في قلب المعاناة التي يعيشها النازحون في جنوب قطاع غزة، وبين خيام لا تقي من حر الشمس ولا برد الليل، وجدت مجموعة من الفتيات مساحة صغيرة تصنع الفرق.
هناك، في المواصي غرب خان يونس، تتحول الرمال إلى حلبة تدريب، ويتحول الخوف إلى حركة، والضعف إلى محاولة جديدة لاستعادة السيطرة على الجسد والذاكرة والحياة.
ليست الملاكمة في هذا السياق رياضة عادية، ولا تدريباً عابراً وسط الحرب، بالنسبة إلى فتيات يعشن النزوح وفقدان البيت وانقطاع التعليم وغياب الأمان، تصبح القفازات الصغيرة وسيلة للتنفس، وطريقة لمقاومة الشعور بالعجز، ومساحة نادرة تقول فيها الفتيات إن لهن حقاً في القوة واللعب والحلم، حتى داخل واحدة من أقسى البيئات الإنسانية في العالم.
تكشف هذه القصة جانباً غالباً ما يغيب عن سرديات الحرب.. حق الفتيات في الحياة الكريمة، والصحة النفسية، واللعب، والحماية، والمشاركة، فحين تصبح الخيمة بيتاً مؤقتاً، والمدرسة ذكرى بعيدة، والملعب مساحة غير متاحة، تتحول أي مبادرة آمنة ومنظمة إلى أكثر من نشاط ترفيهي؛ تصبح شكلاً من أشكال الدعم النفسي والاجتماعي، واستعادة الكرامة وسط انهيار تفاصيل الحياة اليومية.
خيام لا تمنح الأمان
تعيش غالبية الأسر النازحة في قطاع غزة داخل ظروف قاسية، حيث تتداخل مخاطر القصف والنزوح المتكرر مع نقص الغذاء والمياه والرعاية الصحية والمساحات الآمنة للأطفال.
وفي مناطق مثل المواصي وخان يونس، لا تبدو الخيام مجرد مأوى مؤقت، بل شاهد يومي على انهيار مقومات الحياة الطبيعية، من الخصوصية إلى النظافة، ومن الحماية إلى القدرة على التعلم واللعب.
وقد أظهرت تقارير الأمم المتحدة خلال عام 2026 أن النزوح المتكرر، والقيود المشددة على الحركة، وتضرر البنية التحتية، كلها عوامل تواصل تعطيل الحياة اليومية في غزة، في حين تبقى الخدمات الأساسية مثل الصحة والمياه والصرف الصحي والتعليم والحماية متضررة بشدة.
وفي مثل هذا الواقع، تصبح الفتيات أكثر عرضة للهشاشة؛ لأنهن يواجهن في الوقت نفسه مخاطر الحرب، وضيق المكان، وانقطاع التعليم، وتراجع الخصوصية، والعبء النفسي المتراكم.
داخل هذه البيئة، تكتسب مبادرة تدريب الفتيات على الملاكمة معنى يتجاوز الرياضة، فهي تمنح المشاركات مساحة منتظمة للحركة، والتعبير، وبناء الثقة، والتعامل مع الخوف بطريقة أقل إيذاءً للنفس. كما تفتح نافذة صغيرة على شعور نادر في زمن الحرب.. أن الجسد ليس فقط موضعاً للخطر، بل يمكن أن يكون مصدراً للقوة.
الحق في اللعب ليس ترفاً
تنص اتفاقية حقوق الطفل على حق كل طفل في الراحة واللعب والأنشطة الترفيهية المناسبة لعمره، والمشاركة في الحياة الثقافية والفنية، وفي غزة، يصبح هذا الحق أكثر إلحاحاً لا أقل أهمية؛ لأن الأطفال والفتيات لا يحتاجون فقط إلى الغذاء والمأوى والدواء، بل يحتاجون أيضاً إلى روتين آمن، ومساحات للتعبير، وفرص لاستعادة الشعور بالطفولة.
وتؤكد اليونيسف، في رسائلها حول مستقبل الأطفال في غزة، أن اللعب ليس رفاهية، بل وسيلة يستعيد بها الأطفال ما سلبته الحرب منهم، فالرياضة والأنشطة المنظمة تمنح الأطفال والفتيات قدرة على تفريغ التوتر، وبناء علاقات داعمة، وتخفيف الشعور بالعزلة، خصوصاً عندما تكون جزءاً من بيئة آمنة ومراعية للنوع الاجتماعي.
ومن هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى فتيات الملاكمة في المواصي بوصفهن يمارسن نشاطاً جانبياً وسط الكارثة، بل فتيات يتمسكن بحق أساسي في اللعب والحركة والمشاركة، في وقت تضيق فيه المساحات العامة وتتحول الحياة اليومية إلى معركة بقاء.
الصحة النفسية تحت ضغط الحرب
تظهر الحاجة إلى مثل هذه المبادرات بوضوح أكبر عند النظر إلى حجم الأزمة النفسية التي يعيشها الأطفال في غزة، فاليونيسف قدرت في عام 2026 أن ما يقرب من مليون طفل في قطاع غزة يحتاجون إلى دعم نفسي واجتماعي، في ظل عامين دراسيين ضائعين وثالث يتعثر، وغياب الروتين الآمن، ومحدودية المساحات الهادئة للتعلم أو اللعب.
كما تشير خطة اليونيسف الإنسانية لعام 2026 إلى أن أكثر من مليون طفل يحتاجون إلى دعم نفسي واجتماعي، وأن مئات الآلاف يحتاجون إلى الوصول إلى التعليم. هذه الأرقام تجعل أي مساحة آمنة للفتيات، مهما بدت صغيرة، جزءاً من استجابة أوسع لحماية الصحة النفسية للأطفال، لا مجرد نشاط مؤقت.
في الملاكمة، تتعلم الفتيات الانضباط، والتنفس، والسيطرة على الحركة، واحترام الجسد، والعمل الجماعي. وهذه العناصر قد لا تلغي أثر الحرب، لكنها تساعد على بناء أدوات نفسية صغيرة لمواجهتها: الثقة، التركيز، الشجاعة، والإحساس بأن هناك شيئاً يمكن فعله في عالم يبدو خارج السيطرة.
الفتيات في قلب العبء
لا تعيش الفتيات في غزة الحرب بوصفهن أطفالاً فقط، بل فتيات أيضاً. فالخيام المكتظة وضعف الخصوصية ونقص خدمات المياه والصرف الصحي وتدهور الرعاية الصحية تزيد من هشاشتهن، خصوصاً في سن المراهقة، كما أن انقطاع التعليم وغياب المساحات الآمنة يحرمانهن من شبكات الدعم التي كانت توفرها المدرسة أو الأنشطة الاجتماعية.
وقد حذرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة في عام 2026 من أن النساء والفتيات في غزة يتحملن كلفة غير مسبوقة للحرب، مشيرة إلى أعداد كبيرة من الضحايا بين النساء والفتيات، وإلى استمرار النزوح وفقدان الوصول إلى الخدمات الأساسية.
كما تؤكد الهيئة أن آثار الحرب على النساء والفتيات لا تقتصر على الخسائر المباشرة، بل تمتد إلى الصحة، والحماية، والدخل، والرعاية، والسلامة اليومية.
وفي هذا السياق تصبح مشاركة الفتيات في رياضة مثل الملاكمة فعلاً رمزياً وعملياً في الوقت نفسه. فهي تقول إن الفتاة ليست فقط ضحية تنتظر الحماية، بل صاحبة قدرة وحق في بناء قوتها، بشرط أن تتوفر لها بيئة آمنة، ومدربة مسؤولة، ومساحة تحترم احتياجاتها وكرامتها.
الرياضة مساحة حماية
الرياضة في الأزمات لا تعالج الجوع، ولا تعيد البيت المهدوم، ولا توقف الحرب. لكنها قد توفر شيئاً لا يقل أهمية في حياة الأطفال: الإحساس المؤقت بالأمان، والانتماء، والانضباط، والقدرة على التعبير.
وفي مخيمات النزوح، حيث تتداخل الصدمات وتضيق المساحات، يمكن للنشاط البدني المنظم أن يتحول إلى أداة دعم نفسي واجتماعي، خاصة للفتيات اللواتي تقل أمامهن فرص الحركة واللعب مقارنة بالفتيان.
وتؤكد تقارير أممية أن الدعم النفسي والاجتماعي المجتمعي يبقى أحد أهم تدخلات حماية الطفل في غزة، ويشمل أنشطة منظمة وترفيهية تساعد الأطفال على مواجهة آثار النزوح وانعدام الأمن.
ومن هنا، يمكن فهم تدريب الملاكمة في المواصي باعتباره محاولة محلية لصناعة مساحة حماية صغيرة، لا بديلاً عن الاستجابة الإنسانية الشاملة، بل جزء من معناها.
لكن نجاح هذه المبادرات يظل مرتبطاً بشروط أساسية: ألا تتحول إلى استعراض للمعاناة، وأن تضمن سلامة الفتيات، وأن تراعي أعمارهن واحتياجاتهن النفسية، وأن ترتبط بمنظومة أوسع من الدعم، تشمل التعليم والصحة والحماية من العنف والاستغلال.
كرامة وسط الركام
قصة فتيات الملاكمة في المواصي ليست قصة عن الرياضة وحدها، بل عن الكرامة. فوسط خيام النزوح، حيث يفقد الناس بيوتهم وخصوصيتهم وروتينهم اليومي، يصبح امتلاك لحظة تدريب أو ضحكة أو حركة منظمة نوعاً من استعادة الإنسان لنفسه.
إنها قصة فتيات يحاولن القول إن الحرب يجب ألا تصادر شيئاً: لا الجسد، ولا الحلم، ولا الحق في اللعب، ولا القدرة على الشعور بالقوة.
وهي أيضاً تذكير بأن الاستجابة الإنسانية ينبغي ألا تقتصر على البقاء البيولوجي، بل يجب أن تشمل ما يجعل الحياة قابلة للاحتمال: الأمان، التعليم، الدعم النفسي، المساحات الآمنة، والأنشطة التي تعيد للأطفال والفتيات شيئاً من ذواتهم.
وفي غزة، حيث تبدو الحياة اليومية معلقة بين الخيمة والخطر، تصنع فتيات المواصي من الملاكمة لغة صغيرة للبقاء. ليست لغة انتصار على الحرب، لكنها محاولة شجاعة كي لا تنتصر الحرب بالكامل على أرواحهن.
