منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حسم حقوقي في الدورة الـ62 لمجلس حقوق الإنسان

وثيقة تكشف الموقف النهائي لسلطنة عُمان من توصيات الأمم المتحدة

12 يونيو 2026
مسيرة سلطنة عُمان الحقوقية.. تحديثات تشريعية وإنجازات تنموية
مسيرة سلطنة عُمان الحقوقية.. تحديثات تشريعية وإنجازات تنموية

تواجه المواءمة التشريعية بين المبادئ السيادية الوطنية والالتزامات الحقوقية الدولية اختباراً دقيقاً في كيفية تعاطي الدول مع آليات الأمم المتحدة، حيث يبرز التوازن بين القبول والتأييد الجزئي والأخذ بالعلم أداةً لتحديد محددات السيادة والعمالة والقانون.

وتتجسد هذه الإشكالية في كيفية صياغة القرارات النهائية بشأن التوصيات المؤجلة بعد دراسة وطنية فاحصة، تعكس ملامح التوجه القانوني في التعامل مع المنظومة العالمية.

وفي هذا السياق، تتضمن الوثيقة الرسمية الصادرة غير محررة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان المؤرخة في 16 أبريل 2026، ملحقاً لتقرير الفريق العامل المعني بالاستعراض الدوري الشامل لدورته الثانية والستين المنعقدة خلال الفترة من 15 يونيو إلى 10 يوليو 2026، مستعرضةً آراء سلطنة عُمان وردودها والتزاماتها الطوعية بشأن 246 توصية قدمتها الدول الأعضاء خلال الدورة الـ51 للآلية في 22 يناير 2026.

توصيات الاستعراض الدوري

شهد الملحق الحقوقي الصادر عن الأمم المتحدة تركيزاً لافتاً من قِبل حكومة سلطنة عُمان على توضيح الطبيعة القانونية والهيكلية لمنظومة العمل والعمالة الوافدة في البلاد، حيث تكرر الموقف العُماني بشكل حاسم وصارم في التعليقات المرفقة بالتوصيات المقبولة ليوضح طبيعة هذه العلاقة القانونية.

وسجل الوفد العُماني قبولاً واسعاً لمجموعة كبيرة من التوصيات العمالية، مع إرفاق تعليق موحد يؤكد فيه رسمياً أن العمالة في سلطنة عُمان تعاقديةٌ مؤقتةٌ وليست مهاجرةً، وهو ما ظهر جلياً في رد السلطنة على التوصية رقم 3-131.

هذا المحدد الهيكلي لم يكن مجرد تعليق عابر، بل شكّل ركيزة أساسية استندت إليها السلطنة لتعريف مركزها القانوني أمام المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية التابعة للأمم المتحدة.

وفي سياق متصل، حسمت سلطنة عُمان الجدل الدائر حول الآليات التنظيمية للعمل بإعلانها الصريح والمدون في جدول الردود أنه لا يوجد نظام كفالة في سلطنة عُمان، وجاء هذا التأكيد مقروناً بقبول التوصية رقم 115-131، حيث نص التعليق الحقوقي على أن العمال في سلطنة عُمان عمالة تعاقدية مؤقتة ولا يوجد نظام كفالة في السلطنة، مما يمثل تحولاً وتوضيحاً جوهرياً في بنية سوق العمل العُماني والالتزامات الدولية المرتبطة به.

ولم تتوقف الردود العُمانية عند هذا الحد، بل توالت المواقف المؤكدة على الطبيعة التعاقدية المؤقتة للعمالة في سلسلة طويلة من التوصيات المقبولة، وامتد هذا الموقف الموحد والمنسق ليشمل حزمة أخرى من التوصيات المقبولة في ختام الجدول.

ومن خلال هذه الصياغات المكررة والملتزمة، أوضحت السلطنة رسمياً أنها تقبل التوصيات العمالية بما يتسق مع قوانينها الداخلية التي تنظم عمل الوافدين باعتبارهم أصحاب عقود مؤقتة، وهو ما يعكس استراتيجية عُمانية تهدف إلى الموازنة بين الاستجابة للمطالب الحقوقية الدولية الرامية لتحسين ظروف العمالة، وبين الحفاظ على المبادئ السيادية والنظم القانونية المحلية التي تدير قطاع العمل والتشغيل وتحدد مسميات وتوصيف العمالة الأجنبية الوافدة إليها.

الموقف من التشريعات الجنائية

كشفت الجداول التفصيلية الواردة في الملحق الأممي عن ملامح دقيقة للتوجه التشريعي العُماني في المسائل الجنائية الحساسة، ولا سيما تلك المتعلقة بعقوبة الإعدام وسن المسؤولية الجزائية للأطفال والضمانات القانونية ضد الاحتجاز التعسفي.

وظهر هذا التوجه بوضوح من خلال اتخاذ سلطنة عُمان لموقف “التأييد الجزئي” تجاه بعض التوصيات المركبة.

وفي هذا الصدد، أوضحت الحكومة العُمانية في تعليقها الرسمي أنها أخذت بالعلم بالجزأين الأول والثاني من التوصية واللذين يتعلقان بإلغاء عقوبة الإعدام ورفع الحد الأدنى لسن المسؤولية الجزائية.

ومع ذلك، حمل الرد العُماني إعلاناً تشريعياً مهماً يكشف عن تقدم ملموس في القوانين الوطنية، حيث أشارت السلطنة رسمياً إلى أن مشروع قانون مساءلة الأحداث يتضمن رفع سن المسؤولية الجزائية إلى 12 عاماً.

وفي الجزء الثالث والمكمّل للتوصية ذاتها، أعلنت السلطنة قبولها التام والكامل للمطالب المتصلة بالضمانات القانونية ضد الاحتجاز التعسفي، مما يعكس فصلاً دقيقاً بين ما تراه السلطنة متوافقاً مع مصالحها وتشريعاتها وبين القضايا السيادية والجنائية الأخرى.

هذا الإعلان عن مشروع قانون مساءلة الأحداث وتحديد سن المسؤولية الجزائية باثني عشر عاماً تكرر أيضاً في مواقف أخرى داخل الوثيقة، حيث استخدمته السلطنة كخلفية قانونية لتبرير موقف “الأخذ بالعلم”.

وتوضح هذه الردود المنسقة نظاماً تشريعياً عُمانياً يتحرك نحو تحديث منظومة عدالة الأطفال والأحداث بما يتلاءم مع المعايير الحديثة، في حين تظل مواقفها من قضايا كعقوبة الإعدام محكومة بالتحفظ والأخذ بالعلم في الوقت الراهن، مع الإبقاء على الالتزام الصارم بتوفير الضمانات القضائية اللازمة للمحتجزين.

الحماية القانونية للمرأة

أفرد الملحق الرسمي الصادر عن مجلس حقوق الإنسان مساحة مهمة لاستعراض ردود سلطنة عُمان على التوصيات الدولية المعنية بحماية المرأة، والتشريعات الخاصة بالعنف الأسري، ومكافحة الممارسات الضارة.

وأظهرت الردود العُمانية محددات واضحة تعتمد على المفاهيم المعتمدة في القوانين الوطنية والسياق التشريعي للبلاد.

واتخذت سلطنة عُمان موقف “الأخذ بالعلم”، وبررت ذلك رسمياً في حقل التعليقات بنص واضح للغاية يفيد بأنه: “نظرا لعدم وجود مصطلح الاغتصاب الزوجي في التشريعات العمانية”.

هذا الموقف المبدئي من غياب المصطلح انعكس أيضاً على التوصيات المركبة اللاحقة؛ حيث سجلت السلطنة موقف “التأييد الجزئي” للتوصية رقم 197-131، معلنةً الأخذ بالعلم بالجزء الأول من التوصية بشأن سن تشريعات تجرم العنف الأسري والاغتصاب الزوجي، ومؤكدةً في الوقت نفسه قبولها الكامل والناجز للجزء الثاني من التوصية والمتعلق بتدريب سلطات تنفيذ القانون على تحقيق مستنير للصدمات والاستجابات المرتكزة على الناجين.

وأضافت السلطنة توضيحاً يعزز موقفها المؤسسي، مشيرةً إلى أن سلطات تنفيذ القانون تخضع بالفعل للتدريب والتأهيل المستمر لتنفيذ القوانين الجزائية المعمول بها في سلطنة عُمان.

وفي السياق التشريعي ذاته، تكرر موقف “التأييد الجزئي” في التوصية رقم 198-131، حيث أعادت السلطنة التأكيد على الأخذ بالعلم بالجزء الأول الخاص بتجريم العنف الأسري والاغتصاب الزوجي لغياب المصطلح من القوانين المحلية، بينما أعلنت قبولها للجزء الثاني من التوصية المعني بتوفير وصول فعال للنساء إلى الحماية والعدالة، وتجريم تشويه الأعضاء التناسلية للإناث، مبررةً هذا القبول بإعلان حقوقي وطني حاسم أكدت فيه أن “ذلك مجرم بالفعل وفق القوانين العمانية”.

وتظهر هذه المنظومة من الردود الدبلوماسية والقانونية الدقيقة رغبة السلطنة في إبراز جهودها الفعلية والمستمرة في حماية حقوق المرأة وتدريب كوادرها الأمنية وتجريم الممارسات المؤذية، مع الحفاظ على البنية الاصطلاحية الصارمة لترسانتها القانونية المحلية.

حقوق الطفل في عُمان

أظهرت الوثيقة الدولية الصادرة عن آلية الاستعراض الدوري الشامل طبيعة التفاعل العُماني مع التوصيات المتعلقة بقوانين الأسرة والأحوال الشخصية، وبشكل خاص المسائل المرتبطة بتحديد سن الزواج ووضع الضوابط القانونية والاجتماعية لحماية القصر والأطفال.

وسجلت الجداول الرسمية موقفاً مرناً ومفصلاً لسلطنة عُمان تجاه التوصية رقم 92-131، حيث اختارت السلطنة اتخاذ موقف “التأييد الجزئي” كأداة قانونية للتعامل مع هذا الطلب الدولي المركب.

وأوضحت الحكومة العُمانية في تعليقها المثبت بالملحق الحقوقي أنها قررت الأخذ بالعلم بالجزء الأول من التوصية في شأن فرض الحد الأدنى لسن الزواج دون استثناءات.

وبررت السلطنة هذا الموقف القانوني بتقديم شرح مفصل لبنية تشريعاتها الأسرية، حيث أفادت رسمياً بأن “قانون الأحوال الشخصية حدد سن الزواج في سلطنة عمان (18) مع جواز تزويج من لم يكمل (18) من عمره بإذن القاضي وبعد التحقق من المصلحة”.

وفي المقابل، أعلنت السلطنة قبولها المطلق والكامل للجزء الثاني من التوصية ذاتها، والذي ينص على تنفيذ برامج توعية مستهدفة للآباء والمعلمين وقادة المجتمع، مما يعكس ترحيب عُمان بالجهود التوعوية والتثقيفية المجتمعية.

وتأكيداً على هذا الإطار التشريعي العام الحاكم لسن الزواج، جاء رد سلطنة عُمان على التوصية التالية رقم 93-131 بموقف “القبول” التام والناجز، حيث أرفقت السلطنة تعليقاً مقتضباً وحاسماً يقطع الشك باليقين أمام الوفود الدولية، نص على: “قبول، علما بأن الحد الأدنى لسن الزواج في سلطنة عمان هو (18) عاما”.

ومن خلال هذه المنظومة القانونية، تُثبت سلطنة عُمان أمام مجلس حقوق الإنسان التزامها بوضع حد عمري قياسي للزواج يتوافق مع المعايير العالمية، مع تمسكها بالصلاحيات القضائية الاستثنائية الممنوحة للمحاكم الوطنية للتحقق من المصالح الفضلى للقصر، رافضةً إلغاء الاستثناءات القضائية بالكامل، ومرحبةً في الوقت نفسه بالمسارات التوعوية لتعزيز استقرار الأسرة وحماية الطفولة.

الانضمام للاتفاقيات الدولية

عكست الردود التفصيلية الواردة في التقرير الأممي مستويات عالية من الالتزام والتعاون البنّاء بين سلطنة عُمان والآليات واللجان الدولية المعنية بحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة.

وتجلّى هذا التوجه الإيجابي صراحةً في رد السلطنة على التوصية رقم 23-131، حيث أعلنت السلطنة موقف “القبول” المبدئي والكامل، وأرفقت معه تعليقاً رسمياً يوضح فلسفتها في التعامل مع المنظومة الأممية، حيث جاء نص التعليق كالتالي: “قبول التوصية، علما بأن سلطنة عمان تتعاون مع آليات حقوق الإنسان من خلال تقديمها التقارير للجان المعنية بالاتفاقيات التي انضمت إليها، وتنظر في طلبات المقررين الخواص كل على حدة”.

هذا التعليق يبرز بوضوح المنهجية العُمانية القائمة على فحص كل طلب دولي بشكل مستقل وبما يراعي السيادة الوطنية والقوانين المرعية.

وفي سياق إدماج المعاهدات الدولية في البنية القانونية المحلية، قدمت سلطنة عُمان نموذجاً حقوقياً بارزاً عند ردها على التوصية رقم 41-131 بموقف “القبول” التام، وأردفت ذلك بتعليق قانوني جوهري يحمل قيمة مضافة كبيرة، حيث نص على: “قبول، حيث أضحت الاتفاقية جزءا من قانون البلاد النافذ بعد الانضمام إليها”.

ويؤكد هذا الإعلان الرسمي أن المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تصادق عليها السلطنة تكتسب قوة القانون النافذ فور الانضمام إليها وتصبح جزءاً لا يتجزأ من النظام التشريعي الوطني.

إلى جانب ذلك، حفل الملحق بسلسلة طويلة وممتدة من المواقف التي عبرت فيها السلطنة عن “القبول” المطلق لعدد كبير من التوصيات دون إبداء أي تحفظات أو تعليقات.

هذا القبول الواسع النطاق والممنهج يؤكد انخراط سلطنة عُمان الجاد في آلية الاستعراض الدوري الشامل وحرصها على موائمة وتطوير بيئتها الحقوقية والقانونية والقضائية الداخلية.

وفي المقابل، حافظت السلطنة على توازن مواقفها عبر استخدام خيار “الأخذ بالعلم” تجاه توصيات أخرى محددة، لتعكس بدقة وفوداً عُمانية تدرس كل توصية دولية بعناية فائقة وتزن أبعادها التشريعية والسيادية قبل اتخاذ موقفها النهائي الموثق رسمياً في المحافل الدولية.