ضمن أعمال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان، ناقش المجلس خلال اجتماعه التاسع عشر، في إطار البند الثاني، تقرير المفوض السامي لحقوق الإنسان بشأن أثر الألغام المضادة للأفراد على التمتع بجميع حقوق الإنسان، في جلسة شهدت مداخلات واسعة من الدول والمنظمات الدولية، ركزت على التداعيات الإنسانية والحقوقية والتنموية للألغام، وسبل تعزيز الالتزام باتفاقية أوتاوا، ودعم ضحايا الألغام، وتوفير التمويل الدولي اللازم لعمليات إزالة الألغام.
وقدمت بيغي هيكس، مديرة قسم المشاركة المواضيعية والإجراءات الخاصة والحق في التنمية بمكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، التقرير الذي أكد أن الألغام المضادة للأفراد لا تزال تمثل أحد أخطر التهديدات المستمرة للمدنيين، رغم مرور ما يقرب من ثلاثة عقود على اعتماد اتفاقية أوتاوا عام 1997.
وقالت هيكس إن المجتمع الدولي عمل لأكثر من قرن من أجل حظر الأسلحة التي تتسبب في معاناة غير ضرورية، إلا أن التحول الحقيقي جاء مع اعتماد اتفاقية حظر الألغام المضادة للأفراد، التي مثلت رفضاً عالمياً للعنف العشوائي الذي تسببه هذه الأسلحة، مشيرة إلى أن آثار الألغام تبدأ منذ لحظة زرعها ولا تنتهي إلا بإزالتها بالكامل.
وأضافت أن التقرير يأتي في وقت يتعرض فيه القانون الدولي لضغوط متزايدة، في ظل تسجيل انسحابات غير مسبوقة من اتفاقية أوتاوا، إلى جانب مزاعم باستخدام جديد للألغام المضادة للأفراد من قبل دول وجماعات مسلحة، فضلاً عن تقارير تتحدث عن إنتاجها وتخزينها ونقلها، وهو ما وصفته بأنه تطور يهدد المنظومة الدولية لحماية المدنيين.
وأشادت في هذا السياق بقرار لبنان الانضمام إلى اتفاقية أوتاوا، معتبرة أن هذه الخطوة تؤكد إمكانية الالتزام بالقانون الدولي حتى في ظل التحديات الأمنية.
مليون ضحية منذ عام 1975
واستعرض التقرير الأرقام التي تعكس حجم الكارثة الإنسانية، إذ قدر وقوع نحو مليون ضحية بسبب الألغام منذ عام 1975، فيما تم تسجيل أكثر من 160 ألف ضحية بين عامي 1999 و2024.
وأوضح أن 90% من الضحايا الذين عرفت صفتهم كانوا من المدنيين، بينما شكل الأطفال نحو 40% من إجمالي الضحايا المسجلين خلال الفترة نفسها، الأمر الذي يعكس التأثير غير المتناسب لهذه الأسلحة على الفئات الأكثر هشاشة.
وأشار التقرير إلى أن الناجين يعانون من إصابات دائمة تشمل البتر وفقدان البصر والسمع وإصابات الشظايا، بينما يحتاج كثير منهم إلى خدمات تأهيل طويلة الأجل، إلى جانب الدعم النفسي والاجتماعي، في وقت تواجه فيه النساء والفتيات أعباء إضافية في رعاية المصابين، كما يتعرض الأشخاص ذوو الإعاقة لصعوبات أكبر في الوصول إلى الخدمات والمساعدات.
آثار تتجاوز الإصابات المباشرة
ولفت التقرير إلى أن مخاطر الألغام لا تقتصر على الإصابات البشرية، بل تمتد إلى تعطيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية، إذ تؤدي إلى إغلاق الطرق، وإعاقة وصول السكان إلى المدارس والمستشفيات والخدمات الأساسية، كما تمنع عودة النازحين إلى مناطقهم، وتحد من استخدام الأراضي الزراعية ومناطق الرعي.
وأوضح أن الألغام تؤثر كذلك على الحقوق الثقافية والدينية من خلال إعاقة الوصول إلى أماكن العبادة والمواقع التراثية، كما تلحق أضراراً بالنظم البيئية، وتتسبب في تلوث الأراضي ومصادر المياه، وتعرقل جهود إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية في الدول الخارجة من النزاعات.
وأكد التقرير أن إزالة الألغام لا تمثل فقط إجراءً أمنياً، بل تعد استثماراً مباشراً في التنمية المستدامة، لما لها من دور في إعادة استخدام الأراضي الزراعية وتحسين البنية التحتية وتعزيز النشاط الاقتصادي.
دعوات للتصديق على اتفاقية أوتاوا
وشدد التقرير على ضرورة امتثال جميع الدول للقانون الدولي، داعياً الدول التي لم تنضم بعد إلى اتفاقية أوتاوا إلى التصديق عليها دون تأخير، كما طالب الدول الأطراف بالوفاء بالتزاماتها المتعلقة بتدمير مخزون الألغام وإزالة المناطق الملوثة، مع إعطاء الأولوية للمناطق التي يحقق تطهيرها أكبر أثر على حماية حقوق الإنسان.
وأكد أيضاً أهمية استمرار التعاون الدولي، معرباً عن القلق من تراجع التمويل المخصص لبرامج إزالة الألغام، وداعياً إلى دمج مساعدة الضحايا في السياسات الوطنية الخاصة بالإعاقة والتعليم والعمل والحماية الاجتماعية.
بلجيكا: الأطفال يدفعون الثمن الأكبر
وفي مداخلة ألقتها باسم 25 دولة ضمن مجموعة أصدقاء الأطفال والنزاع المسلح قالت بلجيكا إن الألغام ومخلفات الحرب المتفجرة تواصل قتل الأطفال وتشويههم بعد سنوات طويلة من انتهاء النزاعات.
وأشارت إلى أن تقرير الأمين العام لعام 2026 سجل رقماً قياسياً في الانتهاكات الجسيمة بحق الأطفال، موضحة أن عام 2025 شهد ارتفاعاً حاداً في حالات القتل والتشويه، داعية جميع الدول إلى التصديق الكامل على اتفاقية حظر الألغام ووضع حماية الأطفال في صدارة الجهود الدولية.
بيان مشترك بقيادة الجزائر
وقدمت الجزائر بياناً مشتركاً باسم أكثر من 60 دولة، شددت فيه على أن الألغام المضادة للأفراد لا تزال تشكل تهديداً خطيراً للتمتع بحقوق الإنسان، خاصة في الدول النامية والأقل نمواً التي تتحمل إرثاً ثقيلاً من التلوث بالألغام في ظل محدودية الموارد المالية والتقنية.
وأكد البيان ضرورة إبقاء حقوق الضحايا في صميم العمل الدولي، وتجديد الالتزام باتفاقية أوتاوا وتعزيز التعاون الدولي لمعالجة الآثار الإنسانية لهذه الأسلحة.
الاتحاد الأوروبي: أكثر من 202 مليون يورو سنوياً
من جانبه، أكد الاتحاد الأوروبي أن التلوث بالألغام يمثل تحدياً دائماً لحقوق الإنسان، مشيراً إلى أن الاتحاد يعد من أكبر المانحين في هذا المجال، حيث يخصص أكثر من 202 مليون يورو سنوياً لبرامج إزالة الألغام حول العالم.
وأضاف أن دول الاتحاد الأوروبي قدمت أكثر من 360 مليون يورو لأوكرانيا عام 2022، باعتبارها الدولة الأكثر تضرراً بالألغام، كما اعتمد الاتحاد خلال العام الحالي قراراً جديداً لدعم برامج إزالة الألغام في أوكرانيا وعدد من الدول الإفريقية.
وشدد الاتحاد على أهمية أن تقود الدول المتضررة بنفسها جهود إزالة الألغام، مع اعتماد مقاربة تراعي النوع الاجتماعي وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
النمسا وكرواتيا: التمويل المستدام ضرورة
وأكدت النمسا وكرواتيا أن الألغام لا تزال تمثل تهديداً طويل الأمد للأمن وحقوق الإنسان، داعيتين إلى توفير تمويل مستدام ويمكن التنبؤ به لبرامج إزالة الألغام، واعتماد نهج يركز على الضحايا ويعزز دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع
كما طالبتا جميع الدول غير المنضمة إلى اتفاقية أوتاوا بالانضمام إليها، مع الحفاظ على الإطار القانوني الدولي الذي أرسته الاتفاقية.
المجموعة الإفريقية: إزالة الألغام مدخل للتنمية
وأشارت كينيا، متحدثة باسم المجموعة الإفريقية، إلى أن المجتمعات المتضررة من الألغام يجب أن تتمكن من إعادة بناء حياتها واستعادة سبل عيشها والمساهمة في التنمية الوطنية، معتبرة أن إزالة الألغام ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحقوق الإنسان والتنمية المستدامة.
كما أكد معهد الأمم المتحدة لبحوث نزع السلاح، متحدثاً باسم 12 كياناً أممياً وعدد كبير من المنظمات الدولية، أن العمل المتعلق بالألغام لم يعد مجرد نشاط تقني، بل يمثل ضرورة إنسانية وحقوقية وتنموية، مشيراً إلى أن هذه المنظمات تعمل في أكثر من 50 دولة، ويشارك فيها أكثر من 15 ألف موظف، وقدمت المساعدة لأكثر من 40 مليون شخص معرضين لخطر الألغام والذخائر المتفجرة.
زامبيا: الأولوية لحماية المدنيين
وأكدت زامبيا، بصفتها الرئيس الحالي لاتفاقية أوتاوا، التزامها بدفع الجهود الدولية لحماية المدنيين ودعم الضحايا، داعية جميع الدول غير الأطراف إلى الانضمام للاتفاقية، وتجديد الالتزام بتنفيذها الكامل بما يشمل إزالة الألغام والتعاون الدولي.
وأشارت تايلاند إلى أن حادثاً حدودياً حديثاً تسبب في إصابة 13 عسكرياً بإعاقات دائمة، مؤكدة ضرورة تبني نهج يركز على الناجين ويوفر الرعاية الطبية والاجتماعية والتعليمية لهم.
أنغولا وأرمينيا وأذربيجان: تجارب وطنية
وأكدت أنغولا أن إزالة الألغام تمثل استثماراً مباشراً في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مشيرة إلى أن استمرار تلوث الأراضي يؤثر على الأمن الغذائي والتعليم والصحة.
أما أرمينيا فأوضحت أن نحو 200 ألف شخص يعيشون في مناطق ملوثة بالألغام، فيما سجلت 85 إصابة رسمية مرتبطة بالألغام، كان معظمها من المدنيين، مؤكدة أهمية التعاون الدولي بعيداً عن التسييس.
من جانبها، أشارت أذربيجان إلى أن أكثر من 4400 شخص سقطوا ضحايا للألغام على مدار السنوات، مطالبة بإنشاء آلية دولية متخصصة لدعم ضحايا الألغام، وتوفير تمويل مستدام لخدمات إعادة التأهيل والدعم النفسي والاجتماعي.
الكاميرون ولبنان: تجارب في إزالة الألغام
وأكدت الكاميرون التزامها بتنفيذ اتفاقية أوتاوا منذ انضمامها إليها عام 2003، معتبرة أن مكافحة الألغام تمثل ضرورة إنسانية وتنموية إلى جانب كونها قضية نزع سلاح.
أما لبنان فأكد أن إيداع وثيقة التصديق على اتفاقية أوتاوا في 1 يونيو يعكس التزامه بحماية المدنيين وتعزيز حقوق الإنسان، موضحاً أن المركز اللبناني للأعمال المتعلقة بالألغام نجح في تطهير أكثر من 73% من الأراضي الملوثة.
ورغم هذا التقدم، أشار الوفد اللبناني إلى أن 48 شخصاً، بينهم 8 أطفال، أصيبوا أو قتلوا بسبب الألغام خلال عام 2025، مؤكداً أن استكمال عمليات التطهير يتطلب استمرار الدعم المالي والتقني الدولي، إلى جانب تعزيز برامج مساعدة الناجين وإعادة دمجهم في المجتمع.
واختتمت المناقشات بتأكيد واسع من الوفود المشاركة أن الألغام المضادة للأفراد لا تزال تمثل تحدياً إنسانياً وحقوقياً وتنموياً عالمياً، وأن القضاء على آثارها يتطلب التزاماً سياسياً متجدداً، وتمويلاً مستداماً، وتعاوناً دولياً يضع حماية المدنيين وكرامة الضحايا في صدارة الأولويات.
