في الولايات المتحدة، لم يعد التقاعد بالنسبة لكثير من كبار السن نهاية مستقرة لمسار العمل، بل تحول تدريجياً إلى مرحلة يطغى عليها القلق الاقتصادي والخوف من تآكل المدخرات وارتفاع تكاليف المعيشة.
ومع استمرار التضخم وارتفاع أسعار الرعاية الصحية والإسكان والتأمين، يجد عدد متزايد من الأمريكيين فوق سن التقاعد أنفسهم مضطرين للعودة إلى سوق العمل، ليس بحثاً عن الرفاهية أو النشاط الاجتماعي فقط، بل لضمان القدرة على تغطية الاحتياجات الأساسية للحياة.
وتشير بيانات جمعية المتقاعدين الأمريكية (AARP) حتى عام 2026 إلى أن ملايين الأمريكيين الأكبر سناً يواصلون العمل أو يبحثون عن وظائف بعد التقاعد، في واحدة من أبرز التحولات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بالشيخوخة وسوق العمل في الولايات المتحدة.
ووفقاً للجمعية، فإن نحو 38 مليون أمريكي تبلغ أعمارهم 55 عاماً فأكثر يعملون أو يبحثون عن عمل، وهو رقم يزيد بأكثر من 2.5 مرة مقارنة بما كان عليه قبل أربعة عقود.
التقاعد لم يعد كافياً
تكشف شهادات كثير من المتقاعدين أن المعاشات التقاعدية ومدخرات التقاعد لم تعد تكفي لتغطية النفقات اليومية، خاصة مع ارتفاع تكاليف الغذاء والإيجارات والرعاية الصحية والتأمين.
وتوضح جمعية المتقاعدين الأمريكية أن نحو 48% من المتقاعدين الذين عادوا إلى العمل فعلوا ذلك بسبب الضغوط المالية وارتفاع تكاليف المعيشة أو المخاوف من عدم الاستقرار الاقتصادي.
ويبلغ متوسط دخل الأمريكيين المتقاعدين فوق سن 65 عاماً نحو 26,770 دولاراً سنوياً في عام 2024، وهو مستوى دخل لا يكفي كثيراً من كبار السن لمواجهة الارتفاع المستمر في تكاليف الحياة داخل الولايات المتحدة.
كما تشير تقارير مركز أبحاث التقاعد في ترانس أمريكا إلى أن أعداداً متزايدة من كبار السن باتوا يؤجلون التقاعد الكامل أو يعودون إلى وظائف جزئية بسبب المخاوف المتعلقة بالأمن المالي وتراجع القدرة الشرائية للمعاشات التقاعدية.
أبعاد حقوقية واجتماعية
ترى منظمات حقوقية أمريكية أن اضطرار كبار السن للعودة إلى العمل يعكس أزمة أوسع تتعلق بالحق في الحماية الاجتماعية والعيش الكريم بعد التقاعد.
وتؤكد تقارير صادرة عن المعهد الوطني لأمن التقاعد أن ملايين الأمريكيين يفتقرون إلى مدخرات تقاعد كافية، في حين يعتمد كثيرون بصورة شبه كاملة على الضمان الاجتماعي الذي لم يعد يواكب ارتفاع تكاليف المعيشة والرعاية الصحية.
كما تحذر منظمات معنية بحقوق كبار السن من أن العمل في سن متقدمة قد يتحول من “خيار” إلى “ضرورة اقتصادية قسرية”، خصوصاً لدى الفئات ذات الدخل المنخفض أو الأشخاص الذين استنزفتهم الديون والرعاية الصحية المزمنة.
وفي هذا السياق، تؤكد منظمة العمل الدولية أن الشيخوخة السكانية وتراجع أنظمة الحماية الاجتماعية في عدد من الدول يفرضان تحديات متزايدة على حقوق كبار السن في العمل والحماية الاجتماعية والرعاية الصحية، داعية إلى تعزيز سياسات العمل اللائق والحماية الاقتصادية للفئات الأكبر سناً.
التمييز العمري.. العقبة الصامتة
رغم حاجة كثير من المتقاعدين للعمل، يواجه كبار السن تحديات كبيرة في العودة إلى سوق العمل، أبرزها التمييز على أساس العمر، وتظهر أبحاث جمعية المتقاعدين الأمريكية أن أكثر من ثلثي العاملين الذين تزيد أعمارهم على 50 عاماً يعتقدون أنهم يواجهون صعوبة في العثور على وظائف جديدة بسبب السن.
كما يشير تقرير صادر عن جمعية إدارة الموارد البشرية (SHRM) إلى أن كثيراً من أصحاب العمل لا يزالون ينظرون إلى العمال الأكبر سناً باعتبارهم أقل قدرة على التكيف مع التكنولوجيا الحديثة أو متطلبات سوق العمل المتغيرة، رغم امتلاكهم خبرات طويلة ومهارات إدارية وإنسانية مهمة.
ويوضح مركز أبحاث التقاعد في ترانس أمريكا أن متوسط العمر الذي يعده بعض أصحاب العمل “كبيراً جداً للتوظيف” يصل إلى 65 عاماً، وهو ما يعكس استمرار الصور النمطية المرتبطة بالعمر داخل بيئات العمل الأمريكية.
سوق عمل متغير
في المقابل، يرى خبراء الموارد البشرية أن العمال الأكبر سناً يمتلكون ميزات متزايدة الأهمية في سوق العمل الحالي، خصوصاً في مجالات التفكير النقدي واتخاذ القرار وإدارة الوقت والتواصل المهني.
وبحسب تقرير حديث صادر عن جمعية إدارة الموارد البشرية، يؤكد 8 من كل 10 مختصين في التوظيف أن أكبر تحدياتهم تتمثل في العثور على موظفين يمتلكون مهارات التواصل والحكم السليم والتفكير النقدي، وهي مهارات غالباً ما يمتلكها أصحاب الخبرات الطويلة.
ويعيش كثير من المتقاعدين اليوم معادلة قاسية بين الحاجة للعمل للحفاظ على مستوى معيشي مقبول، وبين التحديات الصحية والجسدية المرتبطة بالتقدم في العمر، كما تواجه النساء المتقاعدات أوضاعاً أكثر هشاشة نتيجة الفجوات التاريخية في الأجور وفرص الادخار والتقاعد.
وفي ظل هذه التحولات، تتصاعد الدعوات داخل الولايات المتحدة لإصلاح أنظمة التقاعد والضمان الاجتماعي، وزيادة الحماية الاقتصادية لكبار السن، ومواجهة التمييز العمري في سوق العمل، ما يضمن ألا يتحول العمل بعد التقاعد من خيار شخصي إلى ضرورة تفرضها الأزمات الاقتصادية.

