منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

المغرب وجنوب إفريقيا نموذجاً

العدالة البيئية تحت الاختبار.. الفقراء في مواجهة العبء الأكبر للتلوث

27 يونيو 2026
جهود مكافحة التلوث البلاستيكي
جهود مكافحة التلوث البلاستيكي

لا يتوقف الحق في بيئة صحية عند الحماية من التلوث، بل يشمل أيضاً ضمان ألا تتحمل فئات بعينها العبء الأكبر من المخاطر البيئية بسبب الفقر أو ضعف النفوذ أو غياب القدرة على الاعتراض، ففي كثير من الدول، تعيش المجتمعات الأقل دخلاً قرب مكبات النفايات والمنشآت الملوثة، في حين تملك الفئات الأكثر ثراء قدرة كبرى على السكن في مناطق أقل تعرضاً للضرر.

بهذا المعنى، لا يصبح التلوث قضية بيئية فقط، بل يتحول إلى مسألة حقوقية ترتبط بالمساواة والعدالة والحق في الصحة والسكن اللائق والحياة الكريمة.

وتقدم تجربتا المغرب وجنوب إفريقيا نموذجاً واضحاً لهذه الإشكالية. ففي المغرب، برزت نقاشات متزايدة حول مواقع الطمر وتدبير النفايات وتأثيرها في التجمعات السكانية المجاورة، أما في جنوب إفريقيا، فتستخدم منظمات المجتمع المدني مفهوم “التمييز البيئي” لوصف تمركز مصادر التلوث قرب المجتمعات الأقل دخلاً.

الفقر والتلوث

في المغرب وجنوب إفريقيا، غالباً ما تقع الأحياء القريبة من مكبات النفايات ضمن مناطق تعاني هشاشة اقتصادية واجتماعية، حيث لا يملك كثير من السكان القدرة على الانتقال إلى أماكن أكثر أماناً.

وتنسجم هذه الصورة مع واقع أوسع في دول نامية عدة، إذ تتقاطع الهشاشة الاقتصادية مع التعرض للمخاطر البيئية، فتتحول المناطق الفقيرة إلى حزام استقبال للروائح، والمياه الملوثة، والانبعاثات، والنفايات الصلبة.

وفي المغرب، أشار المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي خلال عام 2024 إلى أن تدبير النفايات ما يزال يشكل تحدياً بيئياً في عدد من المدن، مع استمرار شكاوى السكان من الروائح والتلوث وتراجع جودة الحياة.

أما في جنوب إفريقيا، فقد أفادت دراسات صادرة عن منظمات بيئية وجامعات محلية خلال عامي 2024 و2025 بأن عدداً من المجتمعات الفقيرة يعيش بالقرب من مكبات النفايات أو المنشآت الملوثة، ما يزيد تعرضه للمخاطر الصحية مقارنة بالمناطق الأكثر ثراء.

عدالة بيئية

يرى الحقوقي عماد الرياحي، أن مستوى دخل الإنسان ينبغي ألا يحدد نوعية البيئة التي يعيش فيها أو حجم المخاطر التي يتعرض لها.

ويؤكد الرياحي، في حديثه لـ«صفر» أن تمركز مكبات النفايات بالقرب من المجتمعات الفقيرة يتجاوز كونه قضية تخطيط عمراني، ليصبح مسألة حقوقية تتعلق بالمساواة والعدالة.

ويضيف أن الحق في بيئة صحية مكفول لجميع الأفراد دون تمييز، وأن استمرار التفاوت في توزيع الأعباء البيئية يثير تساؤلات جدية حول مدى احترام هذا المبدأ.

آثار صحية

لا تقتصر مشكلة مكبات النفايات على الروائح أو المشهد العام، بل تمتد إلى آثار صحية قد تستمر سنوات، فقد حذرت منظمة الصحة العالمية في تقرير نشر عام 2024 حول إدارة النفايات والصحة البيئية من أن سوء إدارة النفايات قد يؤدي إلى تلوث الهواء والتربة والمياه، ويزيد مخاطر الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي والأمراض المنقولة عبر المياه.

وفي جنوب إفريقيا، أشارت دراسات ميدانية خلال عام 2025 إلى شكاوى متكررة بين سكان مناطق قريبة من مواقع النفايات، شملت مشكلات تنفسية وحساسية وأعراضاً مرتبطة بتلوث البيئة المحيطة.

وحذر وزير البيئة الجنوب إفريقي ديون جورج خلال مناقشات إدارة النفايات عام 2025 من أزمة متزايدة في قدرة مواقع الطمر على استيعاب النفايات، مؤكداً أن تحسين إدارة المكبات وتقليل الاعتماد عليها أصبح أولوية وطنية ضمن الاستراتيجية الجديدة لإدارة النفايات.

احتجاجات محلية

في المغرب، شهد عام 2024 احتجاجات محلية طالبت بإبعاد بعض مواقع الطمر أو تحسين إدارتها، في ظل مخاوف السكان من آثارها الصحية والبيئية، وتواصل السلطات تنفيذ خطط لمعالجة هذا الملف، شملت إغلاق 233 مطرحاً عشوائياً وإنشاء 50 مركزاً للطمر والتثمين.

وتعكس هذه الإجراءات اعترافاً رسمياً بخطورة التدبير العشوائي للنفايات، لكنها تفتح في الوقت نفسه سؤالاً حول كيفية اختيار المواقع الجديدة، ومدى إشراك المجتمعات المحلية في القرارات التي تمس صحتها وبيئتها اليومية.

وأصبحت العلاقة بين البيئة وحقوق الإنسان أكثر وضوحاً خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد الاعتراف بالحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة باعتباره جزءاً من منظومة حقوق الإنسان.

وفي 5 يونيو 2024، وبمناسبة اليوم العالمي للبيئة، أكدت المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة إنغر أندرسن أن الحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة بات جزءاً أساسياً من حقوق الإنسان، مشيرة إلى أن الفئات الأكثر هشاشة غالباً ما تتحمل العبء الأكبر من التلوث والتدهور البيئي.

وفي جنوب إفريقيا، حذرت منظمات المجتمع المدني خلال عام 2025 ما تصفه بالتمييز البيئي، أي تحميل مجموعات سكانية بعينها أعباء بيئية كبرى بسبب ضعف قدرتها على التأثير في القرار العام.

أما في المغرب، فقد دعا خبراء بيئيون خلال ندوات عقدت عام 2024 إلى اعتماد مقاربة تقوم على العدالة المجالية والبيئية عند اختيار مواقع تدبير النفايات وإنشاء البنى التحتية المرتبطة بها.

الأطفال والمستقبل

لا تتوقف آثار التلوث عند الجيل الحالي، بل تمتد إلى الأطفال الذين ينشأون في بيئات تتعرض باستمرار لمصادر التلوث، فالسكن قرب مكبات النفايات أو المنشآت الملوثة قد يؤثر على الصحة والتنفس ونوعية الحياة، كما يرسخ إحساساً بعدم المساواة لدى مجتمعات ترى أن بيئتها أقل حماية من بيئات أخرى.

ولهذا، فإن العدالة البيئية لا تعني فقط إزالة النفايات، بل ضمان ألا يولد الأطفال في أحياء تتحمل مسبقاً كلفة بيئية وصحية أكبر من غيرها.

واتخذ المغرب وجنوب إفريقيا خلال السنوات الأخيرة خطوات لتحسين إدارة النفايات والحد من آثارها الصحية والبيئية، ففي المغرب، تواصلت برامج تأهيل المطارح العشوائية وتطوير مراكز الطمر والتثمين ضمن الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة.

وفي جنوب إفريقيا، ركزت الخطط البيئية المعلنة خلال عام 2025 على تعزيز الرقابة على مواقع التخلص من النفايات، وتشجيع إعادة التدوير، وتوسيع تطبيقات الاقتصاد الدائري.

غير أن منظمات حقوقية وبيئية تؤكد أن نجاح هذه السياسات لا يقاس فقط بعدد المطارح المغلقة أو مراكز التثمين المنشأة، بل بمدى منع تركز التلوث في المناطق الفقيرة، وبحجم مشاركة السكان في القرارات التي تمس صحتهم وبيئتهم.

مسؤولية الدولة

يقول المحامي والحقوقي عماد الرياحي، إن حماية البيئة لا تنفصل عن حماية حقوق الإنسان، لأن التلوث يؤثر بصورة مباشرة في الصحة والسكن والحياة الكريمة.

ويرى الرياحي، أن مسؤولية الدول لا تقتصر على إدارة النفايات، بل تشمل ضمان توزيع عادل للأعباء البيئية، وعدم تركزها في المجتمعات الأكثر هشاشة.

وتكشف تجربتا المغرب وجنوب إفريقيا أن التلوث لا يصيب الجميع بالقدر نفسه، بل يميل إلى التركز في المناطق التي تعاني أصلاً الفقر وضعف الخدمات وقلة القدرة على الضغط والمساءلة.

وبينما تتواصل الجهود الرسمية لتحسين إدارة النفايات، يبقى التحدي الحقيقي في ضمان تمتع جميع السكان بالحق ذاته في بيئة صحية وآمنة، بحيث لا يتحول الفقر أو ضعف النفوذ الاجتماعي إلى عامل يحدد مستوى التعرض للمخاطر البيئية.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print