تواجه حماية الأطفال في مناطق النزاعات المسلحة تحديات غير مسبوقة مع استمرار ارتفاع معدلات الانتهاكات الجسيمة التي تطول حياتهم ومستقبلهم، في وقت تؤكد فيه الأمم المتحدة أن الأطفال أصبحوا يدفعون ثمناً باهظاً للصراعات الدائرة في مختلف أنحاء العالم.
وتزداد المخاوف الدولية مع توثيق أعداد كبيرة من الضحايا الذين فقدوا حياتهم أو تعرضوا لإصابات دائمة، إلى جانب اتساع نطاق الاعتداءات على المدارس والمستشفيات وحرمان الأطفال من المساعدات الإنسانية، الأمر الذي دفع المنظمة الدولية إلى تجديد دعوتها لاتخاذ إجراءات عاجلة تضمن حمايتهم ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
وذكر مركز إعلام الأمم المتحدة أن الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بالأطفال والنزاعات المسلحة، فانيسا فريزر، عرضت أمام مجلس الأمن نتائج التقرير السنوي الخاص بالأطفال في النزاعات المسلحة، مؤكدة أن التقرير رصد ستة أنماط رئيسية من الانتهاكات التي تطول الأطفال، تشمل القتل والتشويه والتجنيد والاستخدام في النزاعات والاختطاف والاغتصاب وغيرها من أشكال العنف الجنسي، والهجمات على المدارس والمستشفيات، إضافة إلى منع وصول المساعدات الإنسانية.
تحول خطير في طبيعة الانتهاكات
أكدت فانيسا فريزر أن التقرير سجل تحولاً وصفته بالمثير للقلق، بعدما أصبحت القوات الحكومية للمرة الأولى الجهة الرئيسية المسؤولة عن الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال على مستوى العالم. وشمل ذلك ارتفاع مسؤوليتها عن عمليات قتل الأطفال وتشويههم، واستهداف المدارس والمستشفيات، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة.
وأوضحت أن هذا التطور يعكس تراجعاً خطيراً في الالتزام بالقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، مشيرة إلى أن الدول تتحمل المسؤولية الأساسية عن حماية المدنيين، ولا سيما الأطفال، وأن تحولها إلى طرف رئيسي في ارتكاب هذه الانتهاكات يضعف منظومة الحماية الدولية ويقوض الثقة في الالتزامات القانونية التي أقرتها الأسرة الدولية.
وأضافت أن الأطفال يجب ألا يتحولوا إلى ضحايا للصراعات التي يخوضها الكبار، مؤكدة أن الأطراف المتحاربة تتعامل في كثير من النزاعات مع حياة الأطفال باعتبارها ثمناً يمكن التضحية به لتحقيق أهداف عسكرية أو سياسية أو اقتصادية أو للسيطرة على الأراضي.
أرقام تعكس حجم المأساة
كشف التقرير الأممي أن عام 2025 شهد مستويات مرتفعة من الانتهاكات بحق الأطفال، حيث سجل مقتل أو إصابة 14224 طفلاً نتيجة أعمال العنف المرتبطة بالنزاعات المسلحة.
وأوضح التقرير أن 6266 طفلاً فقدوا حياتهم، وتعرض 7958 طفلاً لإصابات وتشوهات دائمة. كما أشار إلى أن الأطفال سقطوا ضحايا داخل منازلهم، وفي مراكز النزوح، والمدارس، والمستشفيات، وحتى أثناء اللعب، وهو ما يعكس اتساع دائرة الخطر ووصولها إلى أماكن يفترض أن توفر الحماية والأمان.
وأكدت فريزر أن هذه الأرقام لا تمثل مجرد إحصاءات، بل تعبر عن قصص إنسانية مؤلمة لأطفال فقدوا حقهم في الحياة والتعليم والأمان بسبب استمرار النزاعات المسلحة.
ست آليات لمواجهة الانتهاكات
قدمت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة ست آليات رئيسية رأت أنها تشكل أساساً لتحسين أوضاع الأطفال في مناطق النزاعات.
ودعت في الخطوة الأولى جميع أطراف النزاع إلى الوقف الفوري لكل الانتهاكات الجسيمة التي تستهدف الأطفال، باعتبار ذلك المدخل الأساسي لأي جهود لحمايتهم.
وأكدت في الآلية الثانية ضرورة ضمان وصول المساعدات الإنسانية بسرعة وأمان ومن دون معوقات، مع توفير الحماية الكاملة للمدنيين والبنية التحتية المدنية، ومنها المدارس والمستشفيات والخدمات الأساسية.
وشددت في الآلية الثالثة على أهمية محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات عبر أنظمة العدالة الوطنية أو من خلال آليات العدالة الدولية عندما تستدعي الحاجة ذلك.
أما الآلية الرابعة، فركزت على ضرورة التعامل مع جميع الأطفال المرتبطين بالقوات والجماعات المسلحة بوصفهم ضحايا يحتاجون إلى الحماية والدعم، وليس باعتبارهم أطرافاً في النزاع.
ودعت في الآلية الخامسة إلى توفير تمويل كاف لبرامج إعادة الإدماج، مع تصميم هذه البرامج تصميماً يراعي الفئات العمرية المختلفة، والفروق بين الجنسين، والآثار النفسية العميقة التي تخلفها الحروب في الأطفال.
وأكدت في الآلية السادسة ضرورة إدماج حماية الطفل في جميع عمليات السلام والمفاوضات السياسية والترتيبات الأمنية، حتى تصبح حقوق الأطفال جزءاً أساسياً من أي تسوية مستقبلية للنزاعات.
تحذيرات من اليونيسف
من جانبها، أكدت المديرة التنفيذية لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف”، كاثرين راسل، أن استمرار استهداف المدارس والمستشفيات ومرافق المياه يحرم الأطفال من أبسط حقوقهم الأساسية، مشددة على أن أي طفل يجب ألا يشعر بالخوف من الذهاب إلى مدرسته أو تلقي العلاج في المستشفى.
وأشارت إلى أن التقرير الأممي أظهر استمرار تعرض الأطفال للقتل والإصابة بعاهات دائمة نتيجة الاستخدام المكثف للأسلحة المتفجرة في المناطق المأهولة بالسكان، كما لفتت إلى تزايد استخدام الطائرات المسيرة في النزاعات، موضحة أن آثارها لا تقتصر على الخسائر البشرية المباشرة، بل تمتد إلى التسبب في صدمات نفسية طويلة الأمد للأطفال الذين يعيشون تحت تهديد دائم.
وشددت راسل على أن حماية الأطفال تتطلب إرادة سياسية حقيقية إلى جانب توفير الموارد المالية الكافية، محذرة من أن خفض التمويل المخصص لبرامج حماية الطفل يقلص قدرة المنظمات الإنسانية على تقديم الدعم للأطفال الذين تعرضوا للانتهاكات الجسيمة.
دعوة لتحرك دولي
طالبت الأمم المتحدة المجتمع الدولي بجعل حماية الأطفال أولوية في جميع الملفات المتعلقة بالسلم والأمن، مؤكدة أن إنهاء الانتهاكات بحق الأطفال لا يتحقق إلا عبر الالتزام الصارم بالقانون الدولي، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ودعم برامج التعافي النفسي والاجتماعي للأطفال المتضررين من النزاعات.
وأكدت كاثرين راسل أن العالم مدين للأطفال ببيئة آمنة تتيح لهم النمو والتعلم وتحقيق أحلامهم بعيداً عن الحروب، داعية الحكومات والمنظمات الدولية إلى توحيد جهودها لمنع استمرار استهداف الأطفال وتحويلهم إلى ضحايا للصراعات المسلحة.
تصدر الأمم المتحدة تقرير الأطفال والنزاعات المسلحة سنوياً استناداً إلى آلية الرصد والإبلاغ التي أنشأها مجلس الأمن بموجب القرار 1612 الصادر عام 2005، وتتابع هذه الآلية ستة انتهاكات جسيمة تشمل القتل والتشويه، والتجنيد والاستخدام في النزاعات، والعنف الجنسي، والاختطاف، والهجمات على المدارس والمستشفيات، ومنع وصول المساعدات الإنسانية.
ويعد التقرير أحد أبرز المراجع الدولية لرصد أوضاع الأطفال في مناطق النزاعات، كما تعتمد عليه الأمم المتحدة في الحوار مع الحكومات والأطراف المسلحة، ووضع خطط عمل تهدف إلى الحد من الانتهاكات وتعزيز حماية الأطفال وفق أحكام القانون الدولي الإنساني واتفاقية حقوق الطفل.
