منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أفغانستان.. مطالب أممية بالإفراج عن الصحفيين المحتجزين لدى طالبان

04 مايو 2026
قرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في أفغانستان، ريتشارد بينيت
قرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في أفغانستان، ريتشارد بينيت

تزامن اليوم العالمي لحرية الصحافة هذا العام مع تصعيد جديد في ملف الإعلام داخل أفغانستان، حيث دعا المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في أفغانستان، ريتشارد بينيت، إلى إطلاق سراح الصحفيين والعاملين الإعلاميين المحتجزين لدى طالبان، مؤكدًا أن ما لا يقل عن أربعة صحفيين وعاملين في مجال الإعلام لا يزالون قيد الاحتجاز.

وتأتي الدعوة الأممية في وقت يكشف فيه تقرير حديث لمركز الصحفيين الأفغان عن تسجيل 150 حالة انتهاك لحرية الإعلام خلال عام واحد، بين مايو 2025 ومايو 2026، في مؤشر جديد على أن البيئة الإعلامية في البلاد تواصل الانغلاق منذ عودة طالبان إلى السلطة.

قال ريتشارد بينيت، عبر حسابه على منصة “إكس”، إن أربعة صحفيين وعاملين في المجال الإعلامي على الأقل ما زالوا محتجزين في أفغانستان، مطالبًا بالإفراج عنهم وعن جميع المعتقلين تعسفيًا في البلاد، وجاءت رسالته بالتزامن مع اليوم العالمي لحرية الصحافة، الذي يوافق 3 مايو من كل عام.

وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة لأنها تربط ملف الصحفيين بملف أوسع يتعلق بالاعتقال التعسفي في أفغانستان، حيث تستخدم طالبان الاحتجاز والتهديد والاستدعاءات الأمنية كأدوات للسيطرة على المجال العام، بما في ذلك الصحافة والمجتمع المدني.

150 انتهاكًا خلال عام

أعلن مركز الصحفيين الأفغان، في تقريره الخاص باليوم العالمي لحرية الصحافة، أنه وثّق ما لا يقل عن 150 حالة انتهاك لحرية الإعلام وحقوق الصحفيين خلال الفترة بين مايو 2025 ومايو 2026، وشملت الانتهاكات التهديد، والاعتقال، والرقابة، والعنف، في ما وصفه المركز بأنه مرحلة جديدة من أزمة الإعلام في أفغانستان.

وبحسب التقرير، جرى اعتقال 20 صحفيًا وعاملًا إعلاميًا على الأقل خلال الفترة نفسها، فيما لا يزال أربعة منهم قيد الاحتجاز.

وتُظهر هذه الأرقام أن سياسة طالبان لا تقتصر على منع بعض المواد الإعلامية، بل تمتد إلى استهداف الصحفيين أنفسهم بوصفهم مصدرًا محتملًا للمساءلة وكشف الانتهاكات.

وتتعدد الأسباب التي أوردها مركز الصحفيين الأفغان لاعتقال الصحفيين، لكنها تكشف جميعها عن نمط واحد: تحويل العمل الصحفي المستقل إلى فعل يُعامل كتهديد سياسي أو أمني.

ومن بين الأسباب التي وردت في التقرير: نشر تقارير تنتقد السلطات، والعمل مع وسائل إعلام خارج أفغانستان، والنشاط على شبكات التواصل الاجتماعي، وإعداد تقارير عن حقوق النساء والفتيات، وعدم الالتزام بالتعليمات الإعلامية الصادرة عن طالبان.

كما امتدت الملاحقات إلى مسائل مرتبطة بقواعد “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، بما في ذلك المظهر الشخصي وطول اللحية، وهو ما يعكس انتقال الرقابة من مضمون العمل الصحفي إلى تفاصيل الحياة اليومية للعاملين في الإعلام.

اعترافات قسرية

حذّرت منظمة مراسلون بلا حدود من أن طالبان تستخدم “الاعترافات القسرية” كوسيلة ضغط جديدة ضد الصحفيين.

وذكرت المنظمة أن مقاطع فيديو تتضمن اعترافات منسوبة لصحفيين، بينهم أبو ذر صارم وشكيب نظري، نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، في أسلوب يهدف إلى ترهيب الصحفيين وإسكات التقارير المستقلة.

وتعد الاعترافات القسرية من أخطر أدوات القمع، لأنها لا تكتفي بإسكات الصحفي داخل السجن، بل تستخدمه علنًا لتوجيه رسالة ردع لبقية العاملين في الإعلام، وأي تغطية مستقلة أو تعاون مع وسائل خارجية قد يتحول إلى اتهام أمني وتشويه علني.

رقابة شاملة

تقول تقارير حقوقية إن طالبان فرضت منذ عودتها إلى السلطة أكثر من 20 توجيهًا لتنظيم العمل الإعلامي، شملت المحتوى، والحصول على الموافقات، وآليات الوصول إلى المعلومات، والتعامل مع وسائل الإعلام الأجنبية.

وأسهمت هذه القيود في إضعاف قطاع إعلامي كان أكثر حيوية قبل 2021، ودفع عشرات المؤسسات إلى الإغلاق أو الصمت، فيما اضطر صحفيون كثر إلى المنفى أو العمل بسرية.

وحذّر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من أن الصحفيين في أفغانستان يواجهون رقابة، ومراقبة تدخلية، وقيودًا “قانونية” مرتبطة بما يسمى قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مشيرًا إلى أن الخوف دفع كثيرين إلى الرقابة الذاتية، ليس بين الصحفيين فقط، بل أيضًا بين المصادر التي تخشى التحدث إلى الإعلام.

استهداف الإعلام الخارجي

تظهر الملاحقات الأخيرة أن العمل مع وسائل إعلام خارج أفغانستان أصبح سببًا مباشرًا للاعتقال أو الإغلاق، فقد دعت لجنة حماية الصحفيين في أغسطس 2025 طالبان إلى الإفراج عن الصحفي شكيب أحمد نظري، الذي قالت إنه اعتُقل منذ يوليو بعد مداهمة مكتبه، في إطار حملة تستهدف صحفيين يعملون مع وسائل إعلام أجنبية.

وفي سياق أوسع، كانت طالبان قد أغلقت أو علقت عمل مؤسسات إعلامية متهمة بالتعاون مع وسائل خارجية أو بنشر محتوى مخالف لما تسميه “القيم الإسلامية والوطنية”، بما في ذلك محطات تلفزيونية وإذاعية نسائية أو مستقلة.

وتأثر الصحفيون جميعًا بقيود طالبان، لكن النساء الإعلاميات تعرضن لضغط مضاعف. فمع منع الفتيات من التعليم بعد الصف السادس، وحظر عمل النساء في قطاعات واسعة، وفرض قيود مشددة على الظهور والحركة، أصبح وجود الصحفيات في المجال العام أكثر صعوبة.

كما أن تغطية قضايا النساء والفتيات نفسها باتت سببًا للملاحقة، بحسب ما ورد في تقرير مركز الصحفيين الأفغان.

وهذا يعني أن طالبان لا تقيّد فقط حضور النساء داخل غرف الأخبار، بل تعاقب أيضًا الصحافة التي تحاول توثيق آثار سياساتها على النساء.

ترتيب متدنٍ عالميًا

تعكس المؤشرات الدولية مستوى التدهور؛ فقد جاءت أفغانستان في المرتبة الـ175 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026 الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود، ما يضعها ضمن أسوأ دول العالم في حرية الإعلام.

وهذا الترتيب لا يعكس فقط عدد الاعتقالات، بل يشمل بيئة كاملة من الرقابة، والخوف، وإغلاق المؤسسات، وتقييد الوصول إلى المعلومات، وغياب الضمانات القانونية للصحفيين.

ومن منظور حقوقي، تمثل ممارسات طالبان ضد الصحفيين انتهاكًا مباشرًا لحرية التعبير وحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات.

كما أن الاعتقال التعسفي، والاعترافات القسرية، والرقابة المسبقة، والتهديد بسبب النشاط على وسائل التواصل الاجتماعي، كلها ممارسات تتعارض مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

والأخطر أن تقييد الإعلام يحدث في بلد يعيش أزمة إنسانية وحقوقية عميقة، حيث تحتاج الانتهاكات ضد النساء، والفقر، والاعتقالات، والقيود الاجتماعية إلى صحافة مستقلة قادرة على التوثيق؛ حين تُسكت طالبان الصحفيين فإنها لا تستهدف المهنة فقط، بل تمنع المجتمع والعالم من معرفة ما يجري داخل البلاد.