أكد تقرير أممي أن الكرامة الإنسانية يجب أن تكون في صميم جميع السياسات والأنظمة الصحية حول العالم، مشدداً على أن الحق في الصحة لا يمكن تحقيقه بصورة كاملة من دون احترام كرامة الإنسان واستقلاليته ومساواته، وأن أي نظام صحي يفشل في حماية الكرامة الإنسانية يظل عاجزاً عن ضمان الحق في الصحة للجميع.
وأشار التقرير، الذي يُعرض أمام الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والمنعقدة خلال الفترة من 15 يونيو إلى 10 يوليو، إلى أن العلاقة بين الصحة والكرامة علاقة متلازمة لا يمكن الفصل بينهما، مؤكداً أن الكرامة ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل مبدأ أساسياً يقوم عليه النظام الدولي لحقوق الإنسان ويجب أن ينعكس في التشريعات والسياسات والممارسات الصحية.
وأوضح التقرير، الذي أعدته المقررة الخاصة المعنية بالحق في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية، أن كثيراً من أوجه عدم المساواة الصحية المنتشرة حول العالم ترتبط بغياب احترام الكرامة الإنسانية، سواء من خلال التمييز أو الوصم الاجتماعي أو الإقصاء أو الحرمان من الخدمات الأساسية، وهو ما يؤدي إلى تفاوتات كبيرة في فرص الحصول على الرعاية الصحية والعيش بصحة جيدة.
ولفت التقرير إلى أن الحق في الصحة لا يقتصر على توفير المستشفيات والأدوية والخدمات الطبية، بل يشمل أيضاً العوامل الاجتماعية والاقتصادية والبيئية التي تؤثر في حياة الإنسان، مثل السكن الملائم والتعليم والعمل اللائق والحماية الاجتماعية والغذاء الصحي والمياه النظيفة والبيئة الآمنة.
وأكد أن تحسين هذه المحددات الأساسية يمثل شرطاً ضرورياً لتعزيز الصحة والكرامة في آن واحد.
وأشار إلى أن الفئات الأكثر تعرضاً للتمييز والتهميش غالباً ما تكون الأكثر معاناة من المشكلات الصحية، ومن بينها النساء والأطفال وكبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة والمهاجرون واللاجئون والسكان الأصليون والأشخاص المتنوعون جنسياً والعاملون في الجنس ومتعاطو المخدرات، وأكد أن النظم الصحية مطالبة بإزالة الحواجز التي تمنع هذه الفئات من الوصول إلى الخدمات الصحية بصورة عادلة ومتساوية.
وشدد التقرير على أن الرعاية الصحية القائمة على الكرامة تتطلب أن تكون الخدمات الصحية متاحة ومقبولة وعالية الجودة وخالية من جميع أشكال التمييز، مع ضمان احترام الخصوصية والسرية والاستقلالية الفردية، كما دعا إلى توفير بيئات صحية تحترم التنوع الثقافي والاجتماعي وتمنع العنف والإكراه وسوء المعاملة داخل المؤسسات الصحية.
وأوضح أن التمييز والوصم داخل الأنظمة الصحية يدفعان كثيراً من الأشخاص إلى تجنب طلب العلاج أو تأخير الحصول عليه، ما يؤدي إلى تدهور أوضاعهم الصحية ويقوض الثقة في المؤسسات الصحية، كما أن بعض السياسات والممارسات قد تؤدي إلى تجريد المرضى من إنسانيتهم أو تهميشهم بسبب أوضاعهم الاجتماعية أو الصحية أو القانونية.
وفي ما يتعلق بالصحة النفسية، أكد التقرير أهمية الابتعاد عن النماذج التي تقوم على الإقصاء والعزل القسري، داعياً إلى تبني خدمات مجتمعية قائمة على الاحترام والدعم والاندماج الاجتماعي، كما شدد على ضرورة الاعتراف بحق الأشخاص في اتخاذ القرارات المتعلقة بعلاجهم وحياتهم الصحية، واحترام هوياتهم وخياراتهم الشخصية.
كما تناول التقرير أهمية حماية سرية المعلومات الطبية والبيانات الشخصية، معتبراً أن احترام الخصوصية يشكل جزءاً أساسياً من صون الكرامة الإنسانية، وحذر من أن الخوف من كشف المعلومات الصحية قد يدفع بعض الأفراد إلى الامتناع عن طلب الرعاية، خاصة في القضايا المرتبطة بالصحة الجنسية والإنجابية أو الأمراض التي ترتبط بوصم اجتماعي.
وأكد التقرير أن الرعاية التلطيفية تمثل أحد أهم مظاهر احترام الكرامة الإنسانية، خصوصاً في المراحل المتقدمة من المرض أو في نهاية الحياة، ودعا إلى توسيع نطاق هذه الخدمات بما يضمن تخفيف الألم والمعاناة التي يمكن تجنبها، وتمكين المرضى من اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن علاجهم ورعايتهم وفقاً لقيمهم واحتياجاتهم الثقافية والاجتماعية.
وأشار إلى أن كرامة العاملين في القطاع الصحي تمثل بدورها عنصراً أساسياً في بناء أنظمة صحية عادلة وفعالة، مؤكداً ضرورة توفير ظروف عمل آمنة وعادلة للعاملين في مجالي الصحة والرعاية، وحمايتهم من العنف والتمييز وضمان مشاركتهم في صنع السياسات والقرارات التي تؤثر في عملهم.
وفي جانب آخر، أوضح التقرير أن الوقاية من الأمراض وتعزيز الصحة يجب أن تستندا إلى توسيع خيارات الأفراد وقدرتهم على اتخاذ قرارات صحية واعية، لا إلى فرض قيود أو سياسات تمييزية، كما دعا إلى التصدي للعوامل التي تضرب الصحة العامة مثل الفقر والتلوث البيئي وسوء التغذية وانعدام الأمن الغذائي والتمييز البنيوي.
وتطرق التقرير إلى تأثير أزمة المناخ على الصحة والكرامة الإنسانية، موضحاً أن التغير المناخي يؤدي إلى فقدان المساكن والأراضي وتراجع الأمن الغذائي وارتفاع معدلات النزوح القسري، وهي عوامل تمس بصورة مباشرة حقوق الإنسان الأساسية وتؤثر على قدرة الأفراد على العيش بكرامة، كما دعا إلى دمج الاعتبارات البيئية في السياسات الصحية باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من حماية الحق في الصحة.
وأكد التقرير أهمية سياسات الحد من الضرر في التعامل مع قضايا المخدرات والصحة العامة، داعياً إلى توفير برامج تبادل الإبر والعلاج من الإدمان والوقاية من الجرعات الزائدة والدعم الاجتماعي بدلاً من الاعتماد المفرط على العقوبات الجنائية، مشددا على أن تجريم بعض السلوكيات أو الهويات المرتبطة بالصحة يعوق الوصول إلى الرعاية ويؤدي إلى تفاقم الأضرار الصحية.
وفي مجال الحوكمة، شدد التقرير على ضرورة تعزيز المشاركة المجتمعية في صياغة السياسات الصحية وتنفيذها وتقييمها، مؤكداً أن إشراك الفئات المتأثرة مباشرة بالقرارات الصحية يجعل السياسات أكثر عدالة وفعالية. كما دعا إلى إنشاء آليات رسمية للمشاركة والرقابة المجتمعية وضمان تمثيل الفئات المهمشة في عمليات صنع القرار.
وركز على أهمية الشفافية والمساءلة في إدارة القطاع الصحي، محذراً من تضارب المصالح الذي قد ينشأ نتيجة تأثير الشركات أو الجهات الخاصة على القرارات الصحية، ودعا إلى ضمان الإفصاح عن المصالح المالية، وتعزيز الوصول إلى المعلومات الموثوقة، وإنشاء آليات فعالة لتلقي الشكاوى وجبر الضرر ومحاسبة الجهات المسؤولة عن الانتهاكات المتعلقة بالصحة والكرامة.
وأوصى التقرير الدول بإلغاء الأطر القانونية والسياسات العقابية التي تعيق الوصول إلى الرعاية الصحية، ومراجعة القوانين التي تجرم بعض الفئات أو السلوكيات المرتبطة بالصحة، مع تعزيز نهج قائم على حقوق الإنسان يضمن المساواة وعدم التمييز، ودعا إلى تنظيم أنشطة الشركات والحد من التسويق الضار للمنتجات التي تهدد الصحة العامة، مثل التبغ والكحول والأغذية غير الصحية.
وأكد التقرير أهمية الاستثمار في التثقيف الصحي ومكافحة المعلومات المضللة، وضمان وصول جميع الفئات إلى معلومات صحية موثوقة ومناسبة ثقافياً، بما يساعد الأفراد على اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن صحتهم وحياتهم، ودعا إلى تعزيز خدمات الصحة النفسية والرعاية المجتمعية وتوفير خدمات صحية تراعي الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للفئات المختلفة.
وخلص التقرير إلى أن بناء أنظمة صحية عادلة ومستدامة يتطلب وضع الكرامة الإنسانية في قلب جميع السياسات الصحية، وأن تحقيق الحق في الصحة لا يمكن أن يقتصر على توفير العلاج، بل يجب أن يشمل إزالة التمييز والوصم، وتعزيز المشاركة والمساءلة، وضمان العدالة الاجتماعية والاقتصادية، بما يكفل لكل إنسان فرصة العيش بصحة جيدة وكرامة كاملة.
