منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

استمعوا إلى نساء غزة لتفهموا حجم الرعب الذي تفرضه إسرائيل علينا

25 مايو 2026
نساء فلسطينيات أمام مستشفى الشفاء بعد استشهاد أفراد من عائلتهن في غارة جوية إسرائيلية على غزة 29 آب 2025.
نساء فلسطينيات أمام مستشفى الشفاء بعد استشهاد أفراد من عائلتهن في غارة جوية إسرائيلية على غزة 29 آب 2025.

ألفت الكرد

منذ أن بدأت إسرائيل حربها على غزة في أكتوبر 2023، فقدتُ والدي، وشقيقي، وزوجته، وابنتهما، وما زالت جثامينهم حتى اليوم تحت الأنقاض، أما منزلي الذي كنت أعيش فيه مع عائلة زوجي، فقد دمره القصف الإسرائيلي بالكامل.

وفي عام 2024، وبعد شهور طويلة من القصف والنزوح والهروب المتكرر، تمكنت أخيراً من الفرار مع عائلتي إلى مصر، ومنذ ذلك الحين وأنا أعيش هنا، لكن غزة لا تغادرني أبداً، ذكرياتها حاضرة في كل لحظة، وما حدث لي ليس سوى صورة مصغرة للواقع الذي ما زالت تعيشه النساء الفلسطينيات في غزة تحت الإبادة.

منذ اندلاع الحرب، تحولت أعداد هائلة من النساء في غزة إلى المعيل الوحيد لأسرهن.. كثيرات تُركن بلا حماية أو مأوى، وكثيرات فقدن أبناءهن أو عائلاتهن بأكملها.

ووفقاً لتقرير حديث صادر عن الأمم المتحدة، قتلت إسرائيل أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة في غزة خلال هذه الحرب، في حين أصيبت 11 ألف أخريات بإعاقات دائمة ستلازمهن مدى الحياة.

كنت أعيش مع أسرتي المكونة من ستة أفراد في حي الشجاعية بمدينة غزة.

الحياة تحت الاحتلال الإسرائيلي كانت دائماً محكومة بالخوف والعنف وعدم اليقين. لكن رغم ذلك، حاولنا أن نبني حياة فيها قدر من الكرامة والاستمرار وحتى الفرح أحياناً.

الثبات في وجه هذا العنف المتواصل كان شكلنا الخاص من أشكال المقاومة.. أما مقاومتي أنا، فكانت عملي باحثة ميدانية في منظمة «بتسيلم» الحقوقية الإسرائيلية، حيث كنت أوثق انتهاكات حقوق الإنسان في غزة قبل الإبادة بسنوات طويلة.

أما عائلتي، فكانت تقاوم عبر التمسك بتفاصيل الحياة اليومية البسيطة: التنزه على شاطئ غزة، وزيارات عطلة نهاية الأسبوع إلى منزل والديّ في مخيم جباليا، والذهاب إلى حقول بيت لاهيا وبيت حانون.

أماكن وأوقات ما زلت أحتفظ بها حية في ذاكرتي، رغم أن إسرائيل دمرتها جميعاً.

تعرضت للنزوح ست مرات قبل أن أغادر إلى مصر في أبريل 2024.

في أكتوبر 2023 غادرنا منزلنا وبدأنا التنقل أياماً طويلة تحت القصف العنيف.

احتمينا أولاً داخل مستشفى الشفاء، وسط أعداد هائلة من الجرحى والقتلى.

ثم، وبعد أوامر إخلاء شمال غزة، انتقلنا إلى المغراقة، ومنها إلى خان يونس، حيث عشنا داخل مركز إيواء تابع للأونروا مكتظ بالنازحين.

نمنا داخل خيمة تحت الأمطار الغزيرة، وكنا نكافح يومياً للحصول على الماء والطعام والحطب.

أما طوابير الحمامات الطويلة، فقد أصبحت جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية.

ومن هناك انتقلنا إلى رفح، قبل أن نهرب أخيراً إلى مصر.

في اليوم الذي تمكنا فيه أخيراً من المغادرة، غمرتني مشاعر مختلطة من الفرح والحزن.

فرح لأنني وعائلتي نجونا من الإبادة، وحزن لأنني لم أتخيل يوماً أنني سأغادر غزة بهذه الطريقة القاسية والمدمرة.

نساء غزة اليوم لا يعشن حياة، بل يخضن معركة بقاء.. فبدلاً من الأمان، يعشن في خوف دائم. وبدلاً من العدالة والمساواة، يشهدن محو هويتهن. وبدلاً من المستقبل، يواجهن غموضاً وجودياً مرعباً.

إنها حياة تُدمَّر فيها شروط العيش الأساسية بشكل ممنهج، وتُسلب فيها الإنسانية من أصحابها.

ومن هذا المنظور فقط يمكن فهم ما يحدث في قطاع غزة: تدمير شامل للمجتمع الفلسطيني، تكون النساء فيه في مقدمة الضحايا، لكنهن أيضاً في مقدمة الصمود والبقاء.

مؤخراً، جمعت شهادات لنساء ما زلن يعشن داخل غزة لإعداد تقرير حول أوضاع النساء الفلسطينيات تحت الإبادة.

وقد رسمت شهاداتهن صورة لمعاناة تتجاوز الاحتياجات المعيشية المباشرة، لتصل إلى العقل والأمومة والخصوبة والقدرة ذاتها على استمرار الحياة.

لن أنسى أبداً قصة صفاء الفراوي التي قُتلت ابنتها غزال البالغة من العمر 15 عاماً داخل مركز لتوزيع المساعدات في رفح.

خلال المجاعة، كانت صفاء تذهب يومياً مع أطفالها إلى مراكز المساعدات على أمل الحصول على كيس دقيق أو طرد غذائي.

لكن الجيش الإسرائيلي أطلق النار على ابنتها وقتلها أمام عينيها، في حين كانت تحاول الحصول على الطعام.

الإبادة الإسرائيلية لا تقتصر على القتل المباشر فقط، بل تشمل أيضاً التفكيك الممنهج لكل مقومات الحياة، وجعل أي مستقبل فلسطيني في غزة مستحيلاً.

فإسرائيل تدمر البنية التحتية والأسس الاجتماعية اللازمة لبقاء الأجيال القادمة ونموها.

وحتى العائلات التي نجت من الموت المباشر، لم تنجُ من مستويات مروعة من المعاناة.

فالنساء يقضين ساعات طويلة في الطهي فوق النار المكشوفة، وغسل الملابس يدوياً، والبحث عن الحطب، ومحاولة إبقاء أسرهن على قيد الحياة.

وكل ذلك يحدث بعد الانهيار الكامل لمنظومتي الصحة والتعليم في قطاع غزة بسبب الهجمات الإسرائيلية، وقد توفي أطفال كثر نتيجة سوء التغذية الحاد، أما النساء الحوامل، فكثيرات منهن لم يتمكنّ من إجراء الفحوصات الطبية أو متابعة الحمل مع الأطباء، كما عانت كثيرات من نقص الغذاء والفيتامينات الأساسية، ما تسبب في سوء تغذية بين الأطفال حديثي الولادة.

ولم تستطع نساء كثيرات إرضاع أطفالهن طبيعياً بسبب سوء حالتهن الصحية والغذائية، ليصبحن معتمدات على الحليب الصناعي النادر أو غير المتوفر أصلاً.

الحياة داخل الخيام دمرت أيضاً العلاقات الأسرية الطبيعية، فعائلات كاملة تعيش في مساحة واحدة ضيقة، بلا أي مقومات صحية أو خصوصية، وأصبحت الحياة اليومية معركة مستمرة مع نقص المياه ومنتجات النظافة الشخصية الخاصة بالنساء.

إحدى الأمهات، وهي أم لستة أطفال، قالت لي: “لم نجد حلاً سوى استخدام قطع القماش أو تمزيق بعض الملابس وطيها بدل الفوط الصحية. كان وضعاً مهيناً ومقززاً للغاية”.

نساء غزة لا يواجهن فقط ظروفاً لا إنسانية، بل يحملن أيضاً أعباءً نفسية ساحقة بسبب التجارب الصادمة التي مررن بها.

نَبيلة عبد النبي، وهي أم لستة أبناء تبلغ من العمر خمسين عاماً من شمال غرب مدينة غزة، قالت لي: “لقد دُمّرت حياتي وتحولت إلى مأساة مستمرة. روحي متعبة وقلبي يتألم. أبكي على نفسي وعلى الجحيم الذي سقطت فيه. أتمنى لو كان كل هذا مجرد كابوس سأستيقظ منه قريباً”.

إن فهم ما تتعرض له النساء ضروري لفهم الإبادة الجارية في غزة.

فالأمر لا يتعلق فقط بقتل النساء اللواتي يحملن الجيل الفلسطيني القادم، بل أيضاً بتدمير قدرتهن على الحفاظ على الحياة نفسها: إطعام أطفالهن، ورعايتهم، وحمايتهم.

ورغم كل ذلك، لا تزال نساء غزة يقاومن من أجل الحفاظ على ما تبقى من حياة طبيعية.. إنهن يقاتلن من أجل البقاء، والإنسانية، والهوية، والأنوثة، وسط استمرار الإبادة وتدمير المجتمع الغزي.

ألمازة السلطان، وهي أم لخمسة أطفال من بيت لاهيا، وجهت نداءً قالت فيه: “نساء العالم، أقف أمامكن لأطلب التضامن معنا. لقد حُرمنا من أبسط مقومات الوجود الإنساني. فقدنا منازلنا، وحريتنا، وخصوصيتنا. حياتنا كما عرفناها دُمّرت بالكامل”.

لقد حان الوقت كي يتحرك العالم لوقف هذه الإبادة.. لم يعد لدينا وقت للانتظار.

نقلاً عن الجارديان