منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أفغانستان.. قتل النساء وغموض التحقيقات يكشفان اتساع القمع تحت حكم طالبان

18 يونيو 2026
أزمة حقوق المرأة في أفغانستان تتفاقم بشكل متسارع في ظل حكم طالبان
أزمة حقوق المرأة في أفغانستان تتفاقم بشكل متسارع في ظل حكم طالبان

تثير وفاة موظفة صندوق الأمم المتحدة للسكان فرشته عمادي، وما سبقها من وقائع قتل غامضة طالت نساءً أفغانيات، مخاوف حقوقية متزايدة بشأن سلامة النساء في أفغانستان، في ظل منظومة قمعية تفرضها طالبان عبر قيود على التعليم والعمل والحركة والاحتجاج، وتحول العنف القائم على النوع الاجتماعي إلى أزمة يومية تهدد الحق في الحياة والكرامة.

وتتزايد المخاوف الحقوقية في أفغانستان مع استمرار تعرض النساء والفتيات لأنماط متعددة من القمع والعنف، في ظل حكم طالبان الذي حوّل القيود المفروضة على النساء إلى سياسة عامة تشمل التعليم والعمل والحركة واللباس والمشاركة في الحياة العامة.

وتأتي وفاة فرشته عمادي، الموظفة في صندوق الأمم المتحدة للسكان في أفغانستان، لتعيد تسليط الضوء على المخاطر التي تواجهها النساء، خصوصاً العاملات في المجال العام أو المؤسسات الدولية أو الإعلامية أو الحقوقية.

وأكدت بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان وفاة عمادي، ووصفتها بأنها عضو قيّم في عائلة صندوق الأمم المتحدة للسكان، لكنها لم تقدم تفاصيل عن ظروف الوفاة، وطلبت احترام خصوصية أسرتها.

وبينما أفادت شبكة “أفغانستان إنترناشيونال” بأن فرشته عمادي قُتلت بإطلاق نار في 5 يونيو 2026، وأن زوجها تعرض لضغوط لإعلان أن وفاتها كانت انتحاراً بسبب مشكلات نفسية، فإن هذه التفاصيل لم تُعلنها الأمم المتحدة رسمياً، ما يجعل القضية بحاجة إلى تحقيق مستقل وشفاف يحدد ملابسات الوفاة ويحمي العائلة من أي ضغط أو تهديد.

وفيات غامضة

لا تأتي قضية فرشته عمادي في فراغ. فقد سبقتها وقائع أثارت مخاوف واسعة داخل الأوساط النسوية والحقوقية، بينها وفاة حورا سادات، وهي صانعة محتوى أفغانية قُتلت في كابل عام 2023 في ظروف وصفتها تقارير إعلامية وحقوقية بأنها غامضة، في حين أعلنت طالبان لاحقاً توقيف شخصين على خلفية القضية.

كما تناولت تقارير أفغانية وفاة حسنا سادات، المذيعة والممثلة السابقة، في ظروف أثارت قلق صحفيين وناشطات، وسط اتهامات محلية بأن الروايات الرسمية لا تكشف كامل الحقيقة بشأن ما تتعرض له النساء البارزات في المجال العام.

وتشير هذه الوقائع إلى نمط أوسع من الخوف: امرأة تُقتل أو تموت في ظروف غامضة، ثم تظهر رواية رسمية أو عائلية تحت الضغط تربط الوفاة بالانتحار أو “المشكلات النفسية”، في حين تظل آليات التحقيق المستقل شبه غائبة.

قمع مؤسسي

تؤكد هيومن رايتس ووتش أن طالبان عمقت منذ عودتها إلى السلطة في 15 أغسطس 2021 قمعها لحقوق النساء والفتيات، عبر حظر تعليم الفتيات بعد الصف السادس، وفرض قيود شديدة على عمل النساء وتنقلهن ولباسهن، إلى جانب قمع الصحفيين والمنتقدين وإسكات أي معارضة.

وقالت المنظمة في تقريرها العالمي لعام 2026 إن سلطات طالبان زادت خلال 2025 من قمع النساء والفتيات، وفرضت قيوداً جديدة على حرية الإعلام، في وقت تفاقمت فيه الأزمة الإنسانية بسبب خفض المساعدات وعودة ملايين اللاجئين قسراً من دول الجوار.

وتصف منظمة العفو الدولية هذا الوضع بأنه جزء من منظومة اضطهاد قائمة على النوع الاجتماعي، مؤكدة في تقرير مشترك سابق مع لجنة الحقوقيين الدولية أن القيود والانتهاكات التي تمارسها طالبان ضد النساء والفتيات ينبغي التحقيق فيها باعتبارها قد ترقى إلى جريمة ضد الإنسانية متمثلة في الاضطهاد القائم على النوع الاجتماعي.

الاحتجاج تحت الرصاص

أظهرت التطورات الأخيرة في هرات مدى خطورة أي محاولة نسائية أو مجتمعية للاحتجاج، فقد قالت الأمم المتحدة إن سلطات طالبان اعتقلت ما لا يقل عن 30 امرأة في هرات بسبب اتهامات بمخالفة قواعد الحجاب، وإن الاحتجاجات التي أعقبت ذلك قوبلت باستخدام مفرط للقوة، أسفر عن قتلى وجرحى.

وقالت هيومن رايتس ووتش إن قوات طالبان استخدمت القوة المفرطة ضد متظاهرين في هرات في 9 يونيو 2026، واعتدت على محتجين وأطلقت النار باتجاه الحشود، ما أدى إلى مقتل طفل وإصابة آخرين واعتقال عدد غير معروف.

كما نقلت وكالة أسوشيتد برس أن شرطة طالبان فتحت النار لتفريق احتجاج على اعتقال نساء بسبب قواعد اللباس، في واقعة تعكس استمرار التعامل الأمني العنيف مع أي احتجاج مرتبط بحقوق النساء.

قانون يكرس الإقصاء

في عام 2024 أقرت طالبان ما يعرف بقانون “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، وهو قانون قالت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية إنه يضيف طبقة جديدة من القيود على النساء والفتيات، خصوصاً في الحركة واللباس والحضور في المجال العام.

وقالت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في مارس 2026 إن أوضاع حقوق الإنسان في أفغانستان “تواصل التدهور بشكل درامي”، مشيرة إلى أن قوات طالبان منعت منذ سبتمبر 2025 نساءً أفغانيات، ومنهن موظفات بالأمم المتحدة ومتعاقدات وزائرات، من دخول مقار الأمم المتحدة.

ووثقت بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان في تحديثاتها الحقوقية استمرار القيود المفروضة على النساء والفتيات، وارتباطها بمؤسسات طالبان المسؤولة عن فرض قواعد السلوك العام، ما يزيد من عزلة النساء وحرمانهن من الخدمات والعمل والمشاركة.

حرمان من التعليم والعمل

تظل أفغانستان، وفق هيومن رايتس ووتش، البلد الوحيد الذي تُمنع فيه الفتيات والنساء من التعليم الثانوي والجامعي بصورة شاملة، مع قيود واسعة على العمل وحرية الحركة والتجمع والتعبير.

ويؤدي هذا الحرمان إلى نتائج طويلة المدى لا تتوقف عند النساء وحدهن، إذ يضعف المجتمع كله: يضرب التعليم، ويقلص فرص العمل، ويفاقم الفقر، ويحرم المؤسسات الصحية والإنسانية من كوادر نسائية ضرورية للوصول إلى النساء والفتيات.

وقد أظهرت واقعة توقيف مسعفة تعمل مع منظمة أطباء بلا حدود في هرات، بعد اتهامها بمخالفة قواعد اللباس أثناء توجهها إلى العمل، كيف يمكن للقيود المفروضة على النساء أن تعرقل حتى الخدمات الصحية الأساسية، خاصة في مجتمع تحتاج فيه النساء إلى عاملات صحيات للوصول إلى العلاج.

مسؤولية دولية

وفاة فرشته عمادي، والوقائع السابقة المتعلقة بحورا سادات وحسنا سادات، ينبغي عدم التعامل معها بوصفها حوادث منفصلة أو أخباراً عابرة، بل جزء من مناخ عام تتراجع فيه حماية النساء وتتلاشى فيه الرقابة المستقلة.

ومن منظور حقوقي، تتحمل سلطات طالبان مسؤولية مباشرة عن ضمان الحق في الحياة، وفتح تحقيقات فعالة ومستقلة في أي وفاة مشبوهة، ومنع الضغط على العائلات أو إجبارها على تبني روايات رسمية، وضمان حماية النساء العاملات والناشطات والصحفيات.

ويتحمل المجتمع الدولي مسؤولية عدم تطبيع التعامل مع طالبان دون ربط أي انخراط سياسي أو إنساني بشروط واضحة تتعلق بحقوق النساء والفتيات، وإطلاق سراح المحتجزات، ووقف العنف ضد المحتجين، وإلغاء القيود التي تحرم النساء من التعليم والعمل والحركة.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print