منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

عمال مهاجرون في حقول إيطاليا.. من جريمة كالابريا إلى اقتصاد الاستغلال الصامت

08 يونيو 2026
تفاقم أزمات حقوق العمال المهاجرين في أوروبا
تفاقم أزمات حقوق العمال المهاجرين في أوروبا

لم تكن جريمة مقتل أربعة عمال مهاجرين حرقاً داخل سيارة في محطة وقود بجنوب إيطاليا حادثة جنائية معزولة فحسب، بل كشفت مرة أخرى الوجه الأكثر قسوة لاستغلال العمال الزراعيين الأجانب في البلاد، فالضحايا، وهم ثلاثة أفغان وباكستاني واحد، كانوا يعملون في القطاع الزراعي، قبل أن يتحول خلاف مرتبط بالاستغلال والأجور والتهديدات، بحسب شهادة الناجي، إلى جريمة مروعة أعادت فتح ملف طالما حذرت منه النقابات والمنظمات الحقوقية والأمم المتحدة.

وقعت الجريمة في محطة وقود ببلدة أمندولارا قرب مدينة كوزنسا في إقليم كالابريا، حيث أظهرت تسجيلات كاميرات المراقبة مشتبهين يسكبان سائلاً قابلاً للاشتعال داخل السيارة، ثم يضرمان النار فيها ويحاولان منع من بداخلها من الخروج.

وأعلنت الشرطة الإيطالية توقيف مواطنين باكستانيين للاشتباه في ضلوعهما في قتل العمال الأربعة، في حين تمكن عامل أفغاني خامس من النجاة بعد فراره من صندوق السيارة الخلفي مصابا بحروق.

وتشير الروايات الأولية التي نقلتها وسائل إعلام دولية إلى أن الناجي تحدث عن شبكة استغلال استخدمت التهديد والعنف لإجبار العمال على العمل من دون أجر، مقابل الطعام والمأوى فقط، وهي عناصر تجعل القضية تتجاوز حدود القتل إلى ملف أوسع يتعلق بالعمل القسري والاتجار والاستغلال المنظم للعمال المهاجرين.

هشاشة العمال المهاجرين

أثارت الجريمة صدمة واسعة في إيطاليا، ليس فقط بسبب بشاعة طريقة القتل، بل لأنها أعادت إلى الواجهة سؤالاً قديماً حول مكانة العمال المهاجرين في سلاسل إنتاج الغذاء، فهؤلاء العمال يقطفون الفاكهة والخضراوات ويعملون في الحقول والمزارع، لكن كثيراً منهم يعيشون في مساكن رديئة، أو تحت تهديد الوسطاء، أو في أوضاع قانونية هشة تجعلهم أقل قدرة على تقديم الشكاوى أو المطالبة بالأجور.

ووصفت منظمات ونقابات إيطالية ما حدث بأنه امتداد لواقع استغلالي واسع داخل الأرياف، وقال الاتحاد العام الإيطالي للعمل إن الجريمة تمثل “رعبا لا يمكن وصفه”، داعياً إلى مواجهة المظاهر اليومية القاسية التي يعيشها العمال، وغالباً ما يكونون من المهاجرين، في الحقول الإيطالية.

ودعا فرانشيسكو سافينو، نائب رئيس مؤتمر الأساقفة الإيطاليين، إلى “ثورة ضمير” ضد الاستغلال وسماسرة العمالة واللامبالاة الاجتماعية.

أما رئيس إقليم كالابريا، روبرتو أوكيوتو، فاعتبر أن الجريمة تثير أسئلة عميقة حول مأساة الهجرة وقيمة الكرامة الإنسانية ومسؤولية المجتمع تجاه الفئات الأكثر هشاشة.

السماسرة.. شبكة لا تعمل في الظل فقط

يعرف نظام استغلال العمالة الزراعية في إيطاليا باسم “كابورالاتو”، وهو شكل من الوساطة غير القانونية في تشغيل العمال، يقوم فيه سماسرة بتجنيد العمال ونقلهم وتشغيلهم في ظروف قاسية، غالبا بأجور متدنية أو من دون عقود، مع فرض تكاليف غير عادلة على النقل أو السكن أو الطعام.

وتصف المفوضية الأوروبية هذا النظام بأنه تشغيل لعدد كبير من العمال، غالباً بصورة غير قانونية، مقابل مبالغ زهيدة وفي ظروف معيشية سيئة، مشيرة إلى أن إيطاليا وضعت خطة وطنية مدتها ثلاث سنوات لمكافحة استغلال العمالة في الزراعة ونظام السماسرة، وأن عدداً من البلديات المحلية طور خططاً لمكافحة هذه الظاهرة ضمن مشروع دعمته مؤسسات أوروبية.

وأعدت منظمة العمل الدولية، بالشراكة مع الاتحاد الأوروبي ومكتبها في إيطاليا، تحليلاً حول مقاربات الابتكار الاجتماعي لمكافحة استغلال العمالة وتعزيز العمل اللائق في الزراعة الإيطالية، وهو ما يعكس اعترافاً دولياً بأن المشكلة ليست هامشية، بل بنيوية وتحتاج إلى حوكمة متعددة المؤسسات.

أرقام تعكس اتساع الظاهرة

تشير بيانات وتحليلات بحثية صادرة عن مركز سياسات الهجرة في معهد الجامعة الأوروبية إلى أن إيطاليا كان لديها في عام 2022 أكثر بقليل من مليون عامل زراعي، وأن 10% منهم من مهاجري الاتحاد الأوروبي، و36% من رعايا دول من خارج الاتحاد الأوروبي.

وتفيد هذه التحليلات بأن ما لا يقل عن 230 ألف عامل زراعي، من الإيطاليين والأوروبيين وغير الأوروبيين، كانوا يعملون بصورة غير قانونية، أي ما يقارب ربع القوة العاملة في الأرياف الإيطالية.

وفي أبريل 2026، أصدرت المنظمة الدولية للهجرة في إيطاليا موجزاً بحثياً حول إسهام المهاجرين في القطاع الأولي، أشار إلى أن عدد العمال المتأثرين بانتهاكات مؤكدة في القطاع الزراعي ارتفع تدريجياً ليصل إلى قرابة 8 آلاف عامل في عام 2023، ما يعكس فجوة مستمرة بين النصوص القانونية وآليات الحماية الفعلية.

وتكشف هذه الأرقام أن استغلال العمال الزراعيين لا يرتبط فقط بالأشخاص غير النظاميين، بل يصيب أيضاً عمالاً يحملون تصاريح أو يصلون عبر قنوات قانونية ثم يجدون أنفسهم تحت سيطرة وسطاء أو شبكات تستفيد من هشاشتهم اللغوية والقانونية والاقتصادية.

العمال المهاجرون أصحاب حقوق

سبق أن حذرت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بأشكال الرق المعاصرة من أوضاع العمال الزراعيين المهاجرين في إيطاليا، مؤكدة خلال زيارة رسمية أن العمال الذين يحققون مليارات اليوروهات من الصادرات الزراعية ينبغي ألا يُتركوا في مساكن عشوائية أو يعملوا لساعات طويلة في ظروف تنتهك الكرامة الإنسانية.

وقالت المقررة الخاصة إن إجبار عمال يساهمون في الاقتصاد الزراعي الإيطالي على العيش في أحياء صفيح والعمل حتى 14 ساعة يومياً يثير أسئلة جدية حول مدى كفاية التدابير المتخذة لضمان حقوقهم وكرامتهم.

ومن منظور القانون الدولي، تمس هذه الأوضاع عدة حقوق أساسية، بينها الحق في ظروف عمل عادلة ومرضية، والحق في الأجر العادل، والحق في الصحة والسكن اللائق، والحماية من العمل القسري والاتجار، والحق في الوصول إلى القضاء دون خوف من الترحيل أو الانتقام.

من ساتنام سينغ إلى ضحايا كالابريا

لم تكن جريمة كالابريا أول حادثة تعيد فتح ملف استغلال العمال المهاجرين في إيطاليا. ففي يونيو 2024، توفي العامل الزراعي الهندي ساتنام سينغ، البالغ 31 عاما، بعد أن بُتر ذراعه في حادث آلة زراعية في منطقة لاتينا قرب روما.

ووفق تقارير إعلامية وقضائية، تُرك سينغ أمام منزله من دون إسعاف فوري، بينما وُضعت ذراعه المبتورة في صندوق فاكهة، قبل أن يتوفى لاحقاً في المستشفى.

وانضم الاتحاد العام الإيطالي للعمل لاحقاً إلى الادعاء في محاكمة صاحب العمل المتهم في القضية، والتي وُجهت فيها اتهامات أكثر جسامة بعد أن كان التحقيق قد بدأ بتهم تتعلق بالقتل غير العمد والإخفاق في تقديم المساعدة.

وتعهدت رئيسة الوزراء جورجا ميلوني، بعد تلك القضية، بمكافحة استغلال العمالة الزراعية. غير أن تكرار الحوادث القاتلة، من لاتينا إلى كالابريا، يطرح سؤالاً جوهريا حول ما إذا كانت الإصلاحات والتفتيش والعقوبات كافية لحماية العمال في المزارع والأقاليم التي يعتمد فيها الإنتاج على وسطاء غير رسميين وشبكات استغلالية.

الهجرة القانونية لا تكفي وحدها

أعلنت الحكومة الإيطالية في يونيو 2025 خطة لإصدار ما يقرب من 500 ألف تأشيرة عمل لمواطنين من خارج الاتحاد الأوروبي بين عامي 2026 و2028، لتلبية احتياجات سوق العمل في ظل نقص اليد العاملة وتراجع عدد السكان، وتشمل الخطة 164,850 تصريحاً في عام 2026 وحده.

لكن توسيع قنوات الهجرة القانونية لا يضمن وحده الحماية من الاستغلال، فقد أشارت رويترز في 2024 إلى أن رئيسة الوزراء الإيطالية طلبت من المدعي الوطني لمكافحة المافيا التحقيق في ما وصفته بعمليات احتيال “مقلقة” في نظام تأشيرات العمل، بعدما ظهرت مؤشرات على استغلال جماعات إجرامية لهذا النظام وبيع فرص الدخول إلى إيطاليا مقابل مبالغ كبيرة.

ويعني ذلك أن فتح قنوات قانونية للهجرة يجب أن يقترن بإصلاح إداري ورقابي يضمن أن يتحول التصريح إلى عقد عمل حقيقي، وأن يحصل العامل على أجره، وأن يتمكن من تغيير صاحب العمل أو الإبلاغ عن الانتهاكات دون أن يفقد وضعه القانوني.

لماذا يصعب طلب الحماية؟

يقع كثير من العمال المهاجرين في شبكات الاستغلال بسبب تداخل عوامل متعددة: الحاجة إلى العمل، الديون التي دفعوها للوسطاء، الخوف من فقدان الإقامة، ضعف المعرفة بالقانون واللغة، العزلة في مناطق ريفية بعيدة، والاعتماد الكامل على السمسار في النقل والسكن والعمل.

ويؤكد باحثون في ملف استغلال العمالة المهاجرة في إيطاليا أن نظام الهجرة والعمل قد يخلق هشاشة ظرفية تجعل العمال أكثر قابلية للاستغلال، خاصة عندما ترتبط الإقامة بصاحب العمل، أو عندما يصبح العامل غير النظامي مهدداً بالترحيل إذا حاول تقديم شكوى.

وتظهر دراسات ميدانية في القطاع الزراعي أن أوضاع العمل قد تشمل ساعات طويلة، أجوراً متدنية، سكناً غير لائق، تهديداً، وحرماناً من الحقوق الاجتماعية.

ومن هنا، فإن مواجهة الاستغلال لا تتطلب فقط ملاحقة الوسطاء بعد وقوع الجرائم، بل توفير مسارات آمنة للإبلاغ، وحماية قانونية للضحايا، وتفتيشاً فعالاً، وتعاوناً بين الشرطة والنيابة ومفتشي العمل والنقابات والمنظمات الحقوقية.

مواجهة اقتصاد اللامبالاة

تكشف جريمة كالابريا أن الاستغلال ليس مجرد مخالفة في سوق العمل، بل خطر مباشر على الحق في الحياة، فالعمال الذين يُجبرون على العمل دون أجر، أو يُنقلون في ظروف مهينة، أو يُهددون بالسلاح، لا يواجهون فقط انتهاكاً للأجر أو العقد، بل يفقدون أبسط شروط الكرامة والأمان.

وتعيد القضية طرح مسؤولية الدولة في حماية العمال، ومسؤولية أصحاب العمل وسلاسل التوريد، ومسؤولية المجتمع في عدم التعامل مع الغذاء الرخيص باعتباره منفصلاً عن ظروف إنتاجه، فكلما بقيت الأرياف الإيطالية معتمدة على عمالة مهاجرة غير مرئية، ظلت جرائم الاستغلال قابلة للتكرار، حتى لو صدمت الرأي العام في كل مرة.

وتضع جريمة أمندولارا جنوب إيطاليا ملف العمال الزراعيين المهاجرين أمام لحظة مساءلة جديدة، فالعمال الأربعة لم يموتوا فقط في هجوم مروع، بل داخل بيئة أوسع من الخوف والابتزاز والاستغلال، وفق ما تكشفه شهادة الناجي وسياق نظام السماسرة في الزراعة الإيطالية.

وبين تعهدات الحكومة، وتحذيرات الأمم المتحدة، وغضب النقابات، تبقى الحماية الحقيقية مرهونة بتحويل العمال المهاجرين من قوة عمل قابلة للاستغلال إلى أصحاب حقوق كاملة.. عقود واضحة، أجور عادلة، سكن لائق، تفتيش فعال، حماية من الترحيل عند الإبلاغ، ومساءلة جنائية لكل من يحول الحاجة إلى عبودية حديثة.

Picture of عبدالرحيم الليثي
عبدالرحيم الليثي
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية