تشهد ألمانيا تنامياً ملحوظاً في مشاعر التشاؤم والقلق تجاه المستقبل، في ظل تواصل الأزمات الاقتصادية والسياسية والدولية، وتزايد انتشار الأخبار السلبية والمعلومات المضللة عبر المنصات الرقمية.
وتشير أحدث الدراسات إلى أن هذه العوامل لم تعد تؤثر في المزاج العام فحسب، بل أصبحت تنعكس على مستوى الثقة بالمعلومات، ونظرة المواطنين إلى المستقبل، في وقت يدعو فيه باحثون إلى تقديم تغطية إعلامية أكثر توازناً تجمع بين عرض التحديات وتسليط الضوء على الحلول.
وقالت وكالة الأنباء الألمانية إن الباحث الألماني في شؤون المستقبل هورست أوباشوفسكي أكد أن حالة عامة من التشاؤم تسود المجتمع الألماني منذ جائحة كورونا، موضحاً أن المواطنين يواجهون سلسلة متواصلة من الأزمات جعلت كثيرين منهم لا يعرفون ما الذي يمكنهم التطلع إليه في المستقبل.
واستند الباحث إلى نتائج استطلاعات رأي أجراها بالتعاون مع معهد إيبسوس خلال الأعوام من 2020 إلى 2024 لرصد التحولات في المزاج العام.
الأزمات المتلاحقة تعمق القلق
أوضح أوباشوفسكي، البالغ من العمر 85 عاماً، أن التراكم المستمر للأزمات، بدءاً من جائحة كورونا، مروراً بالحرب في أوكرانيا، وارتفاع معدلات التضخم، وأزمة الطاقة، وصولاً إلى التباطؤ الاقتصادي، أسهم في خلق مناخ نفسي يتسم بعدم اليقين والخوف من المستقبل.
وأضاف أن نتائج الاستطلاعات أظهرت في كل عام تقريباً أن نحو ثلاثة أرباع المشاركين يرون أن تدفق الأخبار المرتبطة بالأزمات والتحذيرات المستمرة يزيد من حدة التشاؤم داخل المجتمع، مؤكداً أن التغطية التي تركز بصورة متواصلة على الجوانب السلبية دون تقديم حلول عملية تترك أثراً نفسياً واضحاً لدى الجمهور.
الإعلام بين نقل الواقع وصناعة المزاج
يرى الباحث أن وسائل الإعلام في ألمانيا تؤدي دوراً محورياً في تشكيل المزاج العام، لكنه شدد على أن المواطنين لا يرفضون معرفة الحقائق أو متابعة الأخبار، بل يطالبون بتقديم صورة أكثر توازناً تشمل الحلول والمبادرات الإيجابية إلى جانب تغطية الأزمات.
وأوضح أن كثيراً من الألمان أصبح لديهم انطباع بأن وسائل الإعلام تمنح الأحداث السلبية مساحة أكبر من الأخبار الإيجابية، الأمر الذي يعزز الشعور بأن المستقبل يحمل مزيداً من المخاطر أكثر من الفرص.
وأشار إلى أن التحذيرات المتكررة قد تتحول مع مرور الوقت إلى عامل يفاقم القلق، خصوصاً عندما تغيب الرؤية الواضحة لكيفية معالجة الأزمات أو الحد من آثارها.
الأخبار المزيفة تزيد فقدان الثقة
سلّطت نتائج الدراسة الضوء على الدور المتنامي للأخبار المزيفة في تعميق حالة عدم اليقين داخل المجتمع الألماني، حيث أظهر استطلاع أجري في مايو الماضي أن 76 بالمئة من المشاركين يعتقدون أن المعلومات المضللة تزيد الشكوك بشأن المحتوى المنشور على الإنترنت.
كما أظهرت بيانات استطلاع سابق أجري خلال عام 2024 أن 84 بالمئة من المشاركين أكدوا أن الأخبار المزيفة تدفعهم إلى الشعور بعدم اليقين، وهو ما يعكس استمرار تأثير المعلومات غير الموثوقة على ثقة المواطنين بالمصادر الرقمية.
ورأى أوباشوفسكي أن هذا التراجع في النسبة قد يعكس احتمالين، أولهما أن الألمان أصبحوا أكثر وعياً بطرق التحقق من المعلومات، أو أنهم اعتادوا بدرجة أكبر على وجود الأخبار المزيفة في الفضاء الرقمي.
تفاوت إقليمي في مستويات القلق
أظهرت الدراسة أيضاً وجود فروق واضحة بين الولايات الألمانية في مستوى القلق من الأخبار المزيفة، إذ سجلت ولاية شمال الراين وستفاليا أعلى مستويات القلق، بعدما أعرب 90 بالمئة من المشاركين عن مخاوفهم من تأثير المعلومات المضللة.
في المقابل، سجلت ولاية بافاريا نسبة أقل بلغت 74 بالمئة، بينما لم تكشف نتائج الولايات الأخرى عن فروق إحصائية بارزة، أو لم تسمح أحجام العينات بإجراء تقييمات دقيقة.
ويرى الباحث أن هذه الفروق قد ترتبط بعوامل اجتماعية وإعلامية ومستويات التعرض للمحتوى الرقمي، لكنها تحتاج إلى دراسات أكثر تفصيلاً لفهم أسبابها بصورة علمية.
الصحة النفسية في قلب النقاش
تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن التعرض المستمر للأخبار السلبية والأحداث الصادمة قد يزيد مستويات التوتر والقلق لدى الأفراد، خاصة خلال فترات الأزمات الممتدة، ولذلك توصي المنظمة بمتابعة الأخبار من مصادر موثوقة، والحد من التعرض المفرط للمحتوى الذي يسبب الضغوط النفسية، مع الحفاظ على التوازن بين الاطلاع على المستجدات وممارسة الأنشطة اليومية التي تعزز الصحة النفسية.
كما تؤكد منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة أن تنمية الثقافة الإعلامية والرقمية أصبحت أداة أساسية لمواجهة المعلومات المضللة، وتمكين المواطنين من التحقق من الأخبار والتمييز بين المصادر الموثوقة والمحتوى الزائف.
شهدت ألمانيا منذ عام 2020 سلسلة متلاحقة من الأزمات، بدأت بجائحة كورونا وما رافقها من إغلاقات واسعة، ثم تأثرت بالحرب الروسية الأوكرانية وما نتج عنها من أزمة طاقة وارتفاع في الأسعار، قبل أن تواجه تحديات اقتصادية شملت تباطؤ النمو وارتفاع تكاليف المعيشة، وأدت هذه التطورات إلى تصاعد الاهتمام بدراسة تأثير الأزمات والإعلام الرقمي على المزاج العام والثقة بالمؤسسات.
ويؤكد خبراء الإعلام ومنظمات دولية، بينها منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، أن التوازن بين نقل الوقائع بدقة وتقديم معلومات موثوقة وحلول عملية يسهم في تعزيز ثقة الجمهور والحد من الآثار النفسية المرتبطة بالتعرض المستمر للأخبار السلبية.
