حذّر تقرير أممي جديد من أن الآثار المترتبة على السياسات التاريخية التي فرضت العزل القسري على الأشخاص المصابين بالجذام وأفراد أسرهم لا تزال مستمرة في العديد من دول العالم، مؤكداً أن آلاف الضحايا ما زالوا يعانون من تبعات اجتماعية واقتصادية وقانونية ونفسية ناجمة عن عقود من التمييز والإقصاء، رغم التقدم الطبي الذي أثبت منذ سنوات طويلة أن المرض قابل للعلاج ولا يبرر أي شكل من أشكال العزل أو التهميش.
وأشار التقرير، الذي يُعرض أمام الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والمنعقدة خلال الفترة من 15 يونيو إلى 10 يوليو، إلى أن معالجة المظالم التاريخية التي تعرض لها الأشخاص المتأثرون بالجذام تتطلب تبني نهج شامل قائم على حقوق الإنسان، يقوم على خمسة محاور رئيسية تتمثل في كشف الحقيقة وتحقيق العدالة وجبر الضرر وتخليد الذاكرة وضمان عدم تكرار الانتهاكات مستقبلاً.
وأوضح التقرير أن الأشخاص المصابين بالجذام تعرضوا على مدى أكثر من قرن لسياسات وممارسات تمييزية واسعة النطاق استندت إلى مفاهيم طبية واجتماعية خاطئة حول طبيعة المرض وإمكانية انتقاله.
وأسفرت هذه السياسات عن إنشاء مستعمرات ومراكز عزل أجبر آلاف الأشخاص على العيش فيها بعيداً عن أسرهم ومجتمعاتهم، ما أدى إلى انتهاك مجموعة واسعة من حقوقهم الأساسية.
وبحسب التقرير، لم يقتصر الضرر على العزل الجغرافي فحسب، بل امتد ليشمل حرمان المصابين من حقوقهم في التعليم والعمل وتكوين الأسرة والمشاركة في الحياة العامة، كما تعرض العديد منهم وأفراد أسرهم لوصم اجتماعي استمر حتى بعد انتهاء فترات العزل وإغلاق كثير من المؤسسات المخصصة لهم.
وأكد التقرير أن التقدم العلمي والطبي الذي تحقق خلال العقود الماضية أثبت بشكل قاطع أن الجذام مرض يمكن علاجه، وأن الأشخاص المصابين به لا يشكلون خطراً على المجتمع عند حصولهم على الرعاية الصحية المناسبة.
ومع ذلك، فإن الصور النمطية السلبية والمخاوف المتجذرة تاريخياً ما زالت تؤثر على نظرة المجتمعات إلى المرضى والناجين من المرض في عدد من الدول.
وأشار إلى أن كثيراً من الناجين وأسرهم ما زالوا يواجهون تحديات يومية تتعلق بالحصول على فرص العمل والخدمات العامة والرعاية الصحية والسكن، فضلاً عن استمرار أشكال مختلفة من التمييز الاجتماعي التي تعوق اندماجهم الكامل في المجتمع.
ولفت التقرير إلى أن بعض الدول ما زالت تحتفظ بقوانين أو لوائح تمييزية تستهدف الأشخاص المتأثرين بالجذام بصورة مباشرة أو غير مباشرة، رغم تعارض هذه التشريعات مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
وتشمل هذه القيود مجالات متعددة مثل الزواج والعمل والتنقل والحصول على بعض الخدمات العامة، الأمر الذي يكرس التهميش ويحول دون تحقيق المساواة الكاملة.
وشدد التقرير على أن الخطوة الأولى نحو معالجة هذه المظالم تتمثل في الاعتراف الرسمي بما تعرض له المصابون بالجذام وأسرهم من انتهاكات تاريخية، لافتا إلى أن كشف الحقيقة لا يقتصر على توثيق الوقائع والأحداث، بل يشمل أيضاً الاعتراف بمعاناة الضحايا والاستماع إلى شهاداتهم وضمان حفظها للأجيال المقبلة.
وأوضح أن كثيراً من الأشخاص الذين عاشوا سنوات طويلة في مؤسسات العزل أو تم فصلهم عن أسرهم ما زالوا يبحثون عن إجابات تتعلق بماضيهم وبمصير أقاربهم، ما يجعل الوصول إلى السجلات والوثائق الرسمية جزءاً مهماً من عملية الإنصاف.
وفي ما يتعلق بالعدالة، أكد التقرير أن الدول مطالبة باتخاذ خطوات عملية لمعالجة الانتهاكات التي تعرض لها الضحايا، سواء من خلال مراجعة القوانين والسياسات التمييزية أو توفير آليات فعالة للإنصاف والتعويض. كما دعا إلى ضمان إمكانية وصول المتضررين إلى المؤسسات القضائية والإدارية التي تمكنهم من المطالبة بحقوقهم.
وأشار التقرير إلى أن جبر الضرر يجب أن يتجاوز التعويضات المالية ليشمل مجموعة أوسع من التدابير الرامية إلى استعادة الكرامة الإنسانية للضحايا. ويتضمن ذلك تقديم الدعم الصحي والاجتماعي والنفسي، وتحسين ظروف المعيشة في المجتمعات التي تضم ناجين من المرض، فضلاً عن اتخاذ خطوات رسمية للاعتراف بالانتهاكات والاعتذار عنها عندما يكون ذلك مناسباً.
وأكد التقرير أن تخليد الذاكرة يمثل عنصراً أساسياً في أي عملية إنصاف حقيقية، لأن تجاهل الماضي أو طمسه يفتح الباب أمام تكرار الأخطاء نفسها مستقبلاً. ولهذا دعا إلى توثيق تجارب الضحايا والناجين وإدراجها في البرامج التعليمية والمبادرات الثقافية، بما يساعد على تعزيز الوعي العام بتاريخ هذه الانتهاكات وآثارها المستمرة.
وأوصى بالحفاظ على المواقع التاريخية المرتبطة بمؤسسات العزل السابقة باعتبارها شاهداً على مرحلة مهمة من التاريخ يجب ألا تُنسى، مشيراً إلى أن إحياء الذاكرة الجماعية يسهم في مكافحة الوصم والتمييز ويعزز احترام حقوق الإنسان.
وفي محور ضمان عدم التكرار، شدد التقرير على ضرورة مراجعة الأطر القانونية والمؤسسية القائمة للتأكد من خلوها من أي أحكام تمييزية أو ممارسات قد تؤدي إلى إعادة إنتاج أشكال الإقصاء السابقة. كما دعا إلى تعزيز التوعية المجتمعية وتدريب العاملين في القطاعات الصحية والتعليمية والخدمية على التعامل مع الأشخاص المتأثرين بالجذام على أساس المساواة والكرامة الإنسانية.
وأشار التقرير إلى أهمية إشراك الأشخاص المتأثرين بالجذام ومنظماتهم في صياغة السياسات والبرامج التي تستهدفهم، مؤكداً أن مشاركتهم الفاعلة تمثل شرطاً أساسياً لضمان استجابة هذه السياسات لاحتياجاتهم الحقيقية.
ورصد التقرير عدداً من التجارب الدولية التي شهدت خطوات إيجابية نحو الاعتراف بالانتهاكات التاريخية ومعالجة آثارها، من خلال تقديم اعتذارات رسمية أو إطلاق برامج تعويض أو مراجعة التشريعات التمييزية، لكنه أوضح أن هذه الجهود ما زالت متفاوتة بين الدول، وأن الكثير من الضحايا لم يحصلوا بعد على الاعتراف أو الإنصاف الذي يستحقونه.
وفي ختام التقرير، أكدت الأمم المتحدة أن قضية الجذام لم تعد قضية صحية بالدرجة الأولى، بل أصبحت قضية حقوق إنسان ترتبط بالكرامة والمساواة وعدم التمييز.
وشددت على أن إنهاء الإرث التاريخي للعزل والإقصاء يتطلب إرادة سياسية واضحة وإجراءات عملية تضمن كشف الحقيقة وتحقيق العدالة وتعويض الضحايا وحماية حقوقهم، بما يسمح بإغلاق أحد أكثر فصول التمييز الاجتماعي إيلاماً في التاريخ الحديث، ويمنح المتضررين وأسرهم فرصة حقيقية لاستعادة مكانتهم الكاملة داخل مجتمعاتهم.
