منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

غزة بين التوسع العسكري والاكتظاظ.. تحذيرات أممية من تفاقم معاناة الأطفال

31 مايو 2026
معاناة الأطفال في غزة تتفاقم وسط استمرار الضربات الإسرائيلية
معاناة الأطفال في غزة تتفاقم وسط استمرار الضربات الإسرائيلية

حذرت الأمم المتحدة من أن أي توسع إضافي في السيطرة العسكرية الإسرائيلية داخل قطاع غزة سيزيد معاناة الأطفال، في وقت يعيش فيه السكان داخل مساحات آخذة في الانكماش، وسط نقص حاد في الغذاء والمياه وخدمات الصرف الصحي والرعاية الصحية.

وجاء التحذير الأممي بعد تصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قال فيها إنه وجّه الجيش إلى توسيع نطاق سيطرته داخل قطاع غزة إلى 70% من مساحة القطاع، بعدما كانت القوات الإسرائيلية تسيطر، وفق تصريحاته، على 50% بموجب وقف إطلاق النار، ثم تقدمت لاحقاً إلى نحو 60%.

وأثار الإعلان مخاوف من زيادة الضغط على المدنيين المحاصرين في المساحات المتبقية، خصوصاً الأطفال والعائلات النازحة.

وتقول منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” إن أي توسع في السيطرة على الأرض داخل غزة سيؤدي إلى مزيد من الضغط على العمليات الإنسانية، وسيُفاقم ظروف الأطفال الذين يواجهون أصلاً نقصاً شديداً في المياه والصرف الصحي والخدمات الصحية.

ونقلت وكالة الأناضول عن مسؤول في اليونيسف قوله إن “المزيد من الأطفال سيعانون” إذا مضت الخطة قدماً.

مساحات تضيق وسكان يتكدسون

كانت غزة، حتى قبل الحرب، من أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم. لكن الحرب والنزوح المتكرر وتدمير الأحياء السكنية دفعت مئات الآلاف من المدنيين إلى التكدس في مناطق محدودة، بين مبانٍ مهدمة وخيام مؤقتة وأنقاض ونفايات متراكمة.

وبحسب تحذيرات اليونيسف، فإن السكان باتوا محصورين في جزء محدود من القطاع، وسط غياب مساحات كافية للتخلص من النفايات أو تنظيم الملاجئ أو توفير مرافق صحية مناسبة.

وتنعكس هذه الظروف مباشرة على الأطفال الذين يعيشون في بيئة ملوثة ومكتظة، وتزداد بينهم أمراض الجهاز التنفسي والإسهال الحاد والأمراض الجلدية.

وأشار مسؤولون أمميون إلى انتشار البراغيث والقمل والجرب، إلى جانب تسجيل حالات لعضات قوارض طالت أطفالاً وحتى رُضّعاً داخل الخيام والملاجئ.

وتؤكد هذه المؤشرات أن الأزمة في غزة لم تعد مرتبطة بالقصف والنزوح فقط، بل ببيئة صحية متدهورة تهدد حياة الأطفال على نحو يومي.

نظام صحي شبه منهار

يتزامن هذا التدهور البيئي والصحي مع ضعف شديد في قدرة المستشفيات على الاستجابة. ووفق تحذيرات اليونيسف، يتزايد عدد الأطفال الذين يحتاجون إلى دخول المستشفى، في وقت لا يعمل فيه أي مستشفى في قطاع غزة بكامل طاقته.

ويعني ذلك أن أمراضاً يمكن السيطرة عليها في الظروف الطبيعية، مثل الإسهال والالتهابات التنفسية والجرب، قد تتحول إلى مخاطر صحية كبرى بسبب نقص الأدوية، وغياب النظافة، والاكتظاظ، وانهيار سلاسل الإحالة الطبية.

وتحذر وكالات أممية من أن الاكتظاظ لا يسرّع فقط انتشار الأمراض، بل يضغط على منظومات المياه والصرف الصحي والرعاية الصحية، ويقلص قدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إلى الأطفال والعائلات المحتاجة.

كما أن أي توسع ميداني إضافي قد يمنع الوصول إلى نقاط خدمات ومناطق يعيش فيها مدنيون يصعب الوصول إليهم أصلاً.

وقف إطلاق نار هش

رغم استمرار العمل بوقف إطلاق النار الهش، ما زال قطاع غزة يشهد أعمال عنف يومية، وأوردت تقارير صحفية دولية أن إعلان نتنياهو توسيع السيطرة إلى 70% جاء في سياق تصعيد ميداني متواصل، في حين أشار تقرير لصحيفة “الغارديان” إلى مقتل أكثر من 900 فلسطيني منذ بدء الهدنة، وسط اتهامات بأن توسيع مناطق السيطرة يفاقم مخاطر النزوح الدائم ويقوض شروط وقف إطلاق النار.

وتشير هذه الأرقام إلى أن الهدنة لم تتحول إلى حماية فعلية للمدنيين، خاصة مع استمرار الضربات، وصعوبة الوصول الإنساني، وتقلص المساحات الآمنة، وفي ظل هذه الظروف، يبقى الأطفال في موقع الخطر الأكبر؛ لأنهم الأكثر تأثراً بالجوع والمرض والخوف وانعدام الاستقرار.

وتؤكد التحذيرات الأممية أن الأزمة الإنسانية في غزة تدخل مرحلة أكثر خطورة مع تداخل ثلاثة عوامل: اتساع السيطرة العسكرية، وانكماش المساحات المتاحة للمدنيين، وتدهور الخدمات الأساسية. ومع استمرار نقص المياه والغذاء ومستلزمات النظافة، تصبح حياة الأطفال أكثر هشاشة، خصوصاً داخل الخيام والملاجئ المكتظة.

وبين وقف إطلاق نار لا يمنع العنف اليومي، وخطة عسكرية قد تزيد تقييد الحركة والوصول إلى الخدمات، تبدو غزة أمام أزمة إنسانية مرشحة لمزيد من التدهور، ما لم تُضمن حماية المدنيين، ويفتح المجال أمام وصول إنساني آمن ومستمر، وتُمنع أي إجراءات تؤدي إلى تقليص المساحات المتاحة للعائلات النازحة أو حرمان الأطفال من الرعاية الأساسية.