في الوقت الذي تتجه فيه أنظار المجتمع الدولي نحو مدينة جنيف السويسرية ترقباً لانعقاد أعمال الدورة الـ62 لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والمقرر تنظيمها في الفترة الممتدة من 15 يونيو الجاري وحتى 10 يوليو المقبل، كشفت الوثائق الرسمية الصادرة عن الأمم المتحدة عن ملامح التطور الكبير الذي تشهده المنظومة الحقوقية والتشريعية في سلطنة عُمان.
ويأتي هذا الحراك الأممي مكملاً للجهود التي بُذلت خلال الدورة الـ51 للفريق العامل المعني بالاستعراض الدوري الشامل، والتي عُقدت في يناير من العام ذاته، حيث شهدت تلك الجلسات استعراضاً مستفيضاً للحالة الحقوقية في السلطنة، واعتماد التقرير الخاص بها رسمياً من قبل فريق المقررين المكون من المجموعة الثلاثية التي ضمت غيانا وجمهورية كوريا وإسبانيا، وذلك تحت قيادة وفد عُماني رفيع المستوى ترأسه الدكتور عبد الله بن محمد بن سعيد السعيدي، وزير العدل والشؤون القانونية.
تجسد الالتزام الراسخ لسلطنة عُمان بآلية الاستعراض الدوري الشامل وبمبادئ القانون الدولي في الطريقة المؤسسية الممنهجة التي تعاملت بها مع التوصيات الدولية، إذ سارع مجلس الوزراء العُماني إلى إصدار قرار يقضي بتشكيل لجنة قانونية متخصصة أُنيطت بها بشكل كامل مسؤولية إعداد التقارير الدورية الوطنية، والمتابعة الدقيقة والدورية لتنفيذ التوصيات المتفق عليها.
وتكشف الأرقام الرسمية عن جدية تامة في التعاطي مع جولة الاستعراض السابقة، حيث تلقت السلطنة 264 توصية، حظيت 208 منها بالقبول الكامل أو الجزئي، في حين تم أخذ العلم ببيان 49 توصية، ولم تحظَ 7 توصيات فقط بالتأييد.
وتزامناً مع هذه التفاهمات الدولية، حققت عُمان قفزة نوعية في دمج أحكام القانون الدولي بمنظومتها المحلية عبر انضمامها رسمياً في عام 2025 إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وهو الأمر الذي واكبه صدور حزمة تشريعية محدثة ومحورية شملت قوانين الحماية الاجتماعية، والإعلام، والجنسية العُمانية، بالإضافة إلى القوانين المنظمة لنقل وزرع الأعضاء والأنسجة البشرية، ومكافحة الاتجار بالأشخاص، وحقوق ذوي الإعاقة، فضلاً عن إقرار اللائحة التنظيمية الخاصة ببيئة عمل عمال المنازل.
ولم تكن هذه الطفرة التشريعية بمعزل عن الحقوق التنموية والأساسية للمواطنين والمقيمين على حد سواء، إذ حظي قطاع التعليم بنصيب وافر من التطوير المنظومي تماشياً مع مستهدفات “رؤية عُمان 2040″، وصدر في هذا الصدد قانون التعليم المدرسي في عام 2023 بموجب مرسوم سلطاني ليكفل مجانية التعليم الأساسي وما بعد الأساسي للجميع دون أي تمييز.
وتتجلى ثمار هذا التوجه في استيعاب المنظومة التعليمية لأكثر من مليون طالباً وطالبة يتوزعون على 2519 مدرسة حكومية وخاصة، من بينهم نحو استجابات تزيد عن 49 ألف طالب من غير العمانيين الذين يستفيدون من التعليم الحكومي المجاني تماماً كالمواطنين، وهو الدعم الذي تعزز أيضاً بصدور قانون التعليم العالي في العام ذاته لضمان إتاحة البعثات والبرامج الأكاديمية والمهنية مجاناً للطلاب المؤهلين، وتوجيه الكفاءات التخصيصية نحو تلبية متطلبات سوق العمل.
وعلى الصعيد الصحي، أرست السلطنة ركائز متينة للرعاية المتكاملة بإصدار قانون الصحة العامة في عام 2025، والذي يغطي الأطر الوقائية والعلاجية والتأهيلية ويدعم تنفيذ “الاستراتيجية الوطنية للصحة 2050”.
وقد تكللت هذه الجهود بإشادات دولية واسعة، كان أبرزها منح منظمة الصحة العالمية سلطنة عُمان شهادة تقدير دولية عام 2022 باعتمادها أول دولة في إقليم شرق المتوسط تنجح في القضاء التام على انتقال فيروس نقص المناعة البشرية والزهري من الأم إلى الطفل، وهو التميز الذي امتد إلى الكوادر الطبية العُمانية التي حصدت 3 جوائز رفيعة المستوى خلال أعمال الدورة 77 لجمعية الصحة العالمية في عام 2024.
وفي سياق متصل، حظي ملف تمكين المرأة واهتمام التوازن بين الجنسين بمكانة رفيعة في الاستراتيجيات الوطنية، حيث يكفل النظام القانوني العُماني للمرأة كافة حقوقها وحرياتها الأساسية بالتساوي مع الرجل، مما مكنها من تقلد مناصب قيادية وتنفيذية عليا في القطاعين العام والخاص، والمشاركة الفاعلة في صنع القرار.
وجاء إطلاق الخطة الوطنية للمرأة العُمانية لعام 2023 المنبثقة عن الرؤية المستقبلية للدولة، ليعزز بشكل ممنهج حضور المرأة في السلك القضائي، والإدارة العليا، ومجالس إدارة الشركات.
وتكاملت هذه الخطوات مع حماية حقوق العمال من خلال قانون العمل وقانون الحماية الاجتماعية الصادرين في عام 2023، واللذين تضمنا نصوصاً حاسمة تحظر العمل القسري ومصادرة جوازات السفر وتكفل الأجر المتساوي للعمل المتساوي، مدعومة بإبرام السلطنة لـ 37 مذكرة تفاهم واتفاقية ثنائية مع دول عدة لتنظيم استقدام العمالة الوافدة وحمايتها من الاستغلال.
أما على صعيد الحريات الصحفية والإعلامية، فقد جاء قانون الإعلام لعام 2024 ليؤكد على كفالة حرية الصحافة والطباعة والنشر وحق الكيانات القانونية في ممارسة الأنشطة الإعلامية ما لم تمس الأمن العام، وهو ما يترجم واقعياً خلو السجلات العُمانية من صدور أي حكم بالسجن ضد أي صحفي منذ أكثر من 6 سنوات.
وفي مجال مكافحة الجريمة وحماية الضحايا، تعاملت الأجهزة الأمنية والقضائية بصرامة حاسمة مع التجاوزات، حيث تلقت الإدارة العامة لمكافحة الاتجار بالبشر بشرطة عُمان السلطانية 41 بلاغاً عن جرائم مفترضة، جرى التحقيق فيها وإحالة 24 بلاغاً منها إلى الادعاء العام لاتخاذ الإجراءات الجنائية.
وواكبت السلطنة هذه الملاحقة القضائية بإطلاق حملة وطنية شاملة لمكافحة الاتجار بالبشر في عام 2025، وفرت من خلالها دور رعاية ومراكز إيواء مخصصة لتقديم الدعم التأهيلي والنفسي للضحايا، مع إعفائهم بالكامل من الرسوم والغرامات المترتبة على مخالفة قوانين الإقامة والعمل.
وتتويجاً لهذا السجل الحافل والتحديثات القانونية الشاملة، أعلنت سلطنة عُمان رسمياً عن ترشيح نفسها لعضوية مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة للفترة من 2028 إلى 2030، في خطوة تاريخية تُعد الأولى من نوعها في مسيرتها الدولية.
