لم يعد قرار تكوين الأسرة مرتبطا بالرغبة في الإنجاب فقط، بل أصبح يرتبط بمجموعة واسعة من الأسئلة اليومية التي تواجه الوالدين قبل وبعد ولادة الطفل: من سيتولى الرعاية؟ وهل يمكن الاستمرار في العمل دون خسائر مهنية؟ وهل تسمح تكاليف المعيشة وخدمات الرعاية ببناء أسرة مستقرة اقتصاديا؟
وعندما تصبح الإجابة عن هذه الأسئلة عائقاً أمام تكوين الأسرة، تتحول رعاية الأطفال من مسؤولية عائلية إلى قضية حقوق اجتماعية، تقيس قدرة الدولة على توفير بيئة تتيح للآباء والأمهات التوفيق بين العمل والحياة الأسرية، دون أن يصبح الإنجاب تهديداً للاستقرار الاقتصادي أو المهني.
وتكشف تجربتا كوريا الجنوبية وألمانيا أن الدعم المالي، رغم أهميته، لا يكفي وحده لمعالجة أزمة انخفاض معدلات الإنجاب، إذا لم ترافقه سياسات أوسع تشمل سوق العمل، وخدمات الرعاية، والإسكان، والإجازات الوالدية.
أزمة تتجاوز الدعم المالي
تسجل كوريا الجنوبية واحداً من أدنى معدلات الخصوبة بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ورغم ارتفاع المعدل إلى 0.80 طفل لكل امرأة عام 2025، فإنه لا يزال بعيداً عن مستوى الإحلال السكاني.
أما ألمانيا فقد تراجع معدل الخصوبة فيها إلى 1.32 طفل لكل امرأة خلال العام نفسه، وهو أدنى مستوى منذ نحو عقدين، مع انخفاض عدد المواليد إلى نحو 654 ألف مولود.
وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن البلدين عملا على تخفيض الكلفة المباشرة لرعاية الأطفال من خلال برامج دعم حكومية، إلا أن استمرار انخفاض معدلات الإنجاب يؤكد أن المشكلة لا ترتبط بالمال فقط، بل تمتد إلى قدرة الأسر على تحقيق التوازن بين متطلبات العمل والحياة الخاصة.
لماذا لا تكفي المساعدات؟
تظهر التجارب الدولية أن قرارات الأسر لا تحددها قيمة الإعانات وحدها، بل ترتبط أيضاً بشعور الوالدين بالأمان والاستقرار، وقدرتهما على رعاية الأطفال دون الاضطرار إلى التضحية بالمسار المهني أو تحمل أعباء اقتصادية متزايدة.
ولهذا، اتجهت دول عدة إلى دمج سياسات رعاية الأطفال مع سياسات العمل والإجازات الوالدية وتوفير السكن والخدمات الاجتماعية، باعتبار أن دعم الأسرة يبدأ قبل ولادة الطفل، من خلال بناء بيئة يشعر فيها الأبوان بأن تكوين الأسرة خيار ممكن وليس عبئاً إضافياً.
وتكشف أزمة انخفاض الإنجاب في كوريا الجنوبية وألمانيا أن نجاح السياسات الأسرية لا يقاس فقط بعدد الحوافز المالية المقدمة، وإنما بقدرة الدولة على إزالة العقبات التي تواجه الأسر في حياتها اليومية، فعندما تتوفر خدمات رعاية الأطفال بأسعار مناسبة، وساعات عمل مرنة، وحماية وظيفية للوالدين، تصبح الأسرة والعمل مسارين متكاملين بدلاً من أن يكونا خيارين متعارضين.
ومن هذا المنطلق، تتحول رعاية الأطفال إلى اختبار حقيقي لمدى التزام الدول بالحقوق الاجتماعية، وقدرتها على بناء مجتمع يدعم الأسرة ويحمي حق الأفراد في العمل والحياة الأسرية معاً.
تحديان مختلفان ونتيجة واحدة
يرى الباحث في شؤون كوريا الجنوبية تيمو شميتز أن انخفاض معدلات الإنجاب في كوريا الجنوبية لا يمكن تفسيره بارتفاع تكاليف رعاية الأطفال وحدها، لأن الثقافة الاجتماعية لا تزال تلقي بالقسط الأكبر من مسؤوليات الرعاية على المرأة.
ويقول شميتز، في حديثه لـ”صفر”، إن كثيرا من النساء ينظرن إلى العمل وتكوين الأسرة باعتبارهما مسارين يصعب الجمع بينهما، وهو ما حد من أثر السياسات الحكومية الداعمة.
وأضاف أن ألمانيا تواجه معطيات مختلفة، إذ تتداخل الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة مع استمرار النقص في دور الحضانة وخدمات الرعاية المدرسية في بعض المناطق؛ ما يدفع كثيرا من النساء إلى العمل بدوام جزئي حتى يتمكن من التوفيق بين العمل ورعاية الأطفال.
ويرى شميتز أن التجربتين تؤكدان أن انخفاض معدلات المواليد لا ينتج عن سبب واحد، وإنما عن تداخل عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية، الأمر الذي يجعل الحلول الجزئية أقل قدرة على إحداث تغيير مستدام.
رعاية الأطفال قضية حقوق
لا يقتصر الحق في العمل، وفق المعايير الدولية، على إتاحة فرصة الحصول على وظيفة، بل يشمل أيضا توفير ظروف تمكن الإنسان من الاستمرار في عمله دون أن يفقد حقه في تكوين أسرة أو رعاية أطفاله.
وتستوجب حماية الأسرة، بوصفها الوحدة الطبيعية والأساسية في المجتمع، سياسات عامة تتيح للوالدين تقاسم مسؤوليات الرعاية بصورة عادلة، وتحول دون أن تتحمل المرأة وحدها الكلفة المهنية والاجتماعية للأمومة.
وعلى هذا الأساس، لا تعد خدمات الحضانات والإجازات الوالدية ومرونة ساعات العمل، مجرد أدوات للرعاية الاجتماعية، بل جزء من منظومة تحمي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للأسرة، وتدعم مصلحة الطفل الفضلى من خلال تمكين والديه من رعايته دون التخلي عن حقهما في العمل.
الاختيار بين العمل والأسرة
تكشف تجربتا كوريا الجنوبية وألمانيا أن السياسات الأسرية لا تنجح عندما تخفض كلفة رعاية الأطفال فحسب، بل عندما تمنح الوالدين حرية الاختيار بين العمل والأسرة من دون أن يضطر أحدهما إلى التضحية بالآخر.
ولما اقتربت بيئة العمل من احتياجات الأسرة، وتوسعت خدمات الرعاية، وتوزعت مسؤولياتها بصورة أكثر عدلا، أصبحت قرارات الإنجاب أكثر ارتباطا بالرغبة، وأقل خضوعا للمخاوف الاقتصادية أو المهنية.
وعندها، لا تكون رعاية الأطفال عبئاً تتحمله الأسرة وحدها، بل مسؤولية تتقاسمها السياسات العامة مع المجتمع.

