منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أزمة تتفاقم.. المدافعون عن حقوق الإنسان في الكونغو يواجهون القتل والترهيب والنزوح

25 أبريل 2026
نشطاء في الكونغو خلال فعالية ضد العنف وانتهاكات حقوق الإنسان
نشطاء في الكونغو خلال فعالية ضد العنف وانتهاكات حقوق الإنسان

تعيش مناطق شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، ولا سيما إقليم جنوب كيفو، على وقع تصعيد خطير في استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان، في ظل بيئة أمنية مضطربة تتداخل فيها النزاعات المسلحة مع ضعف مؤسسات الدولة، وأفادت جمعية مكافحة الشر وتوجيه الشباب ACMEJ، في بيان نقلته وكالة فيدس بأن مسلحين مجهولين يواصلون تهديد المدنيين والنشطاء في سهل روزيزي، حيث يواجه المدافعون عن الحقوق مخاطر يومية أثناء قيامهم بعملهم، تشمل التهديد بالقتل والاقتحام المتكرر لمنازلهم.

انتهاكات مباشرة وعمليات قتل ممنهجة

ووفقا لبيان جمعية ACMEJ، فإن المسلحين يعتمدون أسلوبا ممنهجا في استهداف النشطاء، يتمثل في اقتحام المنازل بحثا عنهم، وفي حال عدم العثور عليهم يتم استهداف أفراد عائلاتهم، وقد وثّق البيان حادثة مقتل شقيق أحد المدافعين عن حقوق الإنسان في قرية روبانغا بعد إطلاق النار عليه داخل منزله، ما يعكس تصعيدا خطيرا في أساليب الترهيب، كما أشار البيان إلى أن عددا من النشطاء اضطروا إلى الاختباء أو النزوح من مناطقهم، خوفا من التعرض للتصفية.

تشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الصادرة في تقريره لعام 2025 إلى أن عدد النازحين داخليا في جمهورية الكونغو الديمقراطية تجاوز 7.2 مليون شخص، بينهم مئات الآلاف في إقليمي شمال وجنوب كيفو، كما سجل مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان أكثر من 1500 انتهاك جسيم لحقوق الإنسان في شرق البلاد خلال عام واحد، شملت عمليات قتل خارج نطاق القانون واعتقالات تعسفية وتهديدات مباشرة ضد نشطاء المجتمع المدني.

استهداف مباشر للمدافعين عن الحقوق

أكد تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش السنوي لعام 2025 أن المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين في شرق الكونغو أصبحوا أهدافا مباشرة للجماعات المسلحة، بسبب دورهم في توثيق الانتهاكات وكشف المسؤولين عنها، وذكر التقرير أن عددا من النشطاء تعرضوا للقتل أو الاختفاء القسري، بينما واجه آخرون تهديدات مستمرة أجبرتهم على وقف نشاطهم أو مغادرة مناطقهم.

أفادت وكالة فيدس بأن الاشتباكات لا تزال مستمرة في شرق الكونغو رغم إعلان وقف إطلاق النار، حيث تتواصل المواجهات بين حركة 23 مارس المدعومة من الجيش الرواندي وميليشيات وازاليندو الموالية للحكومة، وأشارت الوكالة إلى أن هذه المواجهات تقوض الجهود الدولية للتهدئة، وتزيد من المخاطر التي يتعرض لها المدنيون والمدافعون عن حقوق الإنسان.

أسباب تصاعد الاستهداف

يرتبط تصاعد الانتهاكات بعدة عوامل متداخلة، من بينها ضعف سيطرة الدولة على المناطق الشرقية، وانتشار أكثر من 120 جماعة مسلحة بحسب تقديرات الأمم المتحدة لعام 2025، إضافة إلى التنافس على الموارد الطبيعية مثل الذهب والكولتان، كما يسهم التوتر الإقليمي بين الكونغو الديمقراطية ورواندا في تعقيد المشهد، حيث تتبادل الدولتان الاتهامات بدعم جماعات مسلحة، ما يفاقم من حدة الصراع ويزيد من استهداف النشطاء.

أدى تصاعد العنف إلى تداعيات إنسانية خطيرة، حيث يعيش المدافعون عن حقوق الإنسان في حالة خوف دائم، ويضطر كثير منهم إلى العمل سرا أو النزوح، ووفقا لتقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2025، فإن استمرار استهداف النشطاء يضعف قدرة المجتمع المدني على مراقبة الانتهاكات، ما يؤدي إلى تفاقم الإفلات من العقاب وتدهور الأوضاع الإنسانية بشكل عام.

ردود فعل أممية وتحذيرات دولية

حذّر مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان من التدهور المستمر في أوضاع المدافعين عن حقوق الإنسان في الكونغو الديمقراطية، داعيا السلطات إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لضمان حمايتهم، كما دعت بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في الكونغو الديمقراطية في تقريرها لعام 2025 إلى تعزيز آليات الحماية وتكثيف الجهود لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

مواقف المنظمات الحقوقية الدولية

طالبت منظمة العفو الدولية، في تقرير سابق، بفتح تحقيقات مستقلة في جرائم القتل والترهيب التي تستهدف النشطاء، مؤكدة أن غياب المساءلة يشجع على تكرار الانتهاكات، كما شددت منظمة هيومن رايتس ووتش على ضرورة توفير بيئة آمنة للمدافعين عن حقوق الإنسان، معتبرة أن استمرار استهدافهم يشكل تهديدا مباشرا لحرية التعبير وسيادة القانون.

رغم وجود إطار قانوني دولي يحمي المدافعين عن حقوق الإنسان، فإن تطبيقه على أرض الواقع يواجه تحديات كبيرة في الكونغو الديمقراطية، وأشار تقرير صادر عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في 2025 إلى أن ضعف النظام القضائي وغياب الإرادة السياسية يسهمان في استمرار الإفلات من العقاب، حيث نادرا ما يتم تقديم مرتكبي الانتهاكات إلى العدالة.

مقارنة تكشف تصاعد الانتهاكات

تكشف المقارنة بين تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية الصادرة بين عامي 2024 و2025 عن تصاعد واضح ومقلق في وتيرة العنف و الانتهاكات في جمهورية الكونغو الديمقراطية، خاصة في مناطق الشرق، فقد أشار تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش لعام 2025 إلى أن عام 2024 شهد بالفعل تدهورا في أوضاع حقوق الإنسان، مع تصاعد القمع ضد النشطاء والصحفيين والمعارضين، وهو ما شكل قاعدة انطلاق لتدهور أكبر في العام التالي.

كما وثق مكتب الأمم المتحدة المشترك لحقوق الإنسان في الكونغو، التابع لمكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، أكثر من 5000 انتهاك وتجاوز لحقوق الإنسان خلال الفترة الممتدة من يونيو 2024 إلى مايو 2025، وهو رقم يعكس ارتفاعا ملحوظا مقارنة بالفترات السابقة، ويؤكد اتساع نطاق العنف المنهجي، كما أظهرت تقارير مجلس الأمن الدولي خلال عام 2025، ولا سيما الإحاطات الشهرية حول الوضع في الكونغو الديمقراطية، استمرار تسجيل انتهاكات جسيمة تشمل الإعدامات الميدانية والعنف الجنسي المرتبط بالنزاع وتجنيد الأطفال، في ظل تدهور سريع للوضع الأمني في إقليمي شمال وجنوب كيفو.

وتعزز هذه المعطيات ما ورد في تقرير بعثة تقصي الحقائق التابعة لمجلس حقوق الإنسان الصادر في سبتمبر 2025، والذي خلص إلى أن جميع أطراف النزاع ارتكبت انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال عام 2025، خاصة منذ تصاعد القتال أواخر 2024.

من جانبها، أكدت منظمة العفو الدولية في تقريرها لعام 2025 مقتل ما لا يقل عن 250 شخصا خارج نطاق القانون على يد القوات الحكومية، إضافة إلى مئات الضحايا من المدنيين نتيجة القصف العشوائي والهجمات المسلحة، وهو ما يعكس اتجاها تصاعديا في استخدام العنف المفرط ضد المدنيين.

تشير تقديرات معهد الدراسات الأمنية في إفريقيا الصادرة خلال عام 2025، وهو مركز بحثي إقليمي مستقل يركز على قضايا الأمن في القارة، إلى أن التصعيد العسكري في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، لا سيما في أقاليم شمال كيفو وجنوب كيفو وإيتوري، أسفر عن مقتل أكثر من 7000 شخص منذ بداية العام، ما يعكس واحدة من أعنف موجات العنف التي شهدتها البلاد خلال العقد الأخير، في ظل تصاعد المواجهات بين الجماعات المسلحة والقوات الحكومية وتزايد التدخلات الإقليمية.

وتؤكد هذه المؤشرات مجتمعة أن الفارق بين عامي 2024 و2025 لا يقتصر على زيادة عدد الحوادث فحسب، بل يمتد إلى طبيعة الانتهاكات نفسها، التي أصبحت أكثر تنظيما واتساعا وخطورة، مع تحول المدافعين عن حقوق الإنسان إلى أهداف مباشرة في سياق صراع متعدد الأطراف، ما يعكس تدهورا هيكليا في البيئة الأمنية والقانونية، رغم استمرار الجهود الدولية ومحاولات التهدئة.

البعد الإقليمي للأزمة

تتداخل الأزمة في شرق الكونغو مع صراعات إقليمية أوسع، حيث تتهم الحكومة الكونغولية رواندا بدعم حركة 23 مارس، وهو ما تنفيه كيغالي، ووفقا لتقرير فريق خبراء الأمم المتحدة لعام 2025، فإن هذا التوتر الإقليمي يسهم في إطالة أمد النزاع، ويزيد من تعقيد جهود حماية المدنيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

حماية المدافعين عن حقوق الإنسان

ينص إعلان الأمم المتحدة الخاص بالمدافعين عن حقوق الإنسان على حق الأفراد في العمل بحرية من أجل تعزيز وحماية الحقوق الأساسية دون خوف من الانتقام، غير أن الواقع في الكونغو الديمقراطية يكشف عن فجوة كبيرة بين هذه المبادئ والتطبيق الفعلي، حيث يواجه النشطاء تهديدات مستمرة دون حماية كافية.

وتعود جذور النزاع في شرق الكونغو الديمقراطية إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما اندلعت حروب إقليمية معقدة مرتبطة بالموارد الطبيعية والتدخلات الخارجية، ورغم توقيع عدة اتفاقيات سلام، لا تزال المنطقة تعاني من عدم الاستقرار، مع استمرار نشاط الجماعات المسلحة وضعف مؤسسات الدولة.

تعكس أزمة المدافعين عن حقوق الإنسان في الكونغو الديمقراطية صورة معقدة لصراع طويل الأمد تتداخل فيه العوامل الأمنية والسياسية والاقتصادية، وبينما تتزايد التحذيرات الدولية من خطورة الوضع، يبقى مستقبل هؤلاء النشطاء رهينا بمدى قدرة المجتمع الدولي والسلطات المحلية على توفير الحماية والمساءلة، في ظل واقع ميداني يزداد تعقيدا يوما بعد يوم.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية