منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

فضيحة في إنجلترا.. أطفال الفئات الأكثر هشاشة عالقون في نظام رعاية تحكمه الأرباح

01 يونيو 2026
إنجلترا تخفق في حماية أطفالها الأكثر ضعفاً وهشاشة
إنجلترا تخفق في حماية أطفالها الأكثر ضعفاً وهشاشة

إنجلترا تخفق في حماية أطفالها الأكثر ضعفاً وهشاشة، فقد كشف تحقيق أجرته صحيفة فايننشال تايمز أن مئات المراهقين يعانون احتياجات عاطفية وجسدية معقدة، يتم إيواؤهم من قبل السلطات المحلية في مساكن خاصة غير مسجلة، حيث يواجهون مخاطر الإهمال وسوء الرعاية وظروف المعيشة غير الآمنة، بل ويتعرض بعضهم للاستغلال من قِبل العصابات الإجرامية.

وإذا كانت الحكومة جادة في منع تعريض المزيد من الأطفال للخطر، فعليها أن تواجه بشكل عاجل الضغوط والحوافز المشوّهة التي تدفع نظام رعاية الأطفال نحو هذه النتائج الكارثية.

تقع على عاتق المجالس المحلية مسؤولية قانونية تجاه الأطفال الذين تم إبعادهم عن أسرهم بسبب سوء المعاملة أو الإهمال.

ويوجد حالياً نحو 80 ألف طفل تحت رعايتها، لكن كثيراً من هذه السلطات تفتقر إلى التمويل والخبرات اللازمة لتقديم الدعم المناسب لهم، خصوصاً في ظل الضغوط المتزايدة لتوفير خدمات عامة أخرى.

وفي الوقت نفسه، أصبحت فرص إيجاد أسر حاضنة أكثر صعوبة من أي وقت مضى، بعدما انخفض عدد الأسر الحاضنة بنسبة 12% منذ عام 2019، ونتيجة لذلك يتم إيداع عدد متزايد من الأطفال في دور الرعاية والمؤسسات السكنية، التي تدير الشركات الخاصة الغالبية العظمى منها في إنجلترا.

وقد أدى الارتفاع المستمر في الطلب على خدمات رعاية الأطفال إلى إرهاق هيئة التفتيش التعليمية البريطانية «أوفستد»، التي تواجه أعداداً متزايدة من طلبات افتتاح دور رعاية جديدة، لكنها غير قادرة على تقييمها أو فحصها بالسرعة المطلوبة.

كما سمح هذا الطلب المرتفع لمشغلي دور الرعاية بفرض رسوم باهظة على السلطات المحلية، إذ يبلغ متوسط تكلفة رعاية الطفل الواحد نحو 384 ألف جنيه استرليني سنوياً، في حين تتجاوز الكلفة في بعض الحالات التي تتطلب رعاية عالية الخطورة ثلاثة ملايين جنيه استرليني سنوياً.

وقد جذبت الأرباح الضخمة المتاحة في هذا القطاع مستثمرين من مختلف الخلفيات، ليس فقط شركات الرعاية المتخصصة، بل أيضاً مستثمرين يفتقرون إلى الخبرة اللازمة، من بينهم شركات استثمار خاصة، ومُلّاك عقارات يؤجرون عبر منصات مثل «إير بي إن بي»، بل وحتى أشخاص يعملون في مهن لا علاقة لها بالرعاية الاجتماعية، مثل تصفيف الشعر.

وتتركز العديد من هذه المساكن في مناطق منخفضة الكثافة السكانية حيث تكون أسعار العقارات أقل، ما يسمح بتحقيق هوامش ربح أكبر.

وفي ظل الضغوط المتزايدة، تلجأ المجالس المحلية بشكل متكرر إلى إيداع الأطفال، بمن فيهم أصحاب الاحتياجات الأكثر تعقيداً، في مساكن غير مسجلة رسمياً.

وخلال عامي 2024 و2025 وصل عدد هذه الحالات إلى 680 حالة، أي ما يقارب خمسة أضعاف العدد المسجل قبل أربع سنوات فقط.

أما الثمن الإنساني لهذه السياسات فهو باهظ للغاية.. فالأطفال قد يجدون أنفسهم تحت رعاية أشخاص غير مؤهلين أو عديمي الخبرة، ويعيشون في مساكن متردية، وغالباً على بعد مئات الكيلومترات من أسرهم وأصدقائهم ومدارسهم، ما يزيد من شعورهم بالعزلة والاضطراب النفسي.

ولا تقتصر الخسائر على الجانب الإنساني فقط، بل تمتد إلى الجانب المالي أيضاً؛ فالحكومة البريطانية تنفق حالياً نحو ثلاثة مليارات جنيه استرليني سنوياً على دور رعاية الأطفال، في حين تواصل هذه النفقات الارتفاع عاماً بعد عام.

ولا توجد حلول سهلة لهذه الأزمة؛ فتأميم القطاع بالكامل سيكون مكلفاً للغاية، كما أنه ليس ضمانة لتحقيق نتائج أفضل.. فقد لعبت المجالس المحلية والجمعيات الخيرية دوراً أكبر في إدارة مساكن الأطفال خلال فترات سابقة، ومع ذلك لم تكن المنظومة بمنأى عن فضائح الإساءة للأطفال أو أوجه القصور والبيروقراطية.

وفي ويلز، تم حظر إنشاء دور رعاية جديدة هادفة للربح، لكن تطبيق خطوة مماثلة في إنجلترا يثير مخاوف حقيقية من تحميل السلطات المحلية والجمعيات الخيرية أعباء مالية تفوق قدراتها.

ومهما كانت الجهة التي تدير هذه المؤسسات، فإن جودة الرعاية المقدمة للأطفال يجب أن تبقى المعيار الأساسي الذي تُقاس به جميع السياسات والقرارات.

ومن هنا، ينبغي في المقام الأول تعزيز قدرات هيئة «أوفستد» حتى تتمكن من تقييم طلبات إنشاء دور الرعاية الجديدة بصورة أسرع وأكثر فعالية، وإجراء عمليات تفتيش منتظمة، وفرض عقوبات رادعة على الجهات التي تدير مساكن غير مسجلة.

كما يجب مراجعة اللوائح التنظيمية الحالية لضمان توفير رعاية آمنة ومناسبة للأطفال، خاصة أن أوجه القصور لا تقتصر على المساكن غير المسجلة، بل يمكن أن تظهر أيضاً داخل بعض المؤسسات المرخصة رسمياً.

وقد تسهم الصلاحيات الجديدة التي تعتزم الحكومة منحها للوزراء، والتي تسمح بوضع سقوف للأرباح المبالغ فيها، في إعادة توجيه القطاع بعيداً عن السعي المحض وراء العوائد المالية، وإعادته إلى هدفه الأساسي المتمثل في توفير أفضل رعاية ممكنة للأطفال.

كذلك، فإن إزالة العقبات غير الضرورية أمام الأسر الراغبة في احتضان الأطفال يمكن أن تخفف الضغط على دور الرعاية والمؤسسات السكنية، في حين تبدو الحاجة ملحة إلى تنسيق مركزي أقوى لمعالجة التفاوت في توزيع الخدمات على مستوى البلاد والتعامل مع النقص المزمن في الكفاءات والخبرات المتخصصة.

إن الطريقة التي تُعامل بها إنجلترا شبابها الأكثر عرضة للخطر أصبحت مصدر خجل وطني حقيقي، ولا يجوز للوزراء أن يسمحوا باستمرار معاناة أطفال سبق أن خذلتهم أسرهم ليجدوا أنفسهم عالقين في نظام رعاية تهيمن عليه اعتبارات الربح المالي وأشخاص يفتقرون إلى الخبرة المطلوبة.

ففي نهاية المطاف، يظل المعيار الأوضح للحكم على إنسانية أي مجتمع هو الكيفية التي يعامل بها أفراده الأكثر ضعفاً واحتياجاً للحماية.

*نقلاً عن فايننشال تايمز