منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

رسائل واتساب مسرّبة وبريد إلكتروني محرج.. موت الخصوصية لا يبشّر بخير للسياسة البريطانية

06 يونيو 2026
بيتر ماندلسون مع دونالد ترامب في المكتب البيضاوي (8 مايو 2025).
بيتر ماندلسون مع دونالد ترامب في المكتب البيضاوي (8 مايو 2025).

سايمون جنكينز*

هل تعلم أن وزيراً في مكتب مجلس الوزراء البريطاني قدّم تعازيه إلى بيتر ماندلسون بعد إقالته من منصب السفير في واشنطن قائلاً له إنه “آسف جداً” لما حدث؟ كيف يجرؤ دارين جونز على إظهار التعاطف مع صديق فقد وظيفته؟ ومع ذلك، لم يكن هذا التعاطف جزءاً من السجل العام، ولا من بين 1500 صفحة من الوثائق الجديدة المتعلقة بقضية ماندلسون. يبدو أن هذه المعلومة سُرّبت من داخل الوزارة التي يعمل فيها جونز نفسه.

والأمر ذاته ينطبق على ما كُشف من مراسلات رئيس الوزراء كير ستارمر عبر تطبيق واتساب. فقد علمنا أن رسائله تخضع لخاصية الحذف التلقائي، بحيث تختفي أفكاره وتوجهاته وما ينوي القيام به ساعة بساعة. ويُنظر إلى ذلك على أنه فضيحة تمس مبدأ المساءلة العامة. فبحسب هذا المنطق، بمجرد أن يضغط قادتنا على زر الإرسال، يصبح من حقنا الاطلاع على كل ما كتبوه.

إن أحدث فصول قضية ماندلسون يمثل هوساً بالتحقيقات بلغ حد العبث. فعدم كفاءة الحكومة البريطانية لا يفوقه سوى الشماتة التي ترافق التحقيق في كل إخفاق أو حادثة. ملايين الجنيهات التي كان ينبغي منذ سنوات أن تصل إلى ضحايا فضائح ويندراش وبرج غرينفيل ومكتب البريد، لا تزال تتدفق إلى جيوب المحامين والبيروقراطيين. أما أكثر من 200 مليون جنيه إسترليني تُنفق على التحقيق في جائحة كوفيد -وهو تحقيق أنجزته دول أوروبية أخرى خلال أشهر قليلة- فلا يمكن تبريره بأي حال.

ربما كانت طبيعة علاقة ماندلسون بجيفري إبستين تستحق، بعد إقالته، تحقيقاً محدوداً داخل أروقة وايتهول. لكن المحافظين ذهبوا أبعد من ذلك، إذ لجؤوا إلى إجراء برلماني لإجبار الحكومة على الكشف عن جميع الوثائق ذات الصلة.

أما سبب استجابة الحكومة بهذه الطريقة، فلا يزال لغزاً محيراً. فقد أغرقت الرأي العام بسيل من المراسلات والوثائق التي تناولت كل شيء تقريباً باستثناء الوثائق التي قد تضر بالأمن القومي البريطاني أو بالعلاقات الدولية. والمفارقة أن هذه الوثائق المستثناة هي على الأرجح جوهر القضية والخلاف بأكمله.

لكن الأثر الأكثر خطورة يكمن في التداعيات التي ستتركها هذه التسريبات على إدارة شؤون الحكم مستقبلاً. فليس من المثير أن يستخدم رئيس الوزراء تطبيق واتساب للتواصل مع زملائه، كما ليس أمراً استثنائياً أن يعتمد خاصية الحذف التلقائي للرسائل، رغم ما يتعرض له اليوم من سخرية بسبب ذلك.

ما يبدو خاطئاً حقاً هو الكشف عن آراء ماندلسون ومداولاته أثناء توليه المنصب. فقد أصبحت لدى العالم الآن تقييمات صريحة أدلى بها مسؤولون كبار في الحكومة البريطانية بشأن إدارة دونالد ترامب. كما اطلعنا على آرائهم الخاصة في المشهد السياسي البريطاني، وعلى تقييماتهم لقائدهم، بل وحتى على طموحاتهم الشخصية وطموحات زملائهم.

قد تكون هذه المعلومات مادة جذابة لكتّاب أعمدة النميمة السياسية، لكنها ليست شأناً يندرج ضمن المصلحة العامة. ومع ذلك، كُشف كل شيء أمام الأصدقاء والخصوم على حد سواء.

عندما سرّب إدوارد سنودن وجوليان أسانج وثائق تتعلق بأنشطة أجهزة الأمن الغربية، حرصت المؤسسات الإعلامية على إخضاع أي مادة حساسة لاختبار “المصلحة العامة” قبل نشرها. وكان الهدف جزئياً حماية الأشخاص الواردة أسماؤهم في الوثائق، ومنهم السفراء الذين جرى اقتباس آرائهم. ولم يرق ذلك لبعض المتحمسين للتسريب الذين اعتبروا العمل في الخدمة العامة يعني التخلي عن الحق في الخصوصية. لكن صحيفة الغارديان كانت محقة عندما رفضت هذا المنطق.

الحقيقة الواضحة اليوم هي أن العالم الرقمي بأكمله غير آمن. فقد أظهر سنودن أن أي وسيلة اتصال ليست بمنأى عن الاختراق، وأن كل ما هو متصل بالإنترنت يمكن أن يصبح عرضة للتجسس أو التسريب.

وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد أن ينطبق أيضاً على بيانات الهوية والسجلات الصحية ومعلومات التأمين والعمل والشؤون المالية الشخصية. وإلى أن يتمكن العلم من ابتكار نظام تنظيمي محكم يوفر الحماية الكاملة -وهو ربما أكبر تحدٍ يواجه عصرنا- سيظل العابثون يجدون طريقهم إلى هذه البيانات.

وفي حالة وثائق ماندلسون تحديداً، تبرز قضية أكثر جوهرية. فالعاملون في الحكومة يحتاجون إلى مساحات خاصة يستطيعون فيها النقاش والتفاوض وتسوية الخلافات بحرية. كما يجب أن يتمكن السفراء في الخارج من نقل تقييماتهم وأحكامهم إلى الوزراء والمسؤولين في لندن بسرية تامة. فهل سيجرؤ أي سفير بريطاني بعد اليوم على التعبير عن رأيه بصراحة إذا كان يعلم أن كلماته قد تُنشر لاحقاً؟

كذلك يحتاج الوزراء إلى مساحة جماعية يستطيعون فيها التشكيك في سياسات بعضهم البعض وإبداء تحفظاتهم دون أن تتحول هذه الآراء إلى مادة للمحاسبة العلنية. عليهم أن يكونوا قادرين على التعبير بحرية عما يفكرون فيه. أما الآن، فربما لن يجدوا مكاناً لذلك سوى ممرات مجلس العموم أو خلال وجبة غداء بعيدة عن الأعين.

إن الفكرة الكامنة وراء نشر 1500 صفحة من وثائق ماندلسون هي أن كل من يعمل في الحكومة يجب أن يكون دائماً “مسجلاً على السجل”، وأن كل كلمة يقولها أو يكتبها يجب أن تكون قابلة للكشف والمراجعة، أينما قيلت وكيفما قيلت. ووفق هذا المنطق، لا مكان لقنوات التواصل الخاصة، ولا للأحاديث السرية، ولا للمداولات التي تتطلب الثقة والخصوصية.

لكن مثل هذا النهج لا يشجع على النقاش الجاد ولا يعزز جودة صنع القرار. بل إنه لا ينتج سوى حكومة خائفة، مترددة، ومكبلة بقيود الرقابة الدائمة.

*نقلاً عن الجارديان