد النساء والفتيات لا يمكن أن تقتصر على التحقيق الجنائي، بل يجب أن ترتبط أيضاً بسياسات المساواة بين الجنسين، والحق في الصحة، والدعم النفسي والاجتماعي، وآليات الشكوى الآمنة، والعدالة التي تضع الضحايا في مركزها.
وشدد البيان على أن تحقيق العدالة للناجين من التعذيب ليس عملاً خيرياً أو تعاطفياً، بل التزام قانوني وواجب أخلاقي يقع على عاتق الدول؛ لأن آثار التعذيب لا تنتهي عند توقف الانتهاك، بل تمتد إلى أجساد الضحايا ونفسياتهم، وتطول أسرهم ومجتمعاتهم لسنوات طويلة.
وتخلص الرسالة الأممية إلى أن القضاء على التعذيب يتطلب أكثر من النصوص القانونية، إذ يحتاج إلى رقابة مستقلة على أماكن الاحتجاز، وتحقيقات شفافة، ومحاسبة فعلية، وحماية للضحايا والشهود، واستجابات تراعي الفوارق الجندرية والاجتماعية، حتى لا يبقى حظر التعذيب مبدأ قانونياً مجرداً بلا أثر حقيقي في حياة الضحايا.
