افتتحت أعمال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف وسط أجواء دولية شديدة التعقيد، تعكس حجم التحديات التي تواجه منظومة حقوق الإنسان العالمية في ظل تصاعد النزاعات المسلحة، وتنامي النزعات السلطوية، واتساع نطاق الانتهاكات الإنسانية في عدد من مناطق العالم.
وفي الجلسة الافتتاحية، رسم رئيس المجلس السفير سيدهارتو رضا سوريوديبورو، والمفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، صورة قاتمة للواقع الحقوقي الدولي، مؤكدين أن العالم يمر بمرحلة مفصلية تتطلب التمسك بالقانون الدولي وتعزيز آليات المساءلة وحماية المدافعين عن حقوق الإنسان.
وأكد رئيس المجلس في مستهل أعمال الدورة أن مجلس حقوق الإنسان يواصل أداء دوره باعتباره المنصة الدولية الرئيسية لمناقشة قضايا الحقوق والحريات الأساسية، مرحباً بالمشاركين من الدول الأعضاء والمراقبين وممثلي المجتمع المدني، ومشيداً بالدعم المقدم للدول الأقل نمواً والدول الجزرية الصغيرة النامية، ما يضمن مشاركتها الفاعلة في أعمال المجلس.
وتناول السفير سيدهارتو، الجوانب الإجرائية للدورة، مشيراً إلى أن برنامج العمل يظل وثيقة مرنة قابلة للتعديل وفقاً لمتطلبات العمل، وأن الدورة الحالية ستستمر حتى السابع من يوليو المقبل.
وفي رسالة حملت دلالات سياسية واضحة، أعاد رئيس المجلس تأكيد أهمية استقلالية آليات الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الإنسان، معرباً عن قلقه من الهجمات الشخصية والضغوط والعقوبات التي يتعرض لها بعض المكلفين بولايات المجلس، مؤكداً أن أي محاولات للترهيب أو الانتقام من العاملين في مجال حقوق الإنسان أو المتعاونين مع الأمم المتحدة أمر غير مقبول ويجب التصدي له بحزم.
وشدد السفير سيدهارتو على سياسة الأمم المتحدة القائمة على عدم التسامح مطلقاً مع جميع أشكال التحرش، ومنها التحرش الجنسي، داعياً الوفود المشاركة إلى الالتزام الكامل بمدونات السلوك المعتمدة داخل المنظمة الدولية.
تقييم حالة حقوق الإنسان
لكن الجزء الأبرز من الجلسة الافتتاحية تمثل في الكلمة المطولة التي ألقاها المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، والتي قدم خلالها تقييماً عالمياً شاملاً لحالة حقوق الإنسان، حمل العديد من الرسائل التحذيرية بشأن مستقبل النظام الدولي.
وقال تورك إن مسيرة حقوق الإنسان عبر التاريخ لم تكن يوماً خطاً مستقيماً، بل شهدت تقدماً وتراجعاً وصراعات متواصلة، إلا أن الهدف النهائي ظل دائماً توسيع مساحة الحرية والكرامة الإنسانية.
وأضاف أن العالم يواجه اليوم هجوماً غير مسبوق على القانون الدولي، في وقت تتفاقم فيه المعاناة الإنسانية نتيجة الحروب والصراعات المسلحة.
وفي سياق حديثه عن الأزمات الدولية، رحب المفوض السامي بإعلان التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن الاتفاق يمثل فرصة مهمة لخفض التوترات في منطقة شهدت خلال الأشهر الماضية تداعيات إنسانية خطيرة.
وأدان في الوقت ذاته استخدام القوة ضد إيران وما نتج عنه من خسائر بشرية واسعة، كما انتقد الهجمات الإيرانية على البنية التحتية المدنية في دول الخليج وإغلاق مضيق هرمز، معتبراً أن هذه الإجراءات غير مقبولة وألحقت أضراراً بالاقتصاد العالمي وعرقلت حركة التجارة والمساعدات الإنسانية.
القضية الفلسطينية حاضرة
أما القضية الفلسطينية فاحتلت مساحة واسعة من كلمته، حيث أعرب عن قلق بالغ إزاء استمرار سقوط الضحايا المدنيين في قطاع غزة، رغم الحديث عن هدنة سابقة، مؤكداً أن السلطات الإسرائيلية تواصل فرض قيود على وصول المساعدات الإنسانية وتضييق المساحات المتاحة للفلسطينيين.
وانتقد سياسات الاستيطان ومصادرة الأراضي في الضفة الغربية، محذراً من أن بعض التصريحات الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين تهدد بشكل مباشر إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. وفي الوقت نفسه أشار إلى وقوع انتهاكات ضد فلسطينيين نسبت إلى حركة حماس، مؤكداً ضرورة محاسبة جميع الأطراف المسؤولة عن الانتهاكات.
وتناول المفوض السامي، التصعيد العسكري بين إسرائيل ولبنان، معرباً عن قلقه من الخسائر البشرية الواسعة وأوامر النزوح الجماعي التي دفعت أكثر من مليون شخص إلى مغادرة منازلهم، داعياً إلى وقف التصعيد وإجراء تحقيقات مستقلة في الانتهاكات المحتملة للقانون الدولي الإنساني.
وأعرب تورك عن مخاوف إزاء الحرب في أوكرانيا، مؤكداً أن الأشهر الأولى من عام 2026 شهدت أعلى معدلات للضحايا المدنيين منذ سنوات، في مؤشر على خطورة التصعيد العسكري المتواصل.
تحول طبيعة الحروب
وإلى جانب النزاعات التقليدية، حذر المفوض السامي من التحولات الجديدة في طبيعة الحروب، وعلى رأسها الانتشار المتزايد للطائرات المسيرة والأسلحة ذاتية التشغيل المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وأكد أن هذه التقنيات تثير أسئلة أخلاقية وقانونية عميقة، محذراً من أن استخدامها دون ضوابط صارمة قد يؤدي إلى مزيد من الانتهاكات وإضعاف مبدأ المساءلة القانونية.
ودعا الدول إلى تحديث الأطر القانونية الدولية، ما يضمن بقاء القرار النهائي باستخدام القوة في يد الإنسان، وعدم تركه للأنظمة الآلية.
وركز تورك على التحديات المتزايدة التي تواجه الحقوق والحريات المدنية في العديد من دول العالم، مشيراً إلى ما وصفه بالتمدد المستمر للنزعة السلطوية. وكشف أن البيانات الأولية تشير إلى مقتل أو اختفاء قسري لنحو 950 من المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والنقابيين خلال عام 2025، وهو رقم يزيد بأكثر من الضعف مقارنة بما كان عليه قبل عقد من الزمن.
وأعرب عن قلقه من تراجع حرية التعبير وتزايد الرقابة على وسائل الإعلام واحتجاز الصحفيين في عدد من الدول، إضافة إلى تصاعد ما يعرف بالقمع العابر للحدود، حيث تستخدم بعض الحكومات أدوات مختلفة لملاحقة المعارضين والنشطاء خارج أراضيها.
التكنولوجيا الحديثة والحقوق
وفي المجال الرقمي، حذر المفوض السامي من تركز السلطة التكنولوجية والاقتصادية في أيدي عدد محدود من الشركات العملاقة، معتبراً أن بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي قد تسهم في تعميق الانقسامات المجتمعية أو تقويض الحقوق الأساسية إذا لم تخضع لرقابة قائمة على معايير حقوق الإنسان.
وأبدى تورك قلقاً خاصاً من تنامي الخطابات المعادية للمرأة ومن الهجمات المتزايدة على المساواة بين الجنسين، معتبراً أن التراجع عن المكاسب التي حققتها النساء خلال العقود الماضية يمثل أحد أخطر التحديات الحقوقية الراهنة.
وتطرق كذلك إلى أوضاع الأقليات الدينية والإثنية والمهاجرين واللاجئين، مشيراً إلى تصاعد مظاهر الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية وكراهية الأجانب في العديد من الدول، ومؤكداً ضرورة احترام حقوق اللاجئين والمهاجرين وفقاً للقانون الدولي.
وفي ختام كلمته، دافع فولكر تورك بقوة عن منظومة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، مشدداً على أن المؤسسات والآليات الدولية ما زالت تؤدي دوراً حيوياً في كشف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها ودعم الضحايا.
وندد المفوض السامي بحملات التشويه والتضليل التي تستهدف منظومة الأمم المتحدة وآلياتها المختلفة، مؤكداً أن النقد المشروع أمر مرحب به، لكن الترهيب أو العقوبات أو محاولات تقويض استقلالية المؤسسات الحقوقية تبقى ممارسات غير مقبولة.
الرابط الأهم بين الشعوب
على الرغم من الصورة القاتمة التي رسمها للوضع العالمي، اختتم المفوض السامي كلمته بنبرة متفائلة نسبياً، مشيراً إلى أن حقوق الإنسان لا تزال تمثل الرابط الأهم بين الشعوب، وأن المدافعين عنها في مختلف أنحاء العالم يواصلون عملهم بشجاعة استثنائية رغم التحديات المتزايدة.
وبين التحذيرات من اتساع رقعة الحروب والنزاعات، والتنبيه إلى مخاطر السلطوية والتكنولوجيا غير المنضبطة، والدعوات إلى حماية القانون الدولي، عكست الجلسة الافتتاحية للدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان حجم القلق الذي يساور الأمم المتحدة بشأن مستقبل النظام الدولي، لكنها حملت في الوقت ذاته رسالة مفادها أن الدفاع عن حقوق الإنسان لا يزال يمثل أحد أهم السبل للحفاظ على الاستقرار والسلام في عالم يزداد اضطراباً يوماً بعد يوم.
