لم تعد الأزمة البيئية في العراق مجرد ملف خدمي أو تحدٍ تنموي يمكن تأجيله إلى خطط مستقبلية، بل تحولت إلى تهديد مباشر يمس حياة ملايين المواطنين وحقوقهم الأساسية، ففي بلد ارتبط تاريخه وحضارته بنهري دجلة والفرات، يجد العراقيون أنفسهم اليوم أمام مشهد مقلق يجمع بين تلوث الهواء وتراجع الموارد المائية وتدهور جودة المياه واتساع رقعة التصحر وارتفاع درجات الحرارة بصورة غير مسبوقة، ومع تزايد التحذيرات المحلية والدولية، باتت الأزمة البيئية في العراق تمثل أحد أخطر التحديات الإنسانية والصحية والاقتصادية التي تواجه البلاد في الوقت الراهن.
إنذار جديد من بغداد
خلال الأيام الأخيرة، عادت رائحة الكبريت لتغطي أجزاء واسعة من العاصمة بغداد، ولا سيما مناطق جنوب شرق المدينة ومجمع بسماية السكني والمناطق المحيطة به، وعبّر سكان محليون عن شكاواهم على مواقع التواصل ووسائل الإعلام المحلية من تكرار الظاهرة بصورة متواصلة منذ نحو عامين، وسط مطالبات للحكومة العراقية ووزارة البيئة بالكشف عن أسبابها واتخاذ إجراءات عاجلة لحماية السكان من آثارها الصحية.
وتعكس هذه الحوادث المتكررة جانباً من أزمة أوسع تتعلق بجودة الهواء في العراق، حيث تواجه المدن الكبرى ضغوطاً متزايدة نتيجة الانبعاثات الصناعية وعوادم المركبات والمولدات الأهلية وحرق النفايات والعواصف الترابية المتكررة، وهي عوامل تجعل ملايين السكان عرضة لمستويات مرتفعة من التلوث الهوائي.
مياه ملوثة تهدد الصحة العامة
بالتوازي مع أزمة الهواء، كشف مرصد العراق الأخضر في بيان أن نحو خمسة ملايين متر مكعب من مياه الصرف الصحي تُلقى يومياً في مصادر المياه العراقية من دون معالجة كافية، وأوضح المرصد أن هذه المياه تُصرف مباشرة إلى الأنهار والمجاري المائية التي يعتمد عليها المواطنون في الشرب والاستخدام المنزلي والزراعة وتربية الأسماك.
وأشار المرصد إلى أن بعض هذه المخلّفات تحتوي على معادن ثقيلة ومواد عالية السمية، محذراً من انعكاساتها الخطيرة على الصحة العامة، خصوصاً في ظل استمرار تصريفها في مصادر المياه دون معالجة فعالة.
وتنسجم هذه التحذيرات مع ما أكدته منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” وشركاؤها الدوليون في تقارير حديثة، والتي أشارت إلى أن شبكات المياه والصرف الصحي في العراق تواجه تحديات كبيرة تؤثر في جودة المياه وسلامتها.
أزمة مياه غير مسبوقة
في يناير 2026، حذّرت الأمم المتحدة في مذكرة المناصرة الخاصة بندرة المياه والمخاطر المناخية في العراق من أن نحو ثمانية ملايين شخص يواجهون مخاطر إنسانية متزايدة مرتبطة بأزمة المياه.
وأكدت الأمم المتحدة أن الاحتياطي المائي العراقي انخفض إلى نحو أربعة مليارات متر مكعب فقط، وهو أدنى مستوى يسجل خلال ثمانين عاماً.
كما أشارت إلى أن محافظات البصرة وذي قار وميسان والمثنى من بين أكثر المناطق تعرضاً لمخاطر نقص المياه وتدهور جودتها.
وترى الأمم المتحدة أن استمرار انخفاض الموارد المائية يهدد الأمن الغذائي والصحة العامة والاستقرار الاجتماعي في مختلف أنحاء البلاد، خاصة في المناطق الريفية المعتمدة على الزراعة.
الأطفال يدفعون الثمن الأكبر
في تقرير أصدرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” خلال عام 2025، حذرت المنظمة من أن أزمة المياه المتفاقمة تهدد مستقبل ملايين الأطفال العراقيين.
وأكد ممثل يونيسف في العراق كريستيان سكوج أن حماية المياه تعني حماية الأطفال أنفسهم، موضحاً أن الوصول إلى المياه النظيفة حق أساسي لكل طفل.
وتشير المنظمة إلى أن نقص المياه النظيفة وسوء خدمات الصرف الصحي يؤديان إلى زيادة مخاطر الأمراض المعوية وسوء التغذية، كما يؤثران على انتظام الأطفال في التعليم، خصوصاً في المناطق الفقيرة التي تعاني من ضعف الخدمات الأساسية.
أمراض تتغذى على التلوث
ترتبط أزمة المياه والهواء في العراق مباشرة بملف الصحة العامة، وتوضح منظمة الصحة العالمية أن تلوث الهواء يعد من أبرز عوامل الخطر المرتبطة بأمراض القلب والأوعية الدموية والسكتات الدماغية وسرطان الرئة والأمراض التنفسية المزمنة.
كما تؤكد المنظمة أن ضعف خدمات المياه والصرف الصحي يسهم في انتشار الأمراض المنقولة بالمياه، ويزيد من الأعباء الصحية على المجتمعات المحلية.
وتحذر وزارة الصحة العراقية بصورة دورية من مخاطر استخدام المياه الملوثة أو غير المعالجة، خصوصاً خلال مواسم الجفاف وارتفاع درجات الحرارة.
البصرة.. صورة مصغرة للأزمة الوطنية
تمثل محافظة البصرة واحدة من أكثر المناطق العراقية تأثراً بالأزمة البيئية المركبة، فعلى الرغم من كونها مركز الثروة النفطية العراقية، تواجه المحافظة منذ سنوات أزمات متكررة تتعلق بتلوث المياه وارتفاع نسب الملوحة وتراجع تدفقات المياه العذبة.
ولا تزال أزمة التسمم الواسعة التي شهدتها البصرة عام 2018 حاضرة في الذاكرة العراقية، بعدما سجلت السلطات الصحية آنذاك عشرات الآلاف من حالات التسمم المرتبطة بتلوث المياه.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن جنوب العراق لا يزال من أكثر المناطق هشاشة أمام آثار الجفاف والتلوث وتغير المناخ.
التلوث النفطي وحرق الغاز
يشكل قطاع النفط أحد أبرز التحديات البيئية في العراق، فوفق بيانات البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، يعد العراق من بين الدول الأعلى عالمياً في معدلات حرق الغاز المصاحب لاستخراج النفط.
وتؤدي هذه العمليات إلى إطلاق كميات كبيرة من الغازات والملوثات في الغلاف الجوي، بما في ذلك ملوثات ترتبط بأمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية.
كما تواجه مناطق الأهوار والبيئات الرطبة ضغوطاً إضافية نتيجة التوسع في الأنشطة النفطية وتراجع الموارد المائية.
الأهوار العراقية في دائرة الخطر
تمثل أهوار جنوب العراق إحدى أهم البيئات الطبيعية في الشرق الأوسط، وقد أدرجتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو على قائمة التراث العالمي عام 2016.
غير أن الجفاف وتراجع تدفقات المياه والتغيرات المناخية أدت إلى انحسار مساحات واسعة من الأهوار خلال السنوات الأخيرة، ما أثر على المجتمعات المحلية التي تعتمد على الصيد وتربية الجاموس والأنشطة التقليدية المرتبطة بالمياه.
ويحذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن استمرار هذا التراجع قد يهدد أحد أهم النظم البيئية والتراثية في المنطقة.
التغير المناخي يضاعف المخاطر
يصنف البنك الدولي والأمم المتحدة العراق ضمن أكثر دول العالم تعرضاً لتداعيات التغير المناخي.
وتؤكد الأمم المتحدة أن موجات الجفاف الحادة وارتفاع درجات الحرارة وانخفاض معدلات الأمطار وتراجع تدفقات نهري دجلة والفرات أسهمت جميعها في تفاقم الأزمة البيئية.
كما تشير المنظمة الدولية إلى أن الجفاف الذي شهدته البلاد خلال السنوات الأخيرة أصبح أكثر احتمالاً بنحو 25 مرة نتيجة التغير المناخي الناتج عن النشاط البشري.
الأمن الغذائي تحت الضغط
لا تتوقف تداعيات الأزمة عند حدود المياه والصحة، بل تمتد إلى الأمن الغذائي، فقد أشارت الأمم المتحدة إلى أن السلطات العراقية اضطرت خلال عام 2025 إلى فرض قيود واسعة على النشاط الزراعي بسبب نقص المياه.
وأدى ذلك إلى تراجع المساحات المزروعة وانخفاض إنتاج عدد من المحاصيل الزراعية، الأمر الذي ينعكس على دخل المزارعين وأسعار الغذاء وتوافره في الأسواق المحلية.
نزوح بسبب المناخ
أصبحت التغيرات البيئية أحد أسباب النزوح الداخلي في العراق. ووفق بيانات الأمم المتحدة حتى سبتمبر 2025، ظل أكثر من 186 ألف شخص نازحين بسبب العوامل المناخية المرتبطة بالجفاف وندرة المياه وتدهور الأراضي الزراعية.
وتشير المنظمة الدولية للهجرة إلى أن غالبية هؤلاء انتقلوا من المناطق الريفية إلى المدن، بحثاً عن مصادر دخل ومياه أكثر استقراراً، ما يزيد الضغوط على الخدمات والبنية التحتية الحضرية.
من الحق في المياه إلى الحق في الحياة
لم تعد الأزمة البيئية في العراق مجرد قضية خدمات أو إدارة موارد، بل أصبحت قضية حقوق إنسان بامتياز، فقد اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2022 بالحق في بيئة نظيفة وصحية ومستدامة باعتباره حقاً من حقوق الإنسان.
كما يؤكد العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التزام الدول بحماية الحق في الصحة والحق في مستوى معيشي مناسب، بما يشمل المياه الآمنة.
وفي الحالة العراقية، ترتبط أزمة التلوث والجفاف بصورة مباشرة بحقوق أساسية تشمل الحق في المياه والحق في الغذاء والحق في الصحة والحق في الحياة الكريمة.
جهود حكومية وتحديات مستمرة
أطلقت الحكومة العراقية خلال السنوات الأخيرة عدداً من المشاريع الرامية إلى تحسين إدارة الموارد المائية وتطوير شبكات المياه والصرف الصحي وتعزيز التعاون مع المنظمات الدولية.
كما تعمل وزارة الموارد المائية ووزارة البيئة بالتعاون مع الأمم المتحدة و”يونيسف” وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي على تنفيذ برامج مرتبطة بإدارة المياه والتكيف مع التغير المناخي.
إلا أن الأمم المتحدة تؤكد أن حجم التحديات الحالية يتطلب استثمارات أوسع وإصلاحات هيكلية طويلة الأمد تشمل تحديث البنية التحتية وتقليل الهدر ومعالجة مياه الصرف وتعزيز الرقابة البيئية.
عرف العراق عبر التاريخ بأنه موطن حضارات قامت على وفرة المياه التي وفرها نهرا دجلة والفرات، لكن العقود الأخيرة شهدت تغيرات عميقة نتيجة الحروب والنمو السكاني والتغير المناخي وتراجع الإيرادات المائية وتدهور البنية التحتية، وتشير الأمم المتحدة إلى أن العراق يواجه اليوم أزمة بيئية مركبة تجمع بين شح المياه وتلوثها والتصحر وتدهور الأراضي الزراعية وارتفاع درجات الحرارة وتلوث الهواء، ومع استمرار هذه الضغوط، باتت الأزمة تتجاوز حدود البيئة لتصبح تحدياً إنسانياً وحقوقياً يمس حاضر ملايين العراقيين ومستقبل الأجيال القادمة.

