تواصل أوضاع الصحفيات في أفغانستان التدهور بصورة حادة تحت حكم طالبان، في ظل بيئة حقوقية وإعلامية توصف بأنها من الأكثر قمعاً منذ عودة الحركة إلى السلطة في أغسطس 2021.
ووفق أحدث البيانات لم يعد يقتصر التراجع على القيود المهنية أو التمييز داخل غرف الأخبار، بل بات جزءاً من سياسة أوسع لتهميش النساء من المجال العام، بالتوازي مع تصاعد الرقابة، والاعتقالات التعسفية، والقيود المفروضة على حرية التعبير والعمل والتنقل.
ووفقاً لبيان مركز حرية التعبير في مارس 2026، لم تعد تعمل داخل أفغانستان سوى نحو 190 صحفية فقط، مقارنة بأكثر من 2000 صحفية قبل عودة طالبان إلى الحكم.
وقال المركز إن هذا الانكماش الحاد ترك نحو 20 ولاية من أصل 34 بلا أي حضور نسائي في الصحافة، مضيفاً أن كثيرات ممّن واصلن العمل يفعلن ذلك تحت أسماء مستعارة أو من دون توقيع، تجنباً للانتقام أو الملاحقة.
الصحفيات فقدن وظائفهن
أما على مستوى المؤشرات الدولية، فالاتحاد الدولي للصحفيين كان قد نشر، بالاستناد إلى مسح أجراه الاتحاد الوطني للصحفيين الأفغان وشمل أكثر من 500 مستجيب من 34 ولاية، أن 60% من الصحفيات فقدن وظائفهن منذ عودة طالبان، وأن 87% تعرضن للتمييز القائم على النوع الاجتماعي.
وقال الاتحاد الدولي إن 79% من الصحفيات الأفغانيات تعرضن للإهانة أو التهديد، ومنه التهديدات الجسدية واللفظية والإساءة من مسؤولين في طالبان.
وتُعد هذه الأرقام من أكثر المؤشرات الدولية تداولاً وموثوقية بشأن أثر سياسات طالبان في النساء العاملات في الإعلام، حتى وإن كانت تستند إلى مسح أُعلن لأول مرة في عام 2022 وظل يُستشهد به لاحقاً في تقارير ومتابعات دولية.
تمميز طالبان ضد النساء
وتؤكد منظمات حقوقية دولية أن هذا الانهيار في حضور النساء داخل الإعلام لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للسياسات التمييزية التي تفرضها طالبان على النساء والفتيات، فهيومن رايتس ووتش قالت في فبراير 2026 إن سلطات طالبان كثفت خلال عام 2025 قمعها للنساء والفتيات، وفرضت لوائح جديدة زادت من القيود على حرية الإعلام.
ووصفت منظمة العفو الدولية الوضع الحقوقي في أفغانستان بأنه يشهد انتهاكات متفاقمة، مشيرة إلى استمرار الاعتقالات التعسفية والإخفاء القسري والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة بحق الصحفيين والأصوات الناقدة، إلى جانب حرمان النساء من حقوقهن في حرية الحركة والتعبير والعمل.
وفي أحدث تقييم أممي نُشر في 30 مارس 2026، قالت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إن حالة حقوق الإنسان في أفغانستان “تواصل التدهور بشكل دراماتيكي”، وإن حياة الأفغان، وخاصة النساء والفتيات، ازدادت سوءاً بشكل حاد تحت حكم سلطات الأمر الواقع.
وأشار التقرير إلى أن الصحفيين والعاملين في الإعلام ما زالوا يواجهون اعتقالات واحتجازاً تعسفياً بسبب “قيود غير متناسبة على المحتوى الذي ينتجونه”، كما لفت إلى أن البرامج السياسية الحوارية المباشرة حُظرت منذ فبراير 2025، في حين حُظرت الموسيقى والدراما على الإذاعة والتلفزيون.
وأضاف التقرير أن “العدد القليل” من الصحفيات اللواتي ما زلن يعملن يواجهن مصاعب إضافية؛ منها واقعة موثقة في أغسطس 2025، حين جرى إسكات ميكروفون صحفية عمداً خلال مؤتمر صحفي للمتحدث باسم سلطات طالبان.
اعتقالات تعسفية واحتجاز
كما سبق لبعثة الأمم المتحدة في أفغانستان أن أعلنت في نوفمبر 2024 أن طالبان احتجزت صحفيين أكثر من 250 مرة منذ استيلائها على السلطة، مع تحذير من أن العاملين في الإعلام يواجهون قواعد مبهمة بشأن ما يمكنهم نشره وما لا يمكنهم نشره، ما يعرّضهم للترهيب والاحتجاز بسبب أي انتقاد متصوَّر.
وفي حين نفت طالبان آنذاك أن تكون الاعتقالات “تعسفية”، فإن الأمم المتحدة شددت على أهمية الاعتراف بدور النساء في الإعلام وضمان أمن جميع الصحفيين والعاملين في القطاع.
وتعكس تقارير مركز الصحفيين الأفغان هذا الاتجاه نفسه. ففي تقريره السنوي عن عام 2025، وثّق المركز 205 حوادث عنف وانتهاك ضد حرية الإعلام، بينها حالتا وفاة، وثلاث إصابات، و166 تهديداً، إضافة إلى 34 حالة اعتقال لصحفيين، بقي خمسة منهم رهن الاحتجاز وقت نشر التقرير.
وأكد المركز أن من بين مظاهر التضييق خلال العام الماضي: القيود المفروضة على مشاركة الصحفيات في المؤتمرات الصحفية الرسمية، والرقابة على أصوات النساء في التغطيات الإخبارية المباشرة، وبث “اعترافات قسرية” لصحفيين.
إفراغ المشهد الإعلامي
وتقول هيومن رايتس ووتش إن طالبان “أفرغت” المشهد الإعلامي الأفغاني من مضمونه منذ 2021 عبر المراقبة والرقابة ومعاقبة العاملين في الإعلام على أي انتقاد متصوَّر، وإن النساء كنّ بين الفئات الأشد تضرراً.
وأضافت المنظمة في تقريرها الصادر في أكتوبر 2025 أن أجهزة طالبان الاستخبارية تراقب المحتوى الإعلامي، في حين تفرض “شرطة الأخلاق” الامتثال لقواعد الملبس والفصل بين الجنسين داخل أماكن العمل، مع تطبيق تعسفي للقواعد من ولاية إلى أخرى، ونقلت المنظمة عن صحفيين أن أي صلة بوسائل إعلام في المنفى أو بأي جهات معارضة قد تعرّضهم للاعتقال والضرب والتهديد بالقتل.
ولا تقف الأزمة عند حدود التضييق المباشر على العمل الصحفي، بل تمتد إلى البنية القانونية والاجتماعية التي باتت تجعل وجود النساء في الإعلام نفسه موضع استهداف، فبحسب رويترز، واصلت طالبان منذ 2021 التراجع عن مكاسب النساء والفتيات، وكرّست قوانين “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” قيوداً على حركة النساء ولباسهن ووجودهن في الفضاء العام.
وأشارت العفو الدولية إلى أن هذه القواعد منحت عناصر “الأخلاق” صلاحيات أوسع للتهديد والاحتجاز، في حين أبقت النساء محرومات من معظم أشكال العمل العام، باستثناء مجالات محدودة مثل التعليم الابتدائي والرعاية الصحية وبعض المؤسسات الأمنية.
وينعكس هذا السياق تلقائياً على وسائل الإعلام التي أصبحت أكثر ميلاً إلى تفضيل توظيف الرجال وتجنب تشغيل النساء لتفادي الاحتكاك مع القيود المفروضة.
