منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أطفال هايتي بين الرصاص والجوع.. جيل يواجه الانهيار الكامل تحت سيطرة العصابات

31 مايو 2026
نازحون في هايتي
نازحون في هايتي

تعيش هايتي منذ سنوات حالة من الانهيار السياسي والأمني المتفاقم، ازدادت حدته بعد اغتيال الرئيس جوفينيل مويس عام 2021، ما أدى إلى توسع نفوذ العصابات المسلحة وانهيار مؤسسات الدولة، وتشير الأمم المتحدة إلى أن البلاد تشهد حالياً واحدة من أسوأ أزمات النزوح والجوع والعنف في الأمريكتين، مع سيطرة العصابات على أجزاء واسعة من العاصمة بورت أو برنس، ويواجه الأطفال العبء الأكبر لهذه الأزمة المركبة، في ظل تدمير المدارس، وتصاعد العنف الجنسي، وانهيار الرعاية الصحية، واتساع عمليات التجنيد القسري داخل الجماعات المسلحة.

ففي أحد مراكز إعادة الإدماج داخل العاصمة الهايتية بورت أو برنس، جلس طفل لم يتجاوز الثانية عشرة يتحدث بصوت منخفض عن حياته داخل إحدى العصابات المسلحة، قال إنه حمل السلاح بعدما فقد مدرسته ومنزله، وإنه كان ينام أحياناً في الشوارع هرباً من الاشتباكات.. هذا الطفل، الذي تحاول الأمم المتحدة إعادته إلى الحياة المدنية، يمثل وجهاً من وجوه الكارثة الإنسانية التي يعيشها أطفال هايتي في ظل انهيار أمني غير مسبوق جعل البلاد واحدة من أخطر البيئات على الأطفال في العالم خلال عام 2025.

وأكدت الممثلة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأطفال والنزاع المسلح فانيسا فريزر، عقب زيارتها الرسمية الأولى إلى هايتي، أن الأطفال يعيشون داخل دائرة عنف لا تنقطع، وسط ارتفاع حاد في عمليات التجنيد القسري والقتل والخطف والعنف الجنسي والانهيار شبه الكامل للخدمات الأساسية، وقالت إن ما شاهدته خلال زيارتها كان صادماً، وإن أطفال هايتي يواجهون يومياً الخوف والنزوح والانفصال الأسري والصدمات النفسية العميقة.

أطفال داخل دولة منهارة

وأفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن أكثر من 6 ملايين شخص في هايتي باتوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2025، بينهم نحو 3 ملايين طفل، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في الأمريكتين، كما أكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة يونيسف أن الأطفال يمثلون الفئة الأكثر تضرراً من الانهيار الأمني والاقتصادي، مع اتساع رقعة سيطرة العصابات المسلحة وانهيار مؤسسات الدولة.

وأشار مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إلى أن العصابات المسلحة تسيطر خلال 2025 على نحو 85 بالمئة من العاصمة بورت أو برنس، إضافة إلى أجزاء واسعة من المناطق المحيطة، ما أدى إلى شلل مؤسسات الأمن والتعليم والرعاية الصحية.

ووفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة، تجاوز عدد النازحين داخلياً في هايتي 700 ألف شخص حتى منتصف عام 2025، بينهم أكثر من 360 ألف طفل، نتيجة تصاعد الاشتباكات المسلحة والهجمات على الأحياء السكنية، وتقول المنظمة إن أعداد النازحين تضاعفت عدة مرات منذ عام 2023 مع توسع نفوذ الجماعات المسلحة.

العصابات تجنّد القاصرين

وأكدت فانيسا فريزر أن حالات تجنيد الأطفال واستخدامهم داخل العصابات المسلحة ارتفعت خلال 2025 بنحو ثلاثة أضعاف مقارنة بالعام السابق، فيما تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من نصف أعضاء العصابات في هايتي هم من الأطفال والقاصرين.

وأوضحت يونيسف أن الفقر وانهيار التعليم وغياب الحماية يدفع آلاف الأطفال نحو الجماعات المسلحة التي توفر المال والغذاء والحماية في الأحياء المنهارة أمنياً، كما أشارت المنظمة إلى أن الأطفال يُستخدمون في القتال ونقل الأسلحة وجمع المعلومات وتنفيذ عمليات الخطف والابتزاز.

وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن الجماعات المسلحة تستغل هشاشة الأطفال وتجنّدهم بسهولة في المناطق التي تغيب فيها مؤسسات الدولة، مؤكدة أن بعض الأطفال يتم إجبارهم على المشاركة في أعمال قتل وعنف شديد يترك آثاراً نفسية طويلة الأمد.

العنف الجنسي كسلاح ترهيب

وحذّرت الأمم المتحدة من أن العنف الجنسي ضد الأطفال والفتيات تحول إلى أداة ممنهجة تستخدمها العصابات لبث الخوف والسيطرة على المجتمعات المحلية، وأكدت بعثة الأمم المتحدة المتكاملة في هايتي تسجيل ارتفاع حاد في جرائم الاغتصاب والاستغلال الجنسي خلال العامين الأخيرين، خاصة في الأحياء التي تشهد مواجهات مسلحة.

وقالت منظمة العفو الدولية إن الفتيات القاصرات يواجهن مستويات غير مسبوقة من الاستغلال الجنسي والزواج القسري داخل مناطق النزوح والأحياء الفقيرة، فيما تعجز الأسر عن توفير الحماية في ظل الانهيار الأمني.

كما أوضح صندوق الأمم المتحدة للسكان أن مراكز الدعم النفسي والرعاية الصحية الخاصة بالنساء والفتيات أصبحت غير قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الضحايا، خاصة مع نقص التمويل وإغلاق العديد من المرافق الصحية.

مدارس تتحول إلى ساحات حرب

وكشفت فانيسا فريزر أن نحو 18 ألف مدرسة في هايتي تعرضت للتدمير أو الضرر أو الإغلاق الكامل بسبب العنف المسلح وسيطرة العصابات، وأكدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو أن مئات آلاف الأطفال باتوا خارج التعليم خلال 2025، فيما تحولت بعض المدارس إلى ملاجئ للنازحين أو قواعد تستخدمها الجماعات المسلحة.

وقالت وزارة التربية الهايتية إن عشرات المدارس أغلقت أبوابها في العاصمة والمناطق الغربية بسبب الاشتباكات المسلحة وتهديدات العصابات للطلاب والمعلمين، بينما تشير يونيسف إلى أن الأطفال المحرومين من التعليم يصبحون أكثر عرضة للتجنيد والاستغلال والانخراط في العنف.

وأكدت الشبكة العالمية للتعليم في حالات الطوارئ أن الطفل الذي يبقى خارج المدرسة لفترات طويلة يصبح أكثر عرضة للانقطاع النهائي عن التعليم والعمل القسري والاستغلال الجنسي، خاصة في البيئات التي تشهد نزاعات ممتدة.

الجوع يلاحق الأطفال

وأكد برنامج الأغذية العالمي أن هايتي تواجه واحدة من أخطر أزمات الجوع في نصف الكرة الغربي، حيث يعاني أكثر من 5.5 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال 2025، بينهم أعداد ضخمة من الأطفال.

وقالت منظمة الأغذية والزراعة إن العنف المسلح أدى إلى تعطيل سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الغذاء وانهيار النشاط الزراعي في مناطق واسعة، ما فاقم مستويات الفقر وسوء التغذية.

وأعلنت يونيسف أن معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال ارتفعت بشكل مقلق خلال العام الحالي، خاصة في مخيمات النزوح المكتظة التي تفتقر إلى المياه النظيفة والخدمات الصحية، كما حذرت المنظمة من أن الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية يصبحون أكثر عرضة للأمراض والوفاة في ظل انهيار النظام الصحي.

الرعاية الصحية تنهار

وأكدت منظمة الصحة العالمية أن النظام الصحي في هايتي يقترب من الانهيار الكامل، حيث أغلقت مستشفيات ومراكز صحية عديدة بسبب الهجمات المسلحة ونقص الوقود والإمدادات الطبية.

وقالت منظمة “أطباء بلا حدود” إن فرقها الطبية تواجه صعوبة متزايدة في الوصول إلى الأحياء المحاصرة بالعصابات، فيما يتعرض المرضى والعاملون الصحيون لمخاطر الخطف وإطلاق النار أثناء التنقل.

كما حذّرت منظمة الصحة العالمية من ارتفاع خطر تفشي الكوليرا والأمراض المعدية بين الأطفال داخل مخيمات النزوح، مع انهيار خدمات المياه والصرف الصحي وتراجع حملات التطعيم الروتينية.

أطفال خلف القضبان

وخلال زيارتها إلى مركز احتجاز سيرميكول في بورت أو برنس، كشفت فانيسا فريزر عن وجود نحو 80 طفلاً محتجزين في ظروف وصفتها بالكوارثية، دون محاكمات واضحة أو رعاية قانونية كافية.

وأكدت الأمم المتحدة أن الأطفال المرتبطين بالعصابات يجب التعامل معهم باعتبارهم ضحايا يحتاجون إلى الحماية وإعادة التأهيل، لا مجرد متهمين جنائيين، كما رحّبت المنظمة بتطبيق بروتوكول تسليم الأطفال لعام 2024 بين الحكومة الهايتية والأمم المتحدة، والذي يهدف إلى تحويل الأطفال المرتبطين بالجماعات المسلحة إلى خدمات الرعاية والحماية بدلاً من السجون.

الصدمات النفسية والجيل الضائع

وتؤكد منظمات حقوقية وإنسانية أن أطفال هايتي يعيشون واحدة من أعمق الأزمات النفسية في العالم نتيجة التعرض المستمر للعنف والقتل والخطف وفقدان أفراد الأسرة.

وقالت منظمة إنقاذ الطفولة الدولية إن كثيراً من الأطفال يعانون من اضطرابات نفسية حادة تشمل القلق المزمن والصدمات واضطرابات النوم والخوف الدائم، بينما لا تتوفر خدمات دعم نفسي كافية في معظم المناطق المتضررة.

وأضافت المنظمة أن استمرار العنف في هايتي دون تدخل دولي عاجل يهدد بظهور جيل كامل يعاني من آثار نفسية واجتماعية طويلة الأمد قد تمتد لعقود.

القانون الدولي في مواجهة الانتهاكات

تنص اتفاقية حقوق الطفل والبروتوكول الاختياري بشأن إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة على حظر تجنيد الأطفال واستخدامهم في الأعمال القتالية، كما تحظر اتفاقيات جنيف استهداف المدارس والمستشفيات واستخدام العنف الجنسي ضد المدنيين والأطفال.

وأكدت الأمم المتحدة أن الانتهاكات الجارية في هايتي تمثل خرقاً خطيراً للقانون الدولي الإنساني، داعية جميع الأطراف إلى احترام حقوق الأطفال وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.

كما طالبت هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية المجتمع الدولي بزيادة التمويل الإنساني لبرامج حماية الأطفال والتعليم والصحة النفسية والغذاء، محذرتين من أن تجاهل الأزمة سيؤدي إلى ضياع جيل كامل.

أزمة تتجاوز الأمن

تؤكد الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان الدولية أن ما يعيشه أطفال هايتي لم يعد مجرد انعكاس لأزمة أمنية مرتبطة بالعصابات المسلحة، بل تحوّل إلى انهيار إنساني وهيكلي يهدد مستقبل البلاد على المدى الطويل، وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في تقاريره لعام 2025 أن استمرار العنف المسلح والانهيار الاقتصادي وتفكك مؤسسات الدولة أدى إلى خلق بيئة يعيش فيها ملايين الأطفال بين الجوع والنزوح والخوف وفقدان التعليم والرعاية الصحية، فيما تتآكل تدريجياً شبكات الحماية الاجتماعية التي كانت توفر الحد الأدنى من الأمان للأسر الفقيرة.

وأكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة يونيسف أن الأطفال في هايتي أصبحوا يدفعون الثمن الأكبر لانهيار مؤسسات الدولة، حيث يؤدي غياب الأمن إلى إغلاق المدارس والمستشفيات، ويمنع وصول المساعدات الإنسانية، ويدفع الأطفال نحو العصابات المسلحة أو النزوح أو العمل القسري، وقالت المنظمة إن اتساع رقعة الفقر وانعدام الأمن الغذائي يجعل آلاف الأسر عاجزة عن حماية أطفالها أو إبقائهم داخل المدارس، ما يخلق دائرة مغلقة من العنف والتهميش والفقر الممتد عبر الأجيال.

وفي السياق نفسه، حذّرت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها السنوي لعام 2025 من أن استمرار الإفلات من العقاب وضعف مؤسسات العدالة والأمن في هايتي يسمح للعصابات المسلحة بتوسيع نفوذها داخل الأحياء الفقيرة، بما يشمل تجنيد الأطفال والسيطرة على المدارس والمرافق الصحية، وأكدت المنظمة أن غياب الاستقرار المؤسسي يدفع مزيداً من الأطفال إلى الانخراط في الجماعات المسلحة باعتبارها الجهة الوحيدة القادرة على توفير المال أو الحماية أو الغذاء داخل بعض المناطق المنهارة.

كما أوضحت منظمة العفو الدولية أن الأزمة الحالية تتجاوز العنف المباشر، لأن الأطفال الذين يُحرمون من التعليم والرعاية الصحية والدعم النفسي يصبحون أكثر عرضة للتطرف والعنف والاستغلال على المدى الطويل، وهو ما يهدد بإنتاج جيل كامل يعاني من آثار نفسية واجتماعية عميقة قد تستمر لعقود.

وأكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن أي جهود أمنية أو سياسية في هايتي لن تكون قابلة للاستمرار إذا لم تترافق مع إعادة بناء الخدمات الأساسية، وعلى رأسها التعليم والرعاية الصحية وحماية الطفولة، وأشار البرنامج إلى أن الدول التي تعاني من نزاعات طويلة الأمد لا يمكن أن تحقق استقراراً فعلياً دون الاستثمار في الأطفال والشباب وإعادة دمجهم داخل المجتمع.

كما شددت يونيسف ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية على أن حماية الأطفال يجب أن تكون محور أي خطة استجابة دولية أو داخلية في هايتي، لأن استمرار انهيار التعليم والصحة والحماية الاجتماعية سيؤدي إلى توسيع دائرة الفقر والعنف وعدم الاستقرار، ليس فقط داخل هايتي، بل على مستوى المنطقة بأكملها نتيجة تصاعد النزوح والهجرة غير النظامية والانهيار المجتمعي المتواصل.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية