اعتقلت السلطات الماليزية أكثر من 100 من طالبي اللجوء من أقلية الروهينغا بعد تجمعهم أمام مقر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في العاصمة كوالالمبور للمطالبة بالحماية وإيجاد حلول لأوضاعهم، وذلك عقب طردهم من مساكنهم في ولاية بينانغ شمال البلاد، في خطوة تعكس تصاعد الضغوط التي تواجهها هذه الأقلية داخل ماليزيا.
وأوضحت وكالة “رويترز”، اليوم الثلاثاء، أن اللاجئين، وبينهم نساء وأطفال، أكدوا أنهم أُجبروا على مغادرة منازلهم على يد سكان محليين في ولاية بينانغ يوم الأحد، قبل أن يستقلوا حافلات إلى كوالالمبور سعياً للحصول على مساعدة المفوضية، خاصة فيما يتعلق بإعادة توطينهم في دول ثالثة، بعد تضاؤل فرص استمرارهم في أماكن إقامتهم.
وأكد شهود عيان أن الشرطة الماليزية نقلت جميع اللاجئين الذين كانوا متجمعين أمام مقر المفوضية، مع أمتعتهم، على متن أربع شاحنات تابعة لها نحو الساعة الثامنة والنصف مساءً بالتوقيت المحلي، في حين قال مسؤول أمني -فضل عدم الكشف عن هويته- إنهم نُقلوا إلى أحد مقار الشرطة في كوالالمبور لإجراء المزيد من عمليات التحقق والفحص.
وأشارت شرطة ولاية بينانغ إلى أن انتقال أفراد الروهينغا إلى العاصمة جرى “طوعاً”، وبمساعدة من سلطات الولاية والسلطات الاتحادية، ومنها مجلس الأمن القومي، مؤكدة أن عملية النقل جاءت في إطار التنسيق بين الجهات الحكومية المختلفة.
تصاعد التوترات المحلية
قال رئيس شرطة منطقة سيبيرانغ بيراي أوتارو، أنور عبد الرحمن، في بيان، إن قرار نقل اللاجئين جاء نتيجة “المنافسة الاقتصادية والإقليمية” التي نشأت مع تزايد أعداد الروهينغا في المنطقة، في إشارة إلى تنامي الاحتكاكات بين اللاجئين وبعض السكان المحليين خلال الفترة الأخيرة.
وصرح رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم بأن التجمع أمام مبنى المفوضية أثار قلق السكان، مؤكداً أن سلطات الهجرة ستتخذ إجراءات بحق أي شخص لا يحمل الوثائق أو التصاريح القانونية اللازمة للإقامة داخل البلاد.
وشدد رئيس الوزراء، في مقطع مصور نشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، على أنه “لا يحق لأحد الاستحواذ على أي جزء من المدينة”، في رسالة فسرها مراقبون على أنها تأكيد لتمسك الحكومة بتطبيق قوانين الهجرة رغم البعد الإنساني للأزمة.
وتزامنت هذه التطورات مع تصاعد حملات خطاب الكراهية والمعلومات المضللة التي تستهدف الروهينغا عبر الإنترنت منذ مايو الماضي، وهو ما انعكس في زيادة المضايقات المجتمعية التي يتعرضون لها، فضلاً عن تشديد الرقابة عليهم، وإغلاق عدد من المدارس التي يرتادها أبناء اللاجئين.
تحذيرات من تدهور الأوضاع
حذرت نائبة مدير قسم آسيا في منظمة “هيومن رايتس ووتش”، بريوني لاو، من أن الروهينغا في ماليزيا يعيشون في ظل خوف دائم من الاعتقال والمداهمات، مؤكدة أن تصاعد خطاب الكراهية الإلكتروني فاقم من هشاشة أوضاعهم الأمنية والإنسانية.
ودعت المسؤولة الحقوقية الحكومة الماليزية إلى إعطاء الأولوية لحماية اللاجئين الذين فقدوا مساكنهم، بدلاً من احتجازهم، معتبرة أن هذه الإجراءات تزيد من معاناتهم وتعمق حالة الرعب التي يعيشونها بالفعل.
وأفادت بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بأن نحو 126 ألفاً من الروهينغا كانوا مسجلين لديها في ماليزيا حتى نهاية فبراير الماضي، في حين تؤكد منظمات حقوقية أن العدد الحقيقي أكبر من ذلك؛ نظراً لوجود آلاف اللاجئين غير المسجلين لدى المفوضية.
أزمة الروهينغا
تعود أزمة الروهينغا إلى عقود من الاضطهاد والتمييز في ميانمار، حيث حُرم معظم أفراد هذه الأقلية المسلمة من الجنسية بموجب قانون صدر عام 1982، وتعرضوا لموجات متكررة من العنف والتهجير، بلغت ذروتها عام 2017 عندما فر مئات الآلاف إلى بنغلادش ودول جنوب شرق آسيا بعد حملة عسكرية وصفتها الأمم المتحدة بأنها تحمل مؤشرات على ارتكاب تطهير عرقي.
واستقبلت ماليزيا، رغم أنها ليست طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951، أعداداً كبيرة من الروهينغا على مدى سنوات باعتبارها إحدى الوجهات الأكثر أماناً في المنطقة، إلا أن هذا النهج شهد تحولاً ملحوظاً منذ جائحة “كوفيد-19″، مع تصاعد الاتهامات للاجئين بالتسبب في أعباء اقتصادية واجتماعية، وانتشار حملات إلكترونية اتهمتهم بنشر الفيروس ومنافسة الماليزيين في سوق العمل.
وتعكس الاعتقالات الأخيرة تصاعد التحديات التي تواجهها ماليزيا في إدارة ملف اللاجئين، وسط تزايد الضغوط الداخلية والمخاوف الأمنية من جهة، واستمرار الدعوات الحقوقية والدولية إلى ضمان حماية الروهينغا واحترام حقوقهم الأساسية، في ظل غياب حل دائم لأزمة واحدة من أكثر الأقليات تعرضاً للاضطهاد في العالم.
