منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بين سلامة الأطفال وحقوق الخصوصية.. ماليزيا تدخل معركة تنظيم وسائل التواصل الاجتماعي

07 يونيو 2026
منع الأطفال دون 16 عاما من استخدام منصات التواصل في ماليزيا
منع الأطفال دون 16 عاما من استخدام منصات التواصل في ماليزيا

دخلت ماليزيا مرحلة جديدة من تنظيم الفضاء الرقمي للأطفال، بعدما بدأت السلطات تطبيق إجراءات غير مسبوقة تمنع من تقل أعمارهم عن 16 عاما من إنشاء حسابات على منصات التواصل الاجتماعي، في خطوة تقول الحكومة إنها تهدف إلى حماية القاصرين من التنمر الإلكتروني والاستغلال الجنسي والمحتوى الضار، بينما تثير في المقابل مخاوف حقوقية متزايدة تتعلق بالخصوصية والرقابة الرقمية وحرية الوصول إلى الإنترنت.

وأعلنت لجنة الاتصالات والوسائط المتعددة الماليزية، الجهة المنظمة لقطاع الاتصالات والإنترنت في البلاد، بدء تطبيق قواعد إلزامية جديدة بدءاً من يونيو 2026، تلزم منصات مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك ويوتيوب بالتحقق من أعمار المستخدمين عبر مطابقة بياناتهم مع السجلات الحكومية الرسمية، وذكرت وكالة رويترز أن الشركات المخالفة قد تواجه غرامات تصل إلى 10 ملايين رنجيت ماليزي (نحو 2.5 مليون دولار).

وتأتي هذه الخطوة في وقت تتصاعد فيه المخاوف داخل ماليزيا من تنامي الجرائم الإلكترونية المرتبطة بالأطفال، خاصة الاستغلال الجنسي الرقمي والتنمر الإلكتروني والإدمان على وسائل التواصل الاجتماعي، كما تنضم كوالالمبور بذلك إلى موجة عالمية متسارعة من الدول التي تسعى إلى فرض قيود عمرية على استخدام الأطفال للمنصات الرقمية، وسط جدل عالمي متزايد حول حدود الحماية والرقابة في العصر الرقمي.

أزمة رقمية متفاقمة

تكشف الأرقام الرسمية والأممية حجم القلق المتزايد داخل ماليزيا بشأن سلامة الأطفال على الإنترنت، ووفقا لدائرة الإحصاءات الماليزية، بلغ عدد الأطفال دون سن الثامنة عشرة في البلاد نحو 9.03 مليون طفل خلال عام 2025، أي ما يمثل 26.4 بالمئة من إجمالي السكان.

وفي الوقت نفسه، تشير منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” إلى أن الأطفال الماليزيين باتوا من بين الفئات الأكثر ارتباطا بالفضاء الرقمي في جنوب شرق آسيا، حيث يستخدم معظم المراهقين الهواتف الذكية ووسائل التواصل بصورة يومية، وأكدت المنظمة في تقاريرها أن الأطفال يواجهون مخاطر متزايدة تشمل التنمر الإلكتروني والاستدراج الجنسي والابتزاز الرقمي والتعرض للمحتوى العنيف أو الإباحي.

وأظهرت بيانات رسمية نشرتها وكالة برناما الماليزية أن السلطات رصدت حتى منتصف يونيو 2025 نحو 1501 منشور مسيء يتعلق بالأطفال عبر الإنترنت، بينما تمكنت السلطات من إزالة 94 بالمئة منها بالتعاون مع شركات التكنولوجيا، كما أعلنت الشرطة الماليزية ولجنة الاتصالات تنفيذ عمليات أمنية خاصة أسفرت عن اعتقال 13 شخصا وضبط أكثر من 40 ألف مادة تتعلق بالاستغلال الجنسي للأطفال عبر الإنترنت.

وتقول منظمة يونيسف في ماليزيا إن المحتوى الجنسي غير التوافقي أصبح التهديد الرقمي الأخطر على الأطفال في البلاد، متجاوزا حتى التنمر والاحتيال الإلكتروني. ونقلت صحيفة مالي ميل عن سانجا سارانوفيتش، نائبة ممثل يونيسف في ماليزيا، قولها إن كثيرا من الأطفال يتعرضون لابتزاز جنسي رقمي دون أن يبلغوا عما حدث لهم بسبب الخوف أو الوصمة الاجتماعية.

قانون جديد ومراقبة أوسع

ترتبط الإجراءات الجديدة مباشرة بقانون السلامة على الإنترنت لعام 2025، الذي يمثل أحد أكبر التحولات التشريعية الرقمية في ماليزيا خلال السنوات الأخيرة، وينص القانون على إلزام المنصات الرقمية الكبرى التي يتجاوز عدد مستخدميها 8 ملايين مستخدم بالحصول على تراخيص رسمية والعمل ضمن ضوابط صارمة تتعلق بحماية الأطفال ومكافحة المحتوى الضار.

وأكدت لجنة الاتصالات الماليزية أن هذه الإجراءات لا تهدف إلى حرمان الأطفال من التكنولوجيا، بل إلى تحميل شركات التواصل الاجتماعي مسؤولية أكبر تجاه سلامة القاصرين، عبر تطوير أنظمة تحقق من العمر، وتقليل وصول الأطفال إلى المحتوى الخطر أو الميزات التي قد تعرضهم للاستغلال.

لكن هذه الإجراءات تثير في الوقت نفسه تساؤلات واسعة بشأن طبيعة أنظمة التحقق الجديدة، خاصة مع اعتمادها على مطابقة البيانات الحكومية وربط الحسابات الرقمية بالهوية الرسمية للمستخدمين.

مخاوف حقوقية متزايدة

أبدت منظمات حقوقية وخبراء في الحقوق الرقمية مخاوف متزايدة من أن تتحول أنظمة التحقق الإجباري إلى أدوات رقابة واسعة النطاق على المستخدمين، وحذّرت منظمات معنية بالحريات الرقمية من أن جمع البيانات الشخصية والبيومترية للأطفال والبالغين قد يفتح الباب أمام مخاطر تتعلق بتسرب المعلومات أو إساءة استخدامها.

وأكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” في بيان رسمي صدر في ديسمبر 2025 أن القيود العمرية وحدها لن تكون كافية لحماية الأطفال على الإنترنت، داعية إلى تبني مقاربة أوسع تستند إلى حقوق الطفل، وتشمل التوعية الرقمية وتحسين أنظمة الحماية داخل المنصات الرقمية ودعم الأسر والمدارس، وقالت المنظمة إن الأطفال يواجهون بالفعل مخاطر متزايدة تشمل التنمر والاستدراج والاستغلال الجنسي عبر الإنترنت، لكن الحلول التقنية وحدها لا تكفي لمعالجة الأزمة.

كما يرى خبراء في الحوكمة الرقمية أن فرض التحقق الإجباري من الهوية قد يؤدي إلى توسيع المراقبة الرقمية وربط النشاط الإلكتروني للمستخدمين ببياناتهم الرسمية، وهو ما يثير مخاوف تتعلق بحرية التعبير والخصوصية الرقمية.

مدى فعالية الحظر

يثير القرار الماليزي أيضا تساؤلات حول مدى فعالية الحظر في حماية الأطفال، خاصة أن تجارب دول أخرى أظهرت أن الأطفال غالبا ما يجدون طرقا للتحايل على القيود العمرية عبر استخدام بيانات مزورة أو حسابات لأشخاص بالغين.

وتشير دراسة أكاديمية حديثة نشرتها منصة أبحاث دولية في مايو 2026 إلى أن الأطفال والمراهقين الذين خضعوا لقيود مماثلة في أستراليا تمكنوا من تجاوز أنظمة التحقق بسهولة نسبية، كما اعتبر كثير منهم أن القيود غير فعالة أو غير عادلة، وأوضحت الدراسة أن الأطفال لا يتعاملون مع القيود التقنية كعائق نهائي، بل يبحثون باستمرار عن وسائل للتحايل عليها.

كما أظهرت دراسة أخرى حول منصة تيك توك المخصصة للأطفال أن المحتوى الموجه للصغار لا يكون دائما آمنا أو مناسبا، رغم وجود أنظمة رقابة مخصصة للفئات العمرية الصغيرة، وأكدت الدراسة أن كثيرا من الأطفال يفضلون استخدام النسخ العادية من التطبيقات بدلا من النسخ المخصصة للأطفال بسبب ضعف القيود أو سهولة تجاوزها.

اتجاه عالمي متصاعد

لا تعد ماليزيا الدولة الوحيدة التي تتجه نحو تشديد القيود الرقمية على الأطفال.. فقد أقرت أستراليا خلال العام الماضي قوانين تمنع من هم دون 16 عاما من استخدام بعض منصات التواصل، بينما تعمل دول أوروبية مثل فرنسا وبريطانيا وإسبانيا على تطوير أنظمة تحقق عمرية أكثر صرامة.

وتقول وكالة رويترز إن الحكومات حول العالم باتت تواجه ضغوطا متزايدة للتدخل بعد تصاعد الدراسات التي تربط الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات النوم بين الأطفال والمراهقين، كما تواجه شركات التكنولوجيا اتهامات متزايدة بعدم اتخاذ إجراءات كافية لحماية المستخدمين الصغار من الاستغلال أو المحتوى الضار.

القانون الدولي وحقوق الطفل

تنص اتفاقية حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة، والتي صادقت عليها ماليزيا، على حق الأطفال في الحماية من جميع أشكال الاستغلال والعنف، بما في ذلك الاستغلال عبر الوسائل الرقمية، كما شدد التعليق العام رقم 25 الصادر عن لجنة حقوق الطفل بالأمم المتحدة عام 2021 على ضرورة ضمان سلامة الأطفال في البيئة الرقمية، مع احترام حقهم في الخصوصية والوصول إلى المعلومات والتكنولوجيا.

وأكدت لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة في التعليق العام رقم 25 بشأن حقوق الطفل في البيئة الرقمية الصادر عام 2021 أن على الدول تحقيق توازن بين حماية الأطفال من المخاطر الإلكترونية وضمان احترام حقوقهم الأساسية، بما في ذلك الحق في الخصوصية والوصول إلى المعلومات وحرية التعبير، وشددت اللجنة على أن أي إجراءات للتحقق من الهوية أو العمر يجب أن تكون ضرورية ومتناسبة وألّا تؤدي إلى جمع مفرط للبيانات الشخصية للأطفال.

وتشير النقاشات الدائرة بين الحكومة الماليزية ومنظمات الحقوق الرقمية إلى أن التجربة الماليزية تمثل اختبارا معقدا لكيفية حماية الأطفال في البيئة الرقمية، فبينما تؤكد لجنة الاتصالات والوسائط المتعددة الماليزية أن القيود الجديدة تهدف إلى الحد من التعرض للاستغلال والتنمر والمحتوى الضار، حذّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” في ماليزيا من أن القيود العمرية وحدها لا تكفي لحماية الأطفال، داعية إلى اعتماد سياسات أوسع تشمل التوعية الرقمية وتعزيز أدوات الحماية داخل المنصات الإلكترونية.

كما حذّرت منظمة “أكسس ناو” الدولية المعنية بالحقوق الرقمية في بياناتها ومرافعاتها المتعلقة بأنظمة التحقق من العمر في عدد من الدول من أن ربط استخدام الإنترنت بعمليات تحقق إلزامية من الهوية قد يثير مخاوف تتعلق بالخصوصية وحماية البيانات إذا لم ترافقه ضمانات قانونية وتقنية صارمة، وفي المقابل، تؤكد السلطات الماليزية أن الإجراءات الجديدة ضرورية لتعزيز سلامة الأطفال في الفضاء الرقمي والحد من المخاطر المتزايدة التي يواجهونها عبر الإنترنت.

 

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية