منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

على حافة الإفلاس المائي.. ملايين الإيرانيين يواجهون الجفاف والانقطاع وتدهور الخدمات الأساسية

02 يونيو 2026
أزمة نقص المياه في إيران
أزمة نقص المياه في إيران

تحت شمس حارقة وفي مناطق تعاني أصلاً من الفقر والتهميش، يقف آلاف الإيرانيين يومياً في طوابير طويلة بانتظار صهريج مياه أو بضع غالونات تسد احتياجات أسرهم الأساسية.. مشاهد باتت تتكرر في مناطق واسعة من إيران مع تفاقم أزمة المياه التي لم تعد تقتصر على آثار الجفاف والتغير المناخي، بل أصبحت عنواناً لأزمة مركبة تتداخل فيها تحديات البيئة مع مشكلات الإدارة والعدالة التنموية والحقوق الأساسية للسكان، وفق ما تظهره بيانات رسمية وتقارير أممية وحقوقية حديثة.

وتخرج نساء وأطفال في بعض أحياء زاهدان حاملين عبوات بلاستيكية فارغة بحثاً عن المياه في أحياء بعيدة، بعدما تحولت مياه الشرب في أجزاء واسعة من محافظة سيستان وبلوشستان إلى حلم يومي شاق، وفي واحدة من أكثر المحافظات فقراً وتهميشاً في إيران، باتت العائلات تعيش على وقع انقطاعات طويلة للمياه، بينما يضطر كثيرون إلى شراء صهاريج بأسعار باهظة أو استخدام مصادر غير آمنة تهدد صحتهم وحياتهم.

وتشير شهادات السكان في مناطق مثل بيرباخش بمدينة زاهدان ومدينة محمدي في سراوان إلى أن المياه تنقطع أحياناً لأسابيع أو أشهر متواصلة، ما يدفع الأهالي إلى التنقل ليلاً بين الأحياء لجلب المياه باستخدام الغالونات والعبوات البلاستيكية، وتقول تقارير حقوقية محلية إن أكثر من 150 منزلاً في بعض أحياء زاهدان حُرمت من المياه بشكل كامل لأكثر من شهرين، في ظل غياب حلول مستدامة من السلطات المحلية.

أزمة تتجاوز محافظة واحدة

ورغم أن سيستان وبلوشستان تعد الأكثر تضرراً، فإن أزمة نقص المياه باتت تمتد إلى أجزاء واسعة من البلاد، وأكد معهد الموارد العالمية في تقرير حديث أن إيران تصنف ضمن الدول التي تواجه إجهاداً مائياً مرتفعاً للغاية، إذ تستهلك البلاد أكثر من 80 بالمئة من مواردها المائية المتجددة سنوياً، وهو مستوى يضعها ضمن أخطر الدول عالمياً من حيث الضغط على الموارد المائية، كما أشار المعهد إلى أن إيران تقترب مما يسميه الخبراء “الإفلاس المائي“، نتيجة سنوات طويلة من الجفاف وسوء إدارة الموارد.

وذكرت صحيفة “لوموند” الفرنسية أن مستويات المياه في بعض السدود الرئيسة المغذية للعاصمة طهران تراجعت خلال عام 2025 إلى أقل من 12 بالمئة من طاقتها الاستيعابية، في ظل انخفاض معدلات الأمطار بنحو 40 بالمئة عن المعدلات الطبيعية طويلة الأمد، وأضافت الصحيفة أن السلطات بدأت بالفعل تطبيق انقطاعات دورية للمياه في بعض المناطق مع تصاعد المخاوف من تفاقم الأزمة خلال فصل الصيف.

أرقام رسمية تكشف حجم الخطر

وتظهر بيانات شركة إدارة الموارد المائية الإيرانية ووزارة الطاقة الإيرانية أن أكثر من 300 مدينة إيرانية تواجه حالياً مستويات خطِرة من الإجهاد المائي، في حين تراجعت احتياطيات المياه الجوفية جراء الجفاف واستنزاف الموارد بصورة حادة خلال العقدين الأخيرين.

كما كشف تقرير صادر عن منصة “إيران أوبن داتا”، استناداً إلى بيانات الأمم المتحدة، أن إيران تستخرج نحو 57 مليار متر مكعب من المياه الجوفية سنوياً، ما يجعلها الأولى في الشرق الأوسط والخامسة عالمياً في استنزاف المياه الجوفية. وأوضح التقرير أن أكثر من 300 حوض مائي إيراني باتت في وضع حرج بسبب الضخ المفرط، فيما يعتمد نحو 64 بالمئة من سكان البلاد على المياه الجوفية كمصدر أساسي للمياه.

وأضاف التقرير أن القطاع الزراعي يستهلك وحده نحو 90 بالمئة من الموارد المائية الإيرانية، في وقت لا تزال فيه أساليب الري التقليدية وغير الفعالة مستخدمة على نطاق واسع، ما يؤدي إلى هدر كميات ضخمة من المياه سنوياً.

سيستان وبلوشستان في قلب المعاناة

وفي سيستان وبلوشستان، تتضاعف آثار الأزمة بسبب الفقر وضعف البنية التحتية وغياب الخدمات الأساسية، وذكرت منصة “بيس مارك” الحقوقية الإيرانية أن أكثر من 400 ألف شخص في أكثر من أربعة آلاف قرية داخل المحافظة لا يملكون وصولاً منتظماً إلى مياه الشرب أو شبكات الصرف الصحي، فيما تعتمد أعداد كبيرة من السكان على نقل المياه بواسطة الصهاريج أو الآبار التقليدية غير الآمنة، وأضافت المنصة أن بعض السكان لا يحصلون سوى على نحو 15 لتراً من المياه يومياً، وهو مستوى يقل كثيراً عن الحد الأدنى الذي توصي به منظمة الصحة العالمية لتلبية الاحتياجات الأساسية للفرد.

ويقول سكان في مدينة محمدي التابعة لسراوان إن سعر صهريج المياه الواحد وصل إلى نحو مليوني تومان، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من العائلات التي تعاني أصلاً من البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة، كما يؤكد الأهالي أن أزمة المياه دفعت البعض إلى تقليص الاستهلاك اليومي أو اللجوء إلى مصادر ملوثة، ما زاد من المخاوف الصحية وانتشار الأمراض المرتبطة بالمياه غير النظيفة.

الأطفال أول الضحايا

وأكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” أن الأطفال في المناطق المتضررة من أزمة المياه يواجهون مخاطر صحية متزايدة بسبب نقص المياه النظيفة وتدهور خدمات الصرف الصحي، خاصة في المحافظات الفقيرة مثل سيستان وبلوشستان، وأوضحت المنظمة أنها دعمت خلال عام 2025 مشاريع لتوفير المياه النظيفة لعشرات الآلاف من السكان في المحافظة، من بينها إنشاء محطة لمعالجة المياه تخدم نحو عشرة آلاف شخص.

وتشير تقارير أممية إلى أن نقص المياه يؤثر بشكل مباشر على صحة الأطفال وتعليمهم، إذ تضطر بعض العائلات إلى إشراك أطفالها في جلب المياه يومياً، في حين يؤدي غياب المياه النظيفة إلى ارتفاع مخاطر الإصابة بالأمراض المعوية وسوء التغذية والأمراض الجلدية.

النساء في مواجهة العطش

وأكد تقرير الأمم المتحدة العالمي لتنمية المياه لعام 2026 الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “يونسكو” أن النساء والفتيات يتحملن غالباً العبء الأكبر في أوقات شح المياه، حيث تقع عليهن مسؤولية تأمين المياه للأسر في كثير من المجتمعات المتضررة، وأوضح التقرير أن غياب خدمات المياه والصرف الصحي يزيد الأعباء الجسدية والاجتماعية الواقعة على النساء، ويؤثر على فرص التعليم والعمل والحياة اليومية.

وفي سيستان وبلوشستان، تقول ناشطات محليات إن النساء يقضين ساعات طويلة يومياً في البحث عن المياه أو انتظار الصهاريج، في ظروف مناخية قاسية ودرجات حرارة مرتفعة، في حين تتحول أبسط الاحتياجات اليومية مثل الاستحمام أو غسل الملابس أو تبريد المنازل إلى تحديات مرهقة.

أزمة حقوق إنسان

وتؤكد الأمم المتحدة أن الحصول على مياه نظيفة وآمنة حق أساسي من حقوق الإنسان، وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد اعتمدت عام 2010 قراراً يعترف صراحة بالحق في المياه والصرف الصحي باعتباره حقاً ضرورياً للتمتع الكامل بالحياة والكرامة الإنسانية.

كما شددت لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التابعة للأمم المتحدة على أن الدول ملزمة بضمان حصول السكان على كمية كافية وآمنة وميسورة التكلفة من المياه دون تمييز.

وأفادت منظمة العفو الدولية في تقاريرها المتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية في إيران بأن محدودية الوصول إلى مياه الشرب والخدمات الأساسية في بعض المحافظات، ومنها سيستان وبلوشستان، تعكس فجوات تنموية مزمنة وتفاوتاً واضحاً في توزيع الموارد العامة بين المناطق، كما أشارت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقاريرها العامة حول أوضاع الحقوق في إيران إلى أن الأزمات الخدمية الممتدة، ومنها نقص المياه، تنعكس بشكل مباشر على الحقوق الأساسية للسكان، وعلى رأسها الحق في الصحة والعيش الكريم.

ومن جانبها، وثّقت منظمة “حال وش” الحقوقية البلوشية ومنظمة مركز حقوق الإنسان في إيران (CHRI) استمرار معاناة السكان في سيستان وبلوشستان من انقطاعات متكررة وطويلة في إمدادات المياه مقارنة بمناطق أخرى، مشيرة إلى ارتباط ذلك بضعف البنية التحتية وتراجع الاستثمارات في شبكات المياه والصرف الصحي، كما تناولت تقارير صادرة عن منظمة إيران هيومن رايتس (Iran Human Rights) أبعاداً أوسع للأزمة الخدمية في المحافظة، معتبرة أن تكرار الانقطاعات وغياب الحلول المستدامة يفاقم من هشاشة الأوضاع المعيشية للسكان في واحدة من أكثر المناطق فقراً في البلاد.

الجفاف وسوء الإدارة

ويربط خبراء البيئة بين تفاقم الأزمة الحالية وبين عقود من السياسات المائية غير المستدامة، وأوضح معهد الموارد العالمية أن إيران اعتمدت لسنوات على سياسات توسعية لتحقيق الاكتفاء الزراعي، ما أدى إلى استنزاف ضخم للمياه الجوفية، خاصة مع التوسع في حفر الآبار العميقة واستخدام أساليب ري تقليدية.

كما أدى بناء السدود بصورة مكثفة إلى تراجع تدفق الأنهار وزيادة معدلات التبخر، في حين تسبب الضخ المفرط للمياه الجوفية في ظاهرة الهبوط الأرضي التي تهدد البنية التحتية في مدن عدة.

وذكرت مجلة “لايف ساينس” أن بعض المناطق الإيرانية تسجل معدلات هبوط أرضي تصل إلى 34 سنتيمتراً سنوياً، وهي من أعلى المعدلات المسجلة عالمياً، ما يهدد الطرق والمباني وشبكات المياه والكهرباء في مدن رئيسية مثل طهران وأصفهان ومشهد.

تحذيرات من مستقبل أكثر خطورة

وتشير الأمم المتحدة إلى أن التغير المناخي والجفاف المستمر يفاقمان من هشاشة الوضع المائي في إيران، ووفق تقارير دولية، فإن البلاد تعاني سنوات متتالية من الجفاف الحاد، في حين تقع أكثر من 80 بالمئة من مساحتها ضمن مناطق جافة أو شبه جافة.

وحذرت تقارير أممية حديثة من أن تضرر البنية التحتية والخدمات الأساسية، منها المياه والكهرباء، يزيد من المخاطر الإنسانية والصحية على ملايين السكان، خاصة في المناطق الفقيرة والمهمشة، كما أكدت الأمم المتحدة أن أي تدهور إضافي في خدمات المياه قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات النزوح الداخلي والفقر والأمراض خلال السنوات المقبلة.

وبينما تتواصل التحذيرات الدولية، لا تزال آلاف العائلات الإيرانية تعيش يومياً تحت وطأة العطش والانقطاع المستمر للمياه، في مشهد يعكس واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية والبيئية التي تواجهها البلاد منذ عقود.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية