منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

المغرب بين الإصلاح الدستوري والرهانات الحقوقية.. ماذا تنتظر المنظمات الحقوقية من أحزاب 2026؟

15 يوليو 2026
الانتخابات المغربية والمطالب الحقوقية- تعبيرية
الانتخابات المغربية والمطالب الحقوقية- تعبيرية

مع اقتراب الانتخابات التشريعية المغربية المقررة  هذا العام 2026، بدأ ملف حقوق الإنسان يفرض نفسه بقوة على النقاش السياسي، بعدما دعت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان مختلف الأحزاب السياسية إلى جعل الإصلاحات التشريعية والحقوقية محوراً أساسياً في برامجها الانتخابية، وجاءت الدعوة في مذكرة ترافعية نُشرت في الخامس من يونيو 2026، اعتبرت أن الانتخابات المقبلة لا تمثل مجرد استحقاق سياسي دوري، بل محطة حاسمة لإعادة ربط السياسات العمومية بالحقوق والحريات التي يكفلها الدستور المغربي والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها المملكة المغربية.

وأكدت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان أن البرامج الانتخابية يجب أن تتحول من وثائق دعائية إلى عقود سياسية واضحة تتضمن التزامات قابلة للقياس والتقييم، تشمل إصلاح المنظومة القانونية وتعزيز الحريات العامة وضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، إضافة إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة وتعزيز المساواة بين المواطنين.

رهان يتجاوز المنافسة الحزبية

تأتي هذه الدعوة في لحظة سياسية دقيقة، إذ يستعد المغرب لخوض أول انتخابات تشريعية كاملة بعد سلسلة إصلاحات اجتماعية واقتصادية واسعة أطلقتها الدولة خلال السنوات الأخيرة، أبرزها مشروع تعميم الحماية الاجتماعية وإصلاح المنظومة الصحية ومراجعة مدونة الأسرة، غير أن المنظمات الحقوقية تعد نجاح هذه الإصلاحات يظل مرتبطاً بمدى قدرتها على التحول إلى حقوق مضمونة وقابلة للنفاذ، لا مجرد برامج حكومية ظرفية.

وترى المنظمة المغربية لحقوق الإنسان أن الانتخابات المقبلة يجب أن تشكل فرصة لتجديد التعاقد الديمقراطي بين الدولة والمجتمع، عبر إدراج الحقوق والحريات في صلب التنافس السياسي، وليس على هامشه.

الحريات العامة في قلب الجدل

يظل ملف الحريات العامة أحد أكثر الملفات إثارة للنقاش داخل المغرب، فبينما تؤكد السلطات المغربية التزامها بالإصلاح التدريجي وتعزيز دولة المؤسسات، تواصل منظمات حقوقية محلية ودولية التعبير عن مخاوف مرتبطة بحرية التعبير والصحافة والتجمع السلمي.

وأشارت منظمة العفو الدولية في تقريرها السنوي 2025 ـ 2026 إلى أن السلطات المغربية واصلت خلال الفترة الأخيرة ملاحقة عدد من الصحفيين والنشطاء والمنتقدين للسياسات الحكومية، كما تحدثت عن استمرار القيود المفروضة على بعض أشكال التعبير السلمي والاحتجاج، إلى جانب انتقادات مرتبطة باستخدام القوانين الجنائية في قضايا الرأي والتعبير.

وفي السياق نفسه، أظهر التصنيف العالمي لحرية الصحافة الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود لعام 2026 تقدم المغرب إلى المرتبة 105 عالمياً مقارنة بالمرتبة 120 في العام السابق، إلا أن المنظمة أبقت تصنيف المملكة ضمن خانة “الوضع الصعب”، معتبرة أن التحديات المتعلقة باستقلالية الإعلام والضغوط على الصحفيين لا تزال قائمة.

بين الدستور والتنفيذ

منذ اعتماد دستور 2011، نص المغرب على مجموعة واسعة من الحقوق والحريات الأساسية، ومنها حرية التعبير والتنظيم والتجمع وحقوق المرأة والمساواة وحظر التمييز. لكن النقاش الحقوقي خلال السنوات الأخيرة انتقل من المطالبة بالنصوص القانونية إلى مساءلة آليات التنفيذ.

ولهذا ركزت مذكرة المنظمة المغربية لحقوق الإنسان على ضرورة ملائمة التشريعات الوطنية مع الاتفاقيات الدولية، خصوصاً ما يتعلق بالحريات العامة ومدونة الأسرة ومدونة الشغل والقوانين الجنائية، مع الدعوة إلى تجريم الاختفاء القسري والتعذيب وسوء المعاملة وفق المعايير الدولية.

الحقوق الاجتماعية.. التحدي الأكبر

إذا كانت الحريات المدنية تحتل مساحة مهمة في النقاش الحقوقي بالمملكة المغربية، فإن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية تبدو التحدي الأكثر إلحاحاً بالنسبة للمغاربة.

ووفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط، بلغ معدل البطالة خلال عام 2025 نحو 13 في المئة، في حين تجاوزت بطالة الشباب 37 في المئة، وهي من أعلى النسب في المنطقة، ورغم تسجيل تراجع نسبي في معدل البطالة خلال الربع الأول من عام 2026 إلى نحو 10.8 في المئة، فإن سوق العمل لا يزال يواجه تحديات كبيرة، خاصة بالنسبة للشباب والنساء وخريجي الجامعات.

وتعد المنظمة المغربية لحقوق الإنسان الحق في الشغل والحماية الاجتماعية والتعليم والصحة يجب أن يتحول إلى التزام انتخابي قابل للمحاسبة، لا مجرد وعود انتخابية عامة.

الحماية الاجتماعية.. إنجاز وتحديات

تُعد ورش الحماية الاجتماعية أحد أكبر المشاريع الاجتماعية في تاريخ المغرب الحديث، وتؤكد الحكومة المغربية أن ملايين المواطنين أصبحوا مشمولين بالتأمين الصحي الإجباري وبرامج الدعم الاجتماعي المباشر خلال السنوات الأخيرة.

غير أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي وعدداً من المنظمات المدنية يؤكدون أن نجاح هذا الورش يتطلب معالجة الفوارق المجالية وتحسين جودة الخدمات الصحية وضمان استدامة التمويل، حتى تتحول الحماية الاجتماعية إلى حق فعلي وليس مجرد استفادة إدارية.

المرأة والإصلاح المؤجل

خصصت المذكرة الحقوقية مساحة واسعة لقضايا النساء، خصوصاً مع استمرار النقاش الوطني حول مراجعة مدونة الأسرة.

وتطالب المنظمة المغربية لحقوق الإنسان بإجراءات عملية لتعزيز المناصفة والتمكين الاقتصادي والسياسي للنساء ومكافحة جميع أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي.

ويأتي هذا النقاش في ظل استمرار توصيات الأمم المتحدة الداعية إلى تعزيز المساواة القانونية والاقتصادية بين النساء والرجال، وتقليص الفجوات في سوق العمل والتمثيل السياسي والوصول إلى مواقع القرار.

وتعد منظمات نسائية مغربية مراجعة مدونة الأسرة تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة والأحزاب السياسية على ترجمة المبادئ الدستورية المتعلقة بالمساواة إلى تشريعات عملية.

الشباب بين البطالة والعزوف

تشكل فئة الشباب أكبر كتلة ديموغرافية مؤثرة في الانتخابات المقبلة، لكنها أيضاً الفئة الأكثر تضرراً من البطالة والهشاشة الاجتماعية.

وتشير بيانات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن البطالة تتركز بشكل خاص بين الشباب الحاصلين على شهادات جامعية، الأمر الذي أسهم في تنامي الشعور بالإحباط والعزوف عن المشاركة السياسية لدى قطاعات واسعة منهم.

ولهذا دعت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان الأحزاب إلى تضمين برامجها الانتخابية آليات ملموسة لإشراك الشباب في صنع القرار وتطوير السياسات العمومية وتعزيز مشاركتهم الاقتصادية والسياسية.

ملف الهجرة يفرض نفسه

لم تعد قضايا الهجرة واللجوء شأناً خارجياً بالنسبة للمغرب الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى بلد عبور واستقرار لآلاف المهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء.

وتشير بيانات رسمية إلى أن السلطات المغربية أحبطت أكثر من 73 ألف محاولة للهجرة غير النظامية خلال عام 2025، كما فككت مئات الشبكات المتخصصة في تهريب المهاجرين.

وفي هذا السياق، طالبت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان بمراجعة الإطار القانوني المنظم للهجرة واللجوء بما ينسجم مع الاتفاقيات الدولية ويضمن حماية حقوق المهاجرين وطالبي اللجوء داخل المملكة.

العدالة المناخية بوصفها قضية حقوقية

من بين أبرز المحاور التي تكتسب أهمية متزايدة في الخطاب الحقوقي المغربي ملف العدالة المناخية، فالمغرب يواجه منذ سنوات موجات متتالية من الجفاف والإجهاد المائي، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الحق في الماء والغذاء والتنمية المستدامة.

وأشارت منظمة العفو الدولية إلى أن آثار التغير المناخي والجفاف باتت تؤثر بصورة متزايدة في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، خصوصاً في المناطق القروية والهشة.

وتدعو المنظمات الحقوقية إلى إدراج العدالة البيئية ضمن البرامج الانتخابية، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من منظومة حقوق الإنسان.

توصيات الأمم المتحدة

خلال السنوات الأخيرة، تلقت المملكة المغربية عشرات التوصيات ضمن آليات الأمم المتحدة المختلفة، ومنها الاستعراض الدوري الشامل وملاحظات اللجان التعاهدية.

وتركزت أبرز التوصيات على تعزيز حرية التعبير والصحافة، وحماية المدافعين عن حقوق الإنسان، وتعزيز المساواة بين الجنسين، وتطوير منظومة العدالة، وتحسين أوضاع المهاجرين وطالبي اللجوء، ومكافحة جميع أشكال التمييز.

وترى المنظمة المغربية لحقوق الإنسان أن البرامج الانتخابية المقبلة يجب أن تتضمن التزامات واضحة لتنفيذ هذه التوصيات وتحويلها إلى سياسات عمومية قابلة للقياس.

اختبار الديمقراطية المغربية

لا تنظر المنظمات الحقوقية إلى انتخابات 2026 باعتبارها مجرد منافسة بين الأحزاب على المقاعد البرلمانية، بل باعتبارها اختباراً لمدى قدرة الطبقة السياسية على استيعاب التحولات التي يشهدها المجتمع المغربي.

فبعد أكثر من عقد على دستور 2011، وبعد سنوات من الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية والمؤسساتية، بات السؤال المطروح داخل الأوساط الحقوقية يتمثل في كيفية الانتقال من مرحلة الاعتراف بالحقوق إلى مرحلة ضمان ممارستها الفعلية.

وفي هذا السياق، تؤكد المنظمة المغربية لحقوق الإنسان أن إدماج المقاربة الحقوقية في البرامج الانتخابية ليس مطلباً قطاعياً أو نخبوياً، بل ضرورة سياسية وتنموية تفرضها التحديات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية التي تواجه المملكة.

ومع اقتراب موعد الاقتراع، تبدو الأحزاب المغربية أمام اختبار غير مسبوق: هل ستبقى حقوق الإنسان بنداً عاماً في الخطابات الانتخابية، أم ستتحول إلى التزامات سياسية وتشريعية واضحة يمكن للمواطنين محاسبة الحكومات المقبلة على أساسها؟ هذا السؤال قد يكون أحد أبرز محددات النقاش السياسي المغربي خلال المرحلة المقبلة.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية
Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print