بتضييق الخناق على حرية التعبير والتجمع السلمي وتكوين الجمعيات، واصلت السلطات الجزائرية خلال عام 2025 الاعتقالات التعسفية والمحاكمات غير العادلة وفرض حظر السفر بحق معارضين وصحفيين ونشطاء ونقابيين، مستندة إلى تهم فضفاضة، منها قضايا مرتبطة بالإرهاب.
ووفق تقرير لمنظمة العفو الدولية (غير حكومية، مقرها لندن)، منعت السلطات أنشطة نقابية وحزبية وقيّدت تنظيم الاحتجاجات السلمية، في وقت اعتمدت فيه قانوناً جديداً للإجراءات الجزائية أثار مخاوف واسعة بشأن تقويض ضمانات المحاكمة العادلة، إلى جانب تعديلات تسمح بفرض عقوبة الإعدام في بعض جرائم المخدرات.
وشهدت البلاد انتخابات جزئية لمجلس الأمة، في حين تسببت ظواهر مناخية حادة، منها حرائق الغابات والأمطار الغزيرة والانهيارات الأرضية، في مقتل ما لا يقل عن 46 شخصاً.
وتصدى التقرير لملف الحريات العامة، منتقداً الإبقاء على مشروع قانون للجمعيات والذي يمنح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة في تسجيل الجمعيات وحلها، مع فرض قيود على التمويل والتعاون الخارجي، كما استمرت ملاحقة النقابيين، حيث صدرت أحكام قاسية بحق عدد منهم، أبرزها الحكم بالسجن 15 عاماً على النقابي علي معمري بسبب نشاطه النقابي السلمي.
واستمرت القيود على التجمعات السلمية، إذ قمعت السلطات احتجاجات لطلاب ومعلمين وأطباء وعمال، واعتقلت مشاركين في وقفات داعمة لفلسطين، كما رفضت الترخيص لمسيرات واجتماعات سياسية لأحزاب معارضة دون مبررات قانونية واضحة.
وفي مجال حرية التعبير، واصلت السلطات استهداف الصحفيين والنشطاء ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً بعد حملة “مانيش راضي” المنتقدة للأوضاع السياسية والاجتماعية، إذ تم اعتقال وإدانة ما لا يقل عن 23 ناشطاً وصحفياً بسبب منشورات إلكترونية، كما أُدين صحفيون وكتاب، بينهم الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال الذي حُكم عليه بالسجن قبل أن يشمله عفو رئاسي لاحقاً.
كما واصلت السلطات فرض قيود تعسفية على حرية التنقل، ومنعت نشطاء ومحامين وصحفيين من السفر أو دخول البلاد، بينهم الناشطة نصيرة دوتور.
قمع وتضييق واعتقال
وسجلت منظمات حقوقية دولية ومحلية، انتهاكات متكررة للحق في المحاكمة العادلة، شملت الحبس الاحتياطي المطول والمحاكمات المستعجلة وعدم تمكين الدفاع من التحضير الكافي، وأثار قانون الإجراءات الجزائية الجديد انتقادات واسعة لمنحه النيابة والسلطات التنفيذية صلاحيات كبرى في الحبس المؤقت ومصادرة الممتلكات وفرض حظر السفر دون رقابة قضائية كافية.
أما في ملف الهجرة، فقد كثفت السلطات حملات الاعتقال والطرد الجماعي للمهاجرين السود إلى النيجر، حيث تم ترحيل أكثر من 21 ألف مهاجر خلال الأشهر الأولى من العام، وسط تصاعد خطاب الكراهية والعنصرية في بعض وسائل الإعلام.
كما استمر اللاجئون الصحراويون في مخيمات تندوف بمعاناة إنسانية متفاقمة بسبب ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع المساعدات الدولية، مع تحذيرات من ارتفاع معدلات سوء التغذية بين الأطفال.
وفي ملف حرية الدين، واصلت السلطات إغلاق الكنائس البروتستانتية ومنع تسجيل الكنيسة البروتستانتية الجزائرية، في حين بقيت عقوبة الإعدام مجمدة عملياً رغم توسيع نطاق الجرائم التي يُعاقب عليها بها لتشمل بعض قضايا المخدرات.
وعلى صعيد حقوق النساء، أشار تقرير “العفو الدولية” إلى إلغاء السلطات الجزائرية تحفظها على مادة في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو”، وأعلنت إجراءات لحماية الناجيات من العنف، بينها خط ساخن ومنصات دعم، في حين مددت عطلة الأمومة إلى 150 يوماً، ورغم ذلك ظلت الإحصاءات الرسمية بشأن العنف القائم على النوع الاجتماعي غير متاحة، في حين وثقت منظمات نسوية عشرات جرائم قتل النساء خلال العام.
منطقة رمادية غير واضحة
وتعقيباً على ما ورد في تقرير “العفو الدولية”، أكد الحقوقي الدولي ومدير قسم الشرق الأوسط في منظمة إفدي الدولية، عبد المجيد مراري، أن الجزائر تشهد بالفعل انتهاكات واسعة، غير أن المشكلة الأساسية تكمن في التكتم الكبير على ما يجري داخل البلاد، داعياً السلطات إلى تبني إصلاحات حقيقية بدلاً من سياسة التستر والإنكار.
وقال مراري في حديثه لـ”صفر” إن هذا البلد العربي يعد منطقة رمادية لا تتوفر فيها معلومات كافية حول الاعتقالات والانتهاكات، وما يصل للرأي العام ليس سوى جزء يسير من الواقع، خصوصاً في ظل تراجع هامش حرية الصحافة والتعبير والتضييق على الصحفيين والنشطاء واستمرار قمع الاحتجاجات والمظاهرات السلمية.
وأشار مراري إلى أن ما ورد في تقرير “العفو الدولية” بشأن القيود على حرية تكوين الجمعيات والتجمع السلمي وحرية التعبير والمحاكمة العادلة، يعكس واقعاً تعيشه الجزائر وعدد من دول المغرب العربي، موضحاً أن التقرير لم يقتصر على الجزائر فقط، بل تناول أيضاً أوضاع حقوق الإنسان في تونس والمغرب.
وأضاف أن غياب المعلومات الدقيقة حول الوضع الحقوقي في الجزائر يزيد من تعقيد المشهد، مقارنة بدول أخرى في المنطقة تتوفر بشأنها معطيات وأرقام أوضح، لافتاً إلى أن تقارير أوروبية سابقة وصفت وضع حرية التعبير وتأسيس الجمعيات في الجزائر بـ”المقلق”.
واقع لا يمكن إنكاره
وحول اتهامات السلطات الجزائرية للمنظمات الحقوقية بالمبالغة أو التسييس، قال مراري إن الواقع نفسه هو ما يرد على هذه المزاعم، متسائلاً عن مدى استقلالية القضاء وإمكانية محاسبة المسؤولين المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان، مضيفاً أن غياب أي محاكمات فعلية لمسؤولين متهمين بانتهاكات يقوض الرواية الرسمية.
وشدد على أن التقارير الحقوقية الدولية، سواء الصادرة عن الأمم المتحدة أو المنظمات المستقلة، تستند إلى وقائع موثقة، مؤكداً أن ما ورد في تقارير منظمة العفو الدولية “يعكس واقعاً معيشاً لا يمكن إنكاره”.
وفيما يتعلق بمسار الإصلاح، دعا مراري إلى مصالحة حقيقية بين الدولة والمجتمع المدني، تقوم على إعادة الاعتبار للمؤسسات المدنية وفتح المجال أمام الحريات العامة، معتبراً أن استمرار الإنكار لن يسهم في معالجة الأزمة الحقوقية.
كما أشار إلى أن الجزائر تلقت خلال آخر استعراض دوري أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، مئات التوصيات المتعلقة بإصلاح القضاء والمنظومة الإعلامية وتعزيز حرية عمل الجمعيات وإطلاق سراح الصحفيين المعتقلين، مؤكداً أن هذه التوصيات تعكس حجم القلق الدولي إزاء واقع الحريات في البلاد.
تراجع حقوقي مقلق
ومن جانبه، أوضح مدير منظمة شعاع لحقوق الإنسان (معنية برصد الأوضاع في الجزائر، مقرها لندن) رشيد عوين، في حديثه لـ”صفر”، أن تقرير منظمة العفو الدولية بشأن بلاده لعام 2025 يتقاطع إلى حد كبير مع ما وثقته منظمة شعاع حول واقع الحريات وحقوق الإنسان في البلاد، سواء فيما يتعلق بالتضييق على حرية التعبير والعمل السياسي والنقابي، أو باستخدام القضاء أداة لمعاقبة الأصوات المعارضة والمنتقدة.
وأعتبر عوين أن ما ورد في التقرير رغم خطورته “يظل أقل من حجم التدهور الحقيقي الذي تعيشه الجزائر”، مضيفاً أن الواقع الميداني يعكس مناخاً أكثر تشدداً وانغلاقاً، في ظل تصاعد الاعتقالات التعسفية والتوسع في استخدام تهم فضفاضة مرتبطة بالإرهاب أو المساس بأمن الدولة ووحدتها، إلى جانب فرض قيود متزايدة على المجتمع المدني والإعلام والنشاط السياسي السلمي.
وأشار إلى أن الأكثر إثارة للقلق هو أن التراجع الحقوقي لم يعد مجرد حالات معزولة أو ردود فعل ظرفية، بل أصبح جزءاً من سياسة ممنهجة تهدف إلى إحكام السيطرة على المجال العام وإسكات أي صوت مستقل أو معارض.
اللجوء لتقنين القمع
وأوضح رشيد عوين أن السلطات الجزائرية انتقلت خلال السنوات الأخيرة من مرحلة التضييق الإداري والسياسي إلى “تقنين القمع” عبر تعديلات قانونية وتشريعية تمس الحقوق الأساسية للمواطنين، ومنحت الأجهزة التنفيذية والقضائية صلاحيات واسعة على حساب الحريات الفردية وضمانات المحاكمة العادلة، وصولاً إلى التلويح بإجراءات تمس الحق في الجنسية.
وفيما يتعلق بمستقبل الحريات في الجزائر، حذر عوين من أن الوضع مرشح لمزيد من التراجع إذا استمرت السلطة في تبني المقاربة الأمنية بدلاً من الانفتاح السياسي والحوار واحترام الحقوق الأساسية.
وأكد أن إغلاق الفضاء المدني والإعلامي واستمرار التضييق على النشطاء والصحفيين والمعارضين من شأنهما تعميق الاحتقان الداخلي وإضعاف الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، ما قد ينعكس سلباً على الاستقرار السياسي والاجتماعي مستقبلاً.
ودعا السلطات الجزائرية إلى اتخاذ خطوات عاجلة وجادة لتحسين الوضع الحقوقي، تبدأ بالإفراج عن معتقلي الرأي ووقف الملاحقات القضائية ذات الخلفيات السياسية، إلى جانب مراجعة القوانين التي تُستخدم لتقييد حرية التعبير والصحافة والعمل النقابي والجمعوي.
كما شدد على ضرورة ضمان استقلالية القضاء واحترام شروط المحاكمة العادلة، ورفع القيود المفروضة على التظاهر السلمي والعمل الحزبي والمدني، وفتح المجال أمام الإعلام المستقل للعمل بحرية بعيداً عن الضغوط الأمنية والسياسية.
وأضاف أن الجزائر مطالبة أيضاً باحترام التزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان، ووقف توظيف الخطاب الأمني لتبرير التضييق على الحريات، فضلاً عن ضمان المعاملة الإنسانية للمهاجرين واللاجئين، وإنهاء عمليات الطرد الجماعي والانتهاكات المرتبطة بها.
واختتم عوين حديثه بأن أي إصلاح حقيقي في الجزائر “لن يتحقق من دون إرادة سياسية فعلية تؤمن بأن احترام الحقوق والحريات ليس تهديداً للدولة، بل شرط أساسي لبناء الاستقرار وتعزيز الثقة وترسيخ دولة القانون”.

