منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أمام الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان

حقوق معلقة بالتمويل.. فجوة التنفيذ تهدد وعود الدول أمام الأمم المتحدة

13 يونيو 2026
مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة
مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة

تواجه جهود إعمال حقوق الإنسان فجوة واضحة بين قبول الدول للتوصيات الدولية وقدرتها الفعلية على تنفيذها تشريعياً وميدانياً، وتكشف هذه الفجوة أن الالتزام الرسمي لا يكفي وحده ما لم ترافقه موارد مالية، وشراكات فنية، وآليات وطنية قادرة على المتابعة والتقييم.

وفي هذا السياق، يعرض تقرير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، الصادر في 4 مايو 2026 أمام الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان، عمليات صندوق التبرعات الخاص بالمساعدة المالية والتقنية خلال عام 2025، ودوره في دعم تنفيذ توصيات الاستعراض الدوري الشامل.

ويوفر صندوق التبرعات التمويل الأولي للأنشطة التي تساعد الدول على تنفيذ توصيات الاستعراض الدوري الشامل، من خلال تعبئة الموارد وبناء الشراكات وتقديم الدعم الفني بموافقة الدول المعنية.

ويتولى إدارة الصندوق مجلس أمناء مكون من خمسة خبراء يعينون لمدة ثلاث سنوات، وفي عام 2025 ترأست المجلس نوزيفو جانواري-بارديل من جنوب إفريقيا، بعضوية خبراء من إيران والمملكة المتحدة وليتوانيا والأرجنتين.

وبسبب الأزمة المالية داخل الأمم المتحدة وتغير سياسات المانحين، تعذر عقد بعض الدورات الميدانية، فعُقدت الدورة الثالثة والعشرون في جنيف، في حين انعقدت الدورة الرابعة والعشرون عبر الإنترنت.

أولويات الدعم الفني

ركز الصندوق خلال عام 2025 على حماية برامج التعاون التقني المتأثرة بالأزمة المالية، خصوصاً في ملفات المساءلة عن جرائم الحرب، والاستخدام المسؤول للتكنولوجيات الرقمية، والتنوع، والحق في بيئة نظيفة.

ورحب مجلس الأمناء بالتقدم في لامركزية الدعم، عبر إيفاد مستشاري الاستعراض الدوري الشامل إلى 11 مكتباً إقليمياً، ما يعزز القدرة على تقديم المساعدة الفنية بالقرب من الدول والميدان.

واصل عشرة مستشارين إقليميين تقديم الدعم في شرق ووسط وجنوب وغرب إفريقيا، وأوروبا، وآسيا الوسطى، وجنوب شرق آسيا، والمحيط الهادئ، وأمريكا الجنوبية والوسطى، مع تعيين مستشار للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في أوائل 2026.

وتركزت المساعدة على خمسة مجالات: تنفيذ التوصيات الرئيسية، وتعزيز الآليات الوطنية للإبلاغ والمتابعة، ووضع خطط تنفيذ، وتقوية قدرات البرلمانات، وإدماج التوصيات في وثائق البرمجة القطرية للأمم المتحدة.

طلبات تفوق الموارد

تلقى الصندوق 34 مقترح مشروع في عام 2025، لكن قيود الميزانية حدت من قدرته على الاستجابة لجميع الطلبات.

ورغم ذلك، دعم الصندوق نشاطين إقليميين؛ الأول في السنغال للدول الناطقة بالفرنسية لتبادل الممارسات الجيدة، والثاني في شيلي لتعزيز شبكات المجتمع المدني في الأمريكتين.

وفي الأرجنتين دعم الصندوق مكتب محامي الدفاع العام لتطبيق بروتوكولي إسطنبول ومينيسوتا في تقصي التعذيب والوفيات غير المشروعة، بمشاركة 80 خبيراً.

وفي البرازيل أُنشئت منصة حوار لحماية المدافعين عن حقوق الإنسان من الشعوب الأصلية، وتوجت بإعداد بروتوكول المسار المتكامل لحقوق الإنسان.

وفي شيلي أُطلقت حملة لحماية المدافعين، وصدر إعلان سياسي لإصلاح قانون الأهلية القانونية لذوي الإعاقة، إضافة إلى مراقبة التشاور بشأن استراتيجية الليثيوم.

عدالة الشعوب الأصلية

في كوستاريكا دُعمت المحكمة العليا للتصدي للعنف الجنساني ضد نساء الشعوب الأصلية.

وفي إكوادور نُظم حوار حول التعددية القانونية أدى إلى إعداد دليل للاجتهادات الدستورية المتعلقة بعدالة الشعوب الأصلية.

وفي المكسيك دعمت المفوضية دراسات عن الثغرات التشريعية في مكافحة التمييز، ورصد حقوق المهاجرين، وصياغة سجل للاحتجاز الإداري.

وفي بنما دُعم المعهد العالي للسلطة القضائية بشأن معايير التجمعات السلمية، في حين عززت باراغواي نظامها الوطني لرصد التوصيات.

مواءمة التشريعات الوطنية

في قيرغيزستان أُجري استعراض للتشريعات البيئية المتعلقة بجودة الهواء، ما ينسجم مع الحق في بيئة صحية، كما دُربت الشرطة على أداة تقييم مخاطر العنف الجنساني.

وفي تركمانستان أُجري استعراض تشريعي متوافق مع اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وصيغت مسودة استراتيجية وطنية.

وفي أوزبكستان أُعدت مسودة تقرير منتصف المدة للاستعراض الدوري، ونوقش التصديق على البروتوكول الاختياري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

أوروبا والشرق الأوسط

في البوسنة والهرسك أُدمجت التوصيات في إطار الأمم المتحدة للتعاون الإنمائي للفترة 2026-2030، وقُدم مشروع لإنشاء هيئة استشارية لذوي الإعاقة داخل البرلمان.

كما نُظم نشاط إقليمي لثماني دول مرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بهدف تعزيز التصديق على اتفاقية حماية الأشخاص من الاختفاء القسري.

وفي الأردن ساعد الصندوق المركز الوطني لحقوق الإنسان على إدماج مبادئ الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، وتشكيل ائتلاف للمجتمع المدني لتقديم تقارير موازية تراعي المنظور الجنساني.

قدرات إفريقية متنامية

في بنين نُظمت حلقات عمل لرصد حقوق الإنسان في السياق الانتخابي، وتعريف المفوضين الجدد بمبادئ باريس وبالولاية الناشئة عن البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب.

وأُطلقت حملة إعلامية باللغات المحلية للتوعية بـ22 توصية من توصيات الاستعراض الدوري، ودُرب 16 عضواً على إعداد مؤشرات الخطة الوطنية.

وفي بوتسوانا دعمت المفوضية مشاورة رفيعة المستوى شارك فيها 100 شخص لبحث الانضمام المحتمل إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واتفاقية خفض حالات انعدام الجنسية لعام 1961.

إصلاحات تشريعية إفريقية

في الكاميرون دعم الصندوق اللجنة المشتركة بين الوزارات المعنية برصد تنفيذ التوصيات، وأسفر التقييم الذاتي عن اعتماد خريطة طريق للاستعراض الدوري للفترة 2026-2028.

وفي كوت ديفوار وضعت ورشة عمل خطة استراتيجية لمتابعة توصيات الجولة الرابعة، بمشاركة 37 ممثلاً عن المجتمع المدني والمؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان.

وفي إسواتيني ساعد التعاون مع وزارة العدل على دفع مشروع قانون المساعدة القانونية وتعديل مشروع قانون ممارسي المهن القانونية، ما يعزز الوصول إلى العدالة للفئات المعوزة.

خطط وطنية تنفيذية

في إثيوبيا أُطلقت خريطة طريق وطنية لتنفيذ 252 توصية مقبولة، بدعم من وزارة العدل واللجنة الإثيوبية لحقوق الإنسان، كما دُرب 42 مسؤولاً من 21 وزارة على إدماج التوصيات في خطط التنمية والسياسات القطاعية.

وفي غانا أسهم حوار رفيع المستوى مع 31 برلمانياً في الدفع نحو زيادة الحصة الغذائية اليومية للسجناء، كما جرى تدريب 30 شرطياً وصحفياً في أكرا لتعزيز سلامة الصحفيين والتعاون بين الشرطة ووسائل الإعلام.

وفي جنوب إفريقيا عُقدت ورشة لـ24 مدافعة عن حقوق الإنسان لتعزيز معرفتهن بآليات الأمم المتحدة ورصد الانتهاكات.

انتخابات وحقوق إنسان

في توغو تلقى منسقون من 40 وزارة تدريباً على استخدام مؤشرات حقوق الإنسان، مع اعتماد خريطة طريق لتقييم توصيات الجولة الثالثة.

وفي أوغندا نُظم حواران لوضع استراتيجية لتنفيذ التوصيات قبل الانتخابات العامة لعام 2026، بمشاركة الأجهزة الأمنية والأحزاب السياسية، لضمان مكافحة الرشوة والمساواة في التغطية الإعلامية ومنع العنف الانتخابي.

وفي رواندا شملت الجهود حملات إذاعية وصلت إلى 10 آلاف مستمع، وحلقة دراسية لأعضاء البرلمان حول دورهم الرقابي انتهت باعتماد التقرير الوطني.

آسيا والتعلم المشترك

في جمهورية لاو أُجريت مشاورات تقنية لتحليل 257 توصية وإعداد خطة عمل متوافقة مع إطار الأمم المتحدة للفترة 2027-2031.

وفي تايلاند جرى استعراض الإطار القانوني لإعداد تشريعات فرعية بعد سن قانون القضاء الشامل على التمييز.

ولدعم التعلم بين الأقران، أُطلق مركز المعارف الخاص بالاستعراض الدوري الشامل بوصفه منصة إلكترونية، ونُظمت فعاليات جانبية في جنيف ونيويورك.

تمويل غير كافٍ

تلقى الصندوق في عام 2025 تبرعات من ثماني دول بقيمة 403,813 دولاراً، منها الصين بـ100 ألف دولار، والهند بـ150 ألف دولار، والإمارات بـ50 ألف دولار، والسعودية بـ20 ألف دولار، إضافة إلى 99,913 دولاراً من المنظمة الدولية للفرنكوفونية.

وبلغ الرصيد الإجمالي للصندوق 1,124,018.75 دولاراً، في حين تدعو المفوضية إلى زيادة التبرعات للوصول إلى 1.5 مليون دولار سنوياً.

وتحذر المفوضية من أن تمويل مستشاري الاستعراض الدوري الشامل المخطط له سينتهي في منتصف عام 2027 مع نهاية الجولة الرابعة، ولهذا تدعو إلى إصدار قرار دولي جديد يمدد مهام المستشارين، حفاظاً على المكاسب المحققة في بناء القدرات الوطنية وتعزيز تنفيذ التوصيات.

ثقة تحتاج تمويلاً

يكشف التقرير أن التحدي الرئيسي لم يعد في قبول التوصيات فقط، بل في تحويلها إلى قوانين وسياسات وممارسات قابلة للقياس.

ومن دون تمويل مستدام، وشراكات ميدانية قوية، وآليات وطنية فعالة، ستبقى الفجوة بين جنيف والميدان قائمة، وسيظل تنفيذ حقوق الإنسان مرهوناً بموارد غير مضمونة رغم اتساع الاحتياجات.