منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إدماج مليون مهاجر غير نظامي.. هل تقدم إسبانيا نموذجاً أوروبياً أكثر إنسانية؟

30 يوليو 2026
إدماج نحو مليون مهاجر في إسبانيا
إدماج نحو مليون مهاجر في إسبانيا

في وقت يتجه فيه العديد من الدول الأوروبية إلى تشديد سياسات الهجرة، وإقرار قوانين أكثر صرامة للحد من تدفق المهاجرين، تسير إسبانيا في مسار يبدو معاكساً، إذ تدرس الحكومة الإسبانية المضي في إجراءات من شأنها تسوية أوضاع ما يقارب مليون مهاجر غير نظامي، في خطوة يرى حقوقيون أنها قد تمثل تحولاً لافتاً في النظرة الأوروبية إلى الهجرة، في حين يعدها آخرون استجابة لحاجة اقتصادية ملحة أكثر منها تحولاً في فلسفة حقوق الإنسان.

ويعيد المشروع إلى الواجهة سؤالاً طالما أثار الجدل داخل الاتحاد الأوروبي، هل ينبغي التعامل مع المهاجر غير النظامي باعتباره تهديداً أمنياً يجب إبعاده، أم إنساناً يملك حقوقاً أساسية تستوجب الحماية والإدماج ومورداً بشرياً يمكن أن يسهم في سد فجوات سوق العمل وتعزيز الاقتصاد؟

فعلى مدار السنوات الأخيرة، طغت على السياسات الأوروبية إجراءات تشديد الرقابة على الحدود، وتوسيع اتفاقيات الإعادة، وتسريع عمليات الترحيل، الأمر الذي جعل أي مبادرة تتجه نحو الإدماج بدلاً من الإقصاء محل اهتمام واسع من قبل المنظمات الحقوقية والباحثين في قضايا الهجرة.

إذا أُقرت الخطة، فإن مئات الآلاف من المهاجرين الذين يعيشون في الظل، ويعمل كثير منهم في قطاعات الزراعة والبناء والخدمات والرعاية المنزلية، سيتمكنون من الحصول على وضع قانوني يسمح لهم بالعمل بصورة رسمية والاستفادة من أنظمة الحماية الاجتماعية والرعاية الصحية والتعليم.

ويرى خبراء أن تقنين أوضاع هذه الفئة لا يقتصر على منح وثائق إقامة، بل يمثل انتقالاً من حالة الهشاشة القانونية إلى الاعتراف بالحقوق الأساسية، ما يقلل من تعرضهم للاستغلال في سوق العمل أو الاتجار بالبشر أو العمل القسري.

ويؤكد مختصون أن المهاجر غير النظامي غالباً ما يكون أكثر عرضة لانتهاكات حقوق العمل، بسبب خوفه من الإبلاغ عن أصحاب العمل أو اللجوء إلى القضاء خشية الترحيل، وهو ما يجعل تسوية أوضاعه القانونية خطوة تعزز الحماية الحقوقية بقدر ما تحقق مكاسب اقتصادية.

ورغم الترحيب الحقوقي بالمبادرة، فإن كثيراً من المحللين يربطون القرار أيضاً بالتحولات الديموغرافية التي تشهدها إسبانيا، وفي مقدمتها انخفاض معدلات المواليد وارتفاع متوسط الأعمار، إلى جانب النقص المتزايد في العمالة بعدد من القطاعات الحيوية.

مزايا ومكاسب متعددة

ويرى اقتصاديون أن دمج المهاجرين في الاقتصاد الرسمي قد يحقق للدولة مكاسب متعددة، منها زيادة الإيرادات الضريبية وتقليص الاقتصاد غير الرسمي وتعزيز أنظمة الضمان الاجتماعي التي تواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة الشيخوخة السكانية.

لكن الحقوقيين يحذرون من اختزال القضية في بعدها الاقتصادي فقط، مؤكدين أن احترام حقوق الإنسان ينبغي ألا يرتبط بحاجة سوق العمل، وإنما باعتبار الكرامة الإنسانية حقاً أصيلاً لا يتوقف على الجدوى الاقتصادية.

وتأتي الخطوة الإسبانية في وقت تمضي فيه عدة دول أوروبية في اتجاه معاكس، عبر تشديد قوانين اللجوء والهجرة، وتوسيع صلاحيات الاحتجاز والترحيل، واعتماد سياسات أكثر صرامة لضبط الحدود، وهذا التباين يثير تساؤلات حول ما إذا كانت مدريد تقدم نموذجاً مختلفاً يمكن أن يؤثر في السياسات الأوروبية مستقبلاً، أم إن خصوصية الظروف الاقتصادية والديموغرافية الإسبانية تجعل التجربة غير قابلة للتكرار في دول أخرى؟

من منظور القانون الدولي، يتمتع المهاجرون -بغض النظر عن وضعهم القانوني- بجملة من الحقوق الأساسية تشمل الحق في الحياة والكرامة، والحماية من التعذيب والاستغلال، والحق في الرعاية الصحية الأساسية، والتعليم للأطفال، وعدم التمييز.

وتؤكد منظمات حقوق الإنسان أن تسوية الأوضاع القانونية تمثل إحدى الوسائل التي تساعد الدول على الوفاء بهذه الالتزامات، من خلال تقليل الفجوة بين النصوص القانونية والواقع الذي يعيشه المهاجرون غير النظاميين، إلا أن هذه المنظمات تشدد في الوقت ذاته على أن الإدماج القانوني وحده لا يكفي، ما لم يصاحبه التصدي لخطابات الكراهية والعنصرية، وضمان تكافؤ الفرص في العمل والسكن والخدمات.

ليست مجرد تنازل إنساني

ويرى الباحث في الشؤون الأوروبية ديميتري بريجع أن إسبانيا تقدم بالفعل نموذجاً أوروبياً أكثر إنسانية وواقعية في إدارة ملف الهجرة، مؤكداً أنه من الضروري ألا نختزل هذه السياسة في بعدها الأخلاقي فحسب، فهي تجمع بين الاعتبارات الحقوقية والاحتياجات الاقتصادية والحسابات السياسية للدولة.

وأوضح بريجع، في حديثه لـ”صفر”، أن الخطة الإسبانية لا تقوم على فتح الحدود أمام موجات جديدة من الهجرة غير النظامية، كما يحاول خصوم الحكومة تصويرها، بل تهدف أساساً إلى تسوية أوضاع أشخاص موجودين بالفعل داخل البلاد، ويعمل كثير منهم في الاقتصاد الإسباني، لكنهم يعيشون خارج مظلة الحماية القانونية، ومن دون عقود عمل نظامية أو ضمانات اجتماعية كاملة.

وأضاف أن “الاختلاف الجوهري بين إسبانيا والاتجاه السائد في عدد من الدول الأوروبية يتمثل في أن مدريد لا تنظر إلى المهاجر غير النظامي باعتباره مشكلة أمنية، بل باعتباره شخصاً يمكن دمجه في سوق العمل والنظام الضريبي ومؤسسات الدولة”.

وفي شرحه لأبعاد الخطة، قال بريجع: “عندما يبقى المهاجر في الظل لا تختفي الهجرة غير النظامية، بل تنشأ سوق عمل موازية يستفيد منها بعض أرباب العمل من خلال الأجور المتدنية وغياب التأمينات والحقوق، ولذلك فإن التسوية القانونية تسمح للدولة بحصر هؤلاء الأشخاص، ومتابعة أوضاعهم، وإدماجهم في سوق العمل الرسمي ومنظومة الضمان الاجتماعي، فضلاً عن تحصيل الضرائب والاشتراكات التأمينية منهم”.

وشدد على أن السياسة الإسبانية ليست مجرد تنازل إنساني، بل مقاربة تهدف إلى تحويل الهجرة من عبء غير منظم إلى قوة عمل منظمة وخاضعة للقانون، موضحاً أن إسبانيا تواجه تحديات ديموغرافية متزايدة تتمثل في انخفاض معدلات المواليد وشيخوخةالسكان وتراجع أعداد القوى العاملة في قطاعات حيوية مثل الزراعة والرعاية الصحية ورعاية كبار السن والبناء والخدمات السياحية.

وأضاف: “سبق أن حذر رئيس الوزراء بيدرو سانشيز من أن غياب الهجرة قد يؤدي إلى خسارة إسبانيا نحو 19% من ناتجها المحلي الإجمالي بحلول عام 2050، وفق السيناريوهات التي عرضتها الحكومة، كما ربط ذلك بإغلاق مؤسسات اقتصادية، وتراجع أعداد الطلاب، واختفاء عدد كبير من الأنشطة الزراعية”.

تسوية وحماية مزدوجة

ويرى بريجع أن مدريد تنطلق من حقيقة مفادها أن “الاقتصاد الأوروبي يحتاج إلى العمالة، لكنه يتردد سياسياً في الاعتراف بهذه الحاجة”، مضيفاً أنها تحاول تقليص هذا التناقض عبر تأكيد أن الهجرة ليست مجرد قضية تضامن، بل أحد الشروط الأساسية لاستمرار الاقتصاد ودولة الرفاه، خاصة وأن منح الإقامة القانونية لا يقتصر على إصدار وثيقة إدارية، بل ينقل المهاجر من حالة الهشاشة إلى وضع أقرب إلى المواطنة الاجتماعية الجزئية.

ومن هذا المنطلق، يرى بريجع أن التسوية الإسبانية لا تحمي المهاجر وحده، بل تحمي أيضاً العامل الإسباني؛ لأن وجود كتلة كبيرة من العمالة غير النظامية والرخيصة يضغط على الأجور ومعايير العمل بالنسبة إلى جميع العاملين، موضحاً أن الخطاب الإسباني أكثر إنسانية من خطاب الترحيل الجماعي، كما أنه بمنزلة محاولة للفصل بين ثلاثة ملفات؛ الهجرة الجديدة، وضبط الحدود وطلبات اللجوء، والأشخاص الذين استقروا بالفعل داخل المجتمع ويعملون فيه منذ سنوات.

وحذر من أن نجاح هذه المقاربة ليس مضموناً، موضحاً أنه إذا فشلت الحكومة في توفير السكن والتعليم وفرص العمل وفي توزيع المهاجرين بصورة متوازنة بين المدن والأقاليم، فقد تتحول التسوية نفسها إلى أداة تعبئة سياسية لمصلحة اليمين المتطرف، ولا سيما أن نجاح هذا النموذج لن يقاس بعدد تصاريح الإقامة التي تُمنح، بل بقدرته على تحويل التسوية القانونية إلى إدماج اجتماعي حقيقي.

واختتم بريجع بقوله إن “الاتحاد الأوروبي يعاني منذ سنوات من خلل بنيوي في توزيع مسؤوليات الهجرة، إذ تتحمل دول الحدود -مثل إيطاليا واليونان وإسبانيا ومالطا- العبء الأكبر في استقبال الوافدين، في حين ترفض دول أخرى تقاسم هذه المسؤولية، مضيفاً أن غياب التضامن الأوروبي الداخلي يدفع الحكومات إلى البحث عن حلول خارجية، مثل إبرام اتفاقات مع دول العبور، ومنع القوارب من الوصول، وإعادة المهاجرين إلى دول ثالثة، وإنشاء ما يُعرف بـ(مراكز الإعادة) وغيرها.

إنسانية الحكومات اليسارية

من جانبه قال أمين عام اتحاد الصحفيين والكتاب العرب في أوروبا ومؤسس مركز ذرا للأبحاث، علي المرعبي، إن التسوية التي أطلقتها إسبانيا لتقنين أوضاع المهاجرين المقيمين بصورة غير نظامية تمثل خطوة تعكس قيماً إنسانية تستحق التقدير، مستدركاً أن النظر إلى هذه الخطوة من زاوية القانون والنظام يكشف أن نسبة كبيرة من هؤلاء المهاجرين يعملون في القطاع الزراعي، خصوصاً في الأعمال الموسمية، في حين ينشط آخرون في قطاعات اقتصادية مختلفة، وهو ما يجعل وجودهم مرتبطاً أيضاً باحتياجات سوق العمل.

وأضاف المرعبي في حديث لـ”صفر” أن هذه التسوية ستمهد لحصول شريحة واسعة من المهاجرين على إقامات قانونية، لكنها لن تشمل الجميع، موضحاً أن تصاريح الإقامة المؤقتة التي مُنحت لنحو 600 ألف مهاجر حتى الآن ترتبط بشروط وإطار زمني محدد، ولا تعني بالضرورة تسوية أوضاع جميع المقيمين بصورة غير نظامية.

وأشار إلى أن “الاعتقاد السائد بأن غالبية المهاجرين غير النظاميين في إسبانيا ينحدرون من دول المغرب العربي أو إفريقيا غير دقيق، فالقسم الأكبر منهم قادم من دول أمريكا الجنوبية وأمريكا اللاتينية، ويتمتع كثير منهم بإجادة اللغة الإسبانية، وهو ما يسهل عملية اندماجهم نسبياً في المجتمع”، مؤكداً أن هذه التسوية تحمل بعداً إنسانياً واضحاً، وهو نهج اعتادت الحكومات اليسارية تبنيه عند وصولها إلى السلطة في عدد من الدول الأوروبية.

وفي المقابل، قال إن “أحزاب يمين الوسط غالباً ما تضع عراقيل أمام تسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين، أو حتى أمام تجديد إقامات المقيمين بصورة قانونية، في حين يتبنى اليمين المتطرف مواقف أكثر تشدداً، تصل إلى رفض أي تسوية أو توسيع لفرص الإقامة النظامية”، مشدداً على أن الإدماج يتطلب سياسات تشمل توفير الاستقرار القانوني، وفرص العمل، والسكن، والتعليم، والخدمات الاجتماعية، ما يضمن للمهاجرين حياة مستقرة ومشاركة فعلية في المجتمع.

واختتم حديثه بالقول: “ورغم ذلك، فإن الحكومة الإسبانية تستحق الإشادة على هذه الخطوة، خصوصاً فيما يتعلق بتسوية أوضاع المهاجرين، ونأمل أن تتبعها إجراءات أوسع تعزز اندماجهم وتحمي حقوقهم على المدى الطويل”.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان