أثار قرار السلطات الألمانية تقييد الوصول إلى دورات الاندماج واللغة جدلًا واسعًا داخل البلاد، بعدما أصبح عشرات الآلاف من طالبي اللجوء واللاجئين والمهاجرين غير قادرين على بدء هذه الدورات، التي مثّلت لسنوات بوابة أساسية لتعلم اللغة، وفهم الحياة اليومية، والدخول إلى سوق العمل.
وتكمن حساسية القرار في أنه يأتي في وقت تسعى فيه الحكومة الألمانية إلى تسريع اندماج الوافدين في سوق العمل، لكنها في الوقت نفسه تقلّص إحدى الأدوات الرئيسية التي تساعدهم على ذلك.
وتشير تقديرات حكومية إلى أن نحو 129,500 شخص كانوا مؤهلين للالتحاق بدورات الاندماج قد يُحرمون من البدء فيها خلال عام 2026، وتشمل الفئات المتأثرة طالبي لجوء، ولاجئين أوكرانيين، وأشخاصًا يتمتعون بوضع “تعليق الترحيل”، إلى جانب مهاجرين من داخل الاتحاد الأوروبي وخارجه ممن كانوا يستطيعون سابقًا الالتحاق طوعًا بالدورات عند عدم امتلاكهم مستوى كافيًا في اللغة الألمانية.
ووفق بيانات وزارة الداخلية، رُفض 29,662 طلبًا للالتحاق بهذه الدورات بين 1 يناير و24 فبراير 2026، بينها 21,400 حالة قيل لأصحابها إنه لا توجد أماكن متاحة، بينما كان هناك 25,762 طلبًا معلقًا يُرجح رفضه أيضًا.
ولا تعني دورات الاندماج في ألمانيا دروس لغة فقط، فوفق المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين BAMF، تشمل هذه الدورات تعلم اللغة الألمانية بوصفها شرطًا ضروريًا للعمل، وملء الطلبات الرسمية، ومتابعة تعليم الأطفال، والتواصل الاجتماعي، إلى جانب وحدة تعريفية بالتاريخ والثقافة والنظام القانوني والسياسي في ألمانيا.
وبحسب الداخلية الألمانية، فإن طالبي اللجوء من دول ذات “فرص بقاء جيدة” مثل سوريا وأفغانستان والصومال وإريتريا كانوا ضمن الفئات التي يمكنها الالتحاق بالدورات، إلى جانب فئات أخرى من أصحاب الإقامة أو تعليق الترحيل بشروط محددة.
قرار مفاجئ
بدأ التقييد بصورة غير معلنة أواخر عام 2025، قبل أن يؤكد BAMF في فبراير 2026 عبر تعميم رسمي لمقدمي الدورات أنه لن يتم قبول مشاركين جدد في السنة المالية الحالية “حتى إشعار آخر”، إلا إذا كان الحضور إلزاميًا عليهم قانونيًا.
وأثار ذلك ارتباكًا واسعًا لدى مراكز التعليم والمدرسين والطلاب، خاصة أن كثيرًا من الدورات كانت جاهزة لكنها لم تعد قادرة على قبول مشاركين طوعيين.
وتقول الحكومة إن الدورات لم تُلغَ، بل أُعيد ترتيب أولويات الوصول إليها، وبحسب وزارة الداخلية، سيُمنح الحق في الالتحاق أساسًا للأشخاص الذين لديهم فرص إيجابية للبقاء طويلًا في ألمانيا أو الذين تلزمهم السلطات قانونيًا بالحضور.
وتربط الوزارة القرار بانخفاض أعداد الوافدين وارتفاع تكاليف البرنامج خلال السنوات الأخيرة، مؤكدة أن نحو مليار يورو مرصودة لدورات الاندماج في عام 2026، وأن نحو 650 مليون يورو مبدئيًا مخصصة لعام 2027 وفق ما توضحه الأسئلة الشائعة المنشورة على موقع الوزارة.
غير أن الانتقادات تتركز على أن تقليص الوصول الطوعي لا يضرب “خدمة إضافية”، بل يمس أداة اندماج أساسية، فالكثير من الوافدين لا يكونون ملزمين قانونيًا بالدورة في البداية، لكنهم يحتاجون إليها فعليًا للعثور على عمل، والتعامل مع الإدارات، وتجنب العزلة داخل مراكز الاستقبال أو المجتمعات المحلية.
لغة وفرص
من الناحية العملية، تُعد اللغة الألمانية مفتاحًا شبه إلزامي للحياة اليومية والعمل. فالدورة القياسية تضم عادة 600 وحدة تعليمية للغة، مع وحدة توجيهية عن الحياة في ألمانيا، بينما تشير مصادر حكومية إلى أن الدورات المهنية اللاحقة تبني على دورات الاندماج وتستهدف إعداد المهاجرين لمتطلبات اللغة في مكان العمل.
وتظهر دراسات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD أن اللغة ليست عاملًا ثانويًا في سوق العمل الألماني، ففي مسح شمل أرباب عمل في ألمانيا، اعتبر نصفهم تقريبًا أن معرفة جيدة باللغة الألمانية ضرورية حتى للوظائف منخفضة المهارة.
وترتفع النسبة إلى أكثر من 90% في الوظائف متوسطة المهارة، بينما قال أكثر من 60% من أصحاب العمل الذين واجهوا صعوبات مع توظيف لاجئين إن نقص اللغة الألمانية كان أبرز عائق.
لهذا يرى منتقدون أن تسهيل العمل بعد ثلاثة أشهر، بدلًا من ستة أشهر في بعض الحالات، لن يكون كافيًا إذا لم يحصل طالبو اللجوء على لغة تؤهلهم لفهم عقود العمل، والتواصل مع الزملاء، والتعامل مع أرباب العمل.. فالسماح القانوني بالعمل شيء، والقدرة الفعلية على الحصول على وظيفة مستقرة شيء آخر.
موقف الحكومة
تدافع الحكومة الألمانية عن القرار بوصفه إعادة ضبط للإنفاق وتركيزًا على الفئات ذات فرص البقاء الطويل.
وتقول وزارة الداخلية إن أعداد طلبات اللجوء انخفضت بوضوح، ما يسمح بالعودة إلى “المهمة الأساسية” لدورات الاندماج، أي خدمة الأشخاص المرجح بقاؤهم داخل ألمانيا فترة طويلة.
ووفق وكالة رويترز، سجّلت ألمانيا في يناير وفبراير 2025 تراجعًا بنسبة 43.4% في طلبات اللجوء مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، مع 29,947 طلبًا خلال الشهرين.
وتتسق هذه السياسة مع اتجاه أوسع داخل ألمانيا منذ 2025 نحو تشديد سياسة الهجرة، عبر تسريع إجراءات اللجوء والترحيل، وتشديد الرقابة على الحدود، وإعادة ترتيب المزايا والخدمات المقدمة لطالبي اللجوء.
وفي النصف الأول من 2025، قالت وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء إن دول الاتحاد الأوروبي والنرويج وسويسرا تلقت 399 ألف طلب لجوء، بانخفاض 23%، ولم تعد ألمانيا الدولة الأولى في استقبال الطلبات داخل مجموعة الاتحاد الأوروبي الموسعة، إذ تلقت فرنسا وإسبانيا أعدادًا أكبر في تلك الفترة.
وتراهن الحكومة على أن الاندماج عبر سوق العمل أسرع وأكثر فاعلية من انتظار دورات طويلة، وهو ما عبّر عنه وزير الداخلية ألكسندر دوبريندت في سياق الدفع بسياسة “العمل أولًا”، لكن باحثين ومنظمات معنية بالاندماج يقولون إن هذه المقاربة قد تتجاهل أن اللغة شرط سابق لدخول سوق العمل لا نتيجة لاحقة له.
انتقادات داخلية
أثار القرار انتقادات من خبراء وسياسيين ومؤسسات تعليمية وبلديات.. فقد وصف مجلس الخبراء الألماني للاندماج والهجرة SVR تقليص الوصول إلى الدورات بأنه “متناقض” و“خطوة إلى الخلف”، خصوصًا إذا كان يطال فئات يُطلب منها في الوقت نفسه الاندماج في سوق العمل.
وحذّر المجلس من أن ضعف اللغة سيؤخر الاندماج المهني، ويزيد مدة الاعتماد على المساعدات الاجتماعية، ويحرم الاقتصاد الألماني من عمال محتملين.
كما حذرت مفوضة الاندماج ناتالي بافليك من أن القرار قد تكون كلفته أكبر على المدى الطويل، لأن حرمان المهاجرين من اللغة سيجعل وصولهم إلى سوق العمل واستقلالهم المالي أصعب.
ووصفت جهات تعليمية وجمعيات دعم اللاجئين القرار بأنه يخلق فجوة اندماج، لأن المشاركين الطوعيين كانوا يشكلون سابقًا جزءًا كبيرًا من طلاب الدورات، ومع استبعادهم أصبحت بعض الصفوف غير مكتملة العدد، ما يهدد بإلغاء دورات حتى لمن هم ملزمون قانونيًا بالحضور.
وتشير مدينة شتوتغارت، في موقف رسمي، إلى أن وقف الدورات الطوعية يهدد الاندماج، واستقطاب العمالة الماهرة، والاستقرار الاجتماعي، وتؤكد البلديات أن آثار القرار لا تظهر فقط في حياة الأفراد، بل في المدارس، ومكاتب العمل، والإدارات المحلية، والخدمات الاجتماعية، حيث يؤدي ضعف اللغة إلى زيادة الحاجة للترجمة والمرافقة والدعم.
النساء أكثر تضررًا
تبدو النساء من بين الفئات الأكثر عرضة للتضرر.. فالعديد من اللاجئات والمهاجرات لا يدخلن سوق العمل سريعًا مثل الرجال، بسبب رعاية الأطفال أو صعوبة الوصول إلى خدمات مناسبة أو حاجتهن إلى مستويات لغوية أعلى للالتحاق بقطاعات مثل الصحة والتعليم والرعاية والثقافة.
وتشير خبرات سوق العمل الألماني إلى أن النساء يستفدن بشكل خاص من إتمام دورات الاندماج، لأنها تمنحهن لغة وثقة ومساحة اجتماعية خارج المنزل أو مركز الإقامة.
وتشير الأدبيات الدولية إلى أن التدريب اللغوي يجب أن يراعي واقع النساء والآباء والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة وأصحاب مستويات التعليم المختلفة.
وتوضح بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن بعض الدورات الألمانية الخاصة يمكن أن تمتد إلى 1200 وحدة تعليمية للنساء، والشباب، والآباء، والأشخاص ذوي احتياجات محو الأمية، ما يعكس أن الاندماج اللغوي لا يمكن أن يكون مقاربة واحدة لجميع الفئات.
وعندما تُغلق الدورات الطوعية أمام هذه الفئات، لا يكون الأثر مجرد تأخير إداري، بل زيادة في العزلة وفقدان فرص التواصل والتعلم وبناء العلاقات، وهذا ما عبّر عنه لاجئون تحدثوا إلى وسائل إعلام مهاجرين، حين قالوا إن غياب الدورات يمنعهم من مقابلة الناس، ويجعلهم يشعرون بأنهم “تائهون” أو محاصرون داخل انتظار مفتوح.

