اقتربت فرنسا من إقرار أحد أكثر القوانين صرامة في أوروبا لتنظيم استخدام الأطفال وسائل التواصل الاجتماعي، بعدما توصل المشرعون إلى صيغة توافقية تمهد لاعتماد مشروع القانون قبل انطلاق العام الدراسي الجديد.
وتعكس هذه الخطوة تصاعد القلق داخل الأوساط السياسية والتربوية من التأثيرات النفسية والاجتماعية للمنصات الرقمية على الأطفال، إلى جانب تنامي الدعوات لتعزيز الحماية الرقمية للقاصرين في مواجهة المحتوى الضار والإدمان الإلكتروني.
وذكرت وكالة أسوشيتد برس أن أعضاء الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ توصلوا، خلال اجتماعات لجنة مشتركة، إلى اتفاق بشأن نسخة معدلة من مشروع القانون، تمهيدا لعرضها على المجلسين للتصويت النهائي.
ويهدف الاتفاق إلى تجاوز الخلافات التي عطلت مسار المشروع، بما يسمح بدخوله حيز التنفيذ مع بداية العام الدراسي الجديد في سبتمبر المقبل إذا حصل على الموافقة النهائية.
سباق مع الوقت
جاء التوافق البرلماني في وقت يقترب فيه البرلمان الفرنسي من بدء عطلته الصيفية، الأمر الذي دفع النواب وأعضاء مجلس الشيوخ إلى تكثيف المشاورات لإنجاز المشروع قبل انتهاء الدورة التشريعية، واجتمع سبعة أعضاء من الجمعية الوطنية مع سبعة من أعضاء مجلس الشيوخ داخل لجنة مشتركة، حيث نجحوا في التوصل إلى صيغة وسط حظيت بقبول الجانبين بعد مفاوضات مكثفة.
ويرى مؤيدو المشروع أن سرعة إقراره تمنح المدارس والأسر فرصة للاستعداد لتطبيق الضوابط الجديدة مع انطلاق الدراسة، بما يضمن توفير بيئة تعليمية أكثر تركيزا ويحد من الاستخدام المفرط للأجهزة والمنصات الرقمية بين الأطفال.
تعديلات استجابة للاتحاد الأوروبي
واجه مشروع القانون تحديا قانونيا بعد مراجعة المفوضية الأوروبية لأحدث نسخة منه، إذ اعتبرت أن بعض مواده لا تنسجم مع قانون الاتحاد الأوروبي، خاصة مع أحكام قانون الخدمات الرقمية الذي ينظم عمل المنصات الإلكترونية داخل دول الاتحاد.
ودفعت هذه الملاحظات الحكومة والبرلمان إلى إدخال تعديلات على النص المقترح، بهدف إزالة أوجه التعارض مع التشريعات الأوروبية مع الحفاظ على الهدف الأساسي المتمثل في تعزيز حماية الأطفال من المخاطر الرقمية، وأكدت المفوضية الأوروبية دعمها لمبدأ حماية القاصرين، لكنها طالبت فرنسا بإعادة صياغة بعض المواد حتى تتوافق مع الإطار القانوني الأوروبي.
دعم رئاسي
حظي مشروع القانون بدعم واضح من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي وضع حماية الأطفال في الفضاء الرقمي ضمن أولويات أجندته السياسية خلال الفترة الأخيرة. وينظر إلى هذا التشريع باعتباره من أبرز المبادرات التي يسعى ماكرون إلى إنجازها قبل انتهاء ولايته الرئاسية العام المقبل، في إطار جهود أوسع لتنظيم البيئة الرقمية والحد من آثارها السلبية على الأجيال الجديدة.
ويرى مؤيدو المشروع أن الدولة تتحمل مسؤولية حماية الأطفال من التعرض المبكر للمحتوى العنيف أو المضلل، ومن مخاطر التنمر الإلكتروني والإدمان على المنصات الرقمية، وهو ما يتطلب وضع قواعد أكثر صرامة لتنظيم الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي.
خلاف حول نطاق الحظر
تركز الخلاف الرئيسي بين الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ على تحديد المنصات التي يشملها الحظر، فقد دافع أعضاء الجمعية الوطنية عن توسيع نطاق القانون ليشمل جميع خدمات التواصل الاجتماعي الإلكترونية دون استثناء، بينما فضل أعضاء مجلس الشيوخ إعداد قائمة محددة بالمنصات التي تخضع للحظر، بما يمنح السلطات مرونة أكبر في التطبيق والتحديث.
وسمح الاتفاق الذي توصل إليه الطرفان بتجاوز هذا الخلاف من خلال صيغة معدلة ينتظر أن يوافق عليها المجلسان، الأمر الذي يفتح الطريق أمام دخول القانون حيز التنفيذ خلال الأشهر المقبلة.
قيود داخل المدارس
لا يقتصر مشروع القانون على تنظيم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون الخامسة عشرة، بل يتضمن أيضا حظرا لاستخدام الهواتف المحمولة داخل المدارس الثانوية، في خطوة تستهدف تعزيز تركيز الطلاب والحد من المشتتات داخل الفصول الدراسية.
ويأتي هذا التوجه في ظل تزايد النقاش داخل فرنسا بشأن تأثير الهواتف الذكية على التحصيل الدراسي والصحة النفسية والتفاعل الاجتماعي بين الطلاب، خاصة بعد صدور دراسات تربوية ربطت الاستخدام المفرط للأجهزة الرقمية بضعف التركيز وارتفاع معدلات القلق واضطرابات النوم لدى الأطفال والمراهقين.
حماية الأطفال أولوية
يعكس مشروع القانون توجها متناميا داخل فرنسا وأوروبا نحو تشديد الرقابة على المنصات الرقمية وتحميل شركات التكنولوجيا مسؤولية أكبر في حماية المستخدمين صغار السن. كما يبرز حرص السلطات الفرنسية على إيجاد توازن بين حرية استخدام الإنترنت وضرورة توفير بيئة رقمية آمنة للأطفال، بما يضمن الحد من المخاطر المرتبطة بالمحتوى غير المناسب أو الاستغلال الإلكتروني أو الإدمان الرقمي.
شهدت السنوات الأخيرة تصاعدا في الجهود الأوروبية لتنظيم عمل المنصات الرقمية وتعزيز حماية الأطفال على الإنترنت، خاصة بعد دخول قانون الخدمات الرقمية للاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ، والذي ألزم شركات التكنولوجيا باتخاذ إجراءات أكثر صرامة للحد من المحتوى الضار وحماية القاصرين وتعزيز الشفافية في إدارة المنصات.
وفي الوقت نفسه، اتجهت عدة دول أوروبية إلى مراجعة قوانينها الوطنية المتعلقة باستخدام الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي داخل المدارس، بعدما أظهرت دراسات تربوية وصحية ارتباط الاستخدام المفرط للأجهزة الرقمية بارتفاع معدلات التشتت والإدمان الرقمي والتنمر الإلكتروني بين الأطفال والمراهقين، وهو ما دفع الحكومات إلى البحث عن تشريعات تحقق التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا وحماية النشء من آثارها السلبية.
