منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

العطش يطول الجميع.. عندما تتحول المياه إلى أداة عقاب جماعي لأهالي غزة

27 مايو 2026
العطش يطال جميع سكان قطاع غزة
العطش يطال جميع سكان قطاع غزة

غزة- ميساء سميح

في قطاع غزة، لم يعد العطش مجرد نتيجة لانقطاع المياه أو تضرر البنية التحتية، بل تحوّل وفقًا لخبراء حقوقيين، إلى أزمة تمسّ جوهر الحق في الحياة، في ظل تدهور حاد في مصادر المياه وتدمير واسع لشبكات الإمداد، وانعدام القدرة على توفير الحد الأدنى من المياه الصالحة للشرب لنحو مليوني إنسان يعيشون تحت حصار طويل الأمد.

وفي قلب غزة، لم يعد الحصول على مياه صالحة للشرب حقًا مضمونًا، بل أصبح معاناة يومية يعيشها السكان تحت ضغط النقص الحاد والتلوث وارتفاع الملوحة، فضلًا عن انقطاع الكهرباء الذي يعرقل تشغيل محطات الضخ والمعالجة ويزيد من تعقيدها.

تعتمد غزة بشكل رئيسي على طبقة المياه الجوفية الساحلية، التي باتت شبه مستنزفة، وتشير التقديرات المحلية والدولية إلى أن أكثر من 90% من المياه المتوفرة لا تصلح للاستهلاك البشري دون معالجة.

وخلال الحرب الأخيرة على القطاع، دمرت إسرائيل معظم الآبار، وقصفت محطات التحلية وشبكات الصرف الصحي والبنية التحتية المائية، ما فاقم أزمة العطش بشكل حاد بين السكان.

ومع تراجع كميات المياه الصالحة، يضطر السكان إلى الاعتماد على مياه محلاة تُنقل عبر الصهاريج أو تُشترى بأسعار مرتفعة، لا تتناسب مع الظروف الاقتصادية الصعبة.

مهمة شاقة

وبحسب أهالي غزة، بات الحصول على المياه مهمة يومية مرهقة تتطلب جهداً وتنقلاً وانتظاراً غير مضمون، في ظل تباين كبير في فترات وصولها من حيّ إلى آخر، وعدم انتظام التزويد بشكل يومي أو مستقر.

الفلسطيني بلال العشي (42 عاماً) يواجه معاناة يومية متواصلة في تأمين المياه الصالحة للشرب، إذ يضطر إلى حمل الغالونات والانتظار لساعات طويلة أمام نقاط توزيع المياه أو صهاريج التزويد، في مشهد بات يتكرر يومياً في مختلف مناطق قطاع غزة.

ويقول العشي لموقع “صفر”: “نقضي ساعات ننتظر صهريج المياه، وأحياناً لا يصل إطلاقاً، لذلك أضطر لتقنين الاستهلاك بشكل قاسٍ، وأستخدم الماء فقط للأكل والشرب، أما باقي الاحتياجات فتصبح ثانوية”.

ويوضح أنّ أبسط تفاصيل الحياة اليومية باتت مرتبطة بكمية المياه المتوفرة، لا بالحاجة الفعلية لها، مؤكداً أنّ عملية الحصول على المياه تحولت إلى عبء يومي مرهق وثابت.

ويشير إلى أنّ هذا الواقع يتفاقم في ظل شحّ الإمدادات، وتضرر واسع في البنية التحتية، إلى جانب ارتفاع أسعار المياه المحلاة مقارنة بالقدرة الشرائية للسكان، ما يجعل الوصول إلى المياه النظيفة تحدياً اقتصاديًا وإنسانيًا في آن واحد.

ويضيف أنّ السكان يواجهون واقعاً لا يضمن الحد الأدنى من الاستقرار المائي، إذ تتغير كميات التزويد بين يوم وآخر، ما يفرض عليهم إعادة تنظيم حياتهم اليومية بالكامل وفق ما يتوفر من مياه، لا وفق احتياجاتهم الأساسية.

العطش يلاحق آلاف النازحين

في شمال قطاع غزة، يواجه آلاف النازحين في بلدة جباليا خطر العطش، بعد توقف محطة “الحسن” لتحلية المياه عن العمل بشكل كامل، ما حرم أكثر من 15 ألف فلسطيني من مصدرهم الرئيسي للمياه الصالحة للشرب، في ظل ظروف معيشية قاسية ومتدهورة.

المحطة، التي أُنشئت بجهود شبابية ذاتية، توقفت عن العمل نتيجة نفاد قطع الغيار، ما أدى إلى تراجع قدرتها التشغيلية تدريجيًا وصولًا إلى التوقف الكامل

وبحسب مشرف المشروع جمال قرموط، فإن هذا التوقف فاقم الأزمة المائية في شمال القطاع، خصوصاً مع تدمير واسع للبنية التحتية، شمل نحو 400 ألف متر طولي من شبكات المياه، وأكثر من 700 بئر، ما جعل وصول السكان إلى مصادر مياه آمنة شبه مستحيل.

ويؤكد قرموط، في حديثه إلى “صفر”، أنّ المحطة كانت تعمل على مدار الساعة لتوفير المياه المفلترة، لكنها تراجعت تدريجياً تحت ضغط الحصار ونقص الإمكانيات، قبل أن تتوقف كلياً، مشيراً إلى أنّ صهاريج المياه البديلة لا تلبي الحد الأدنى من احتياجات السكان.

ويضيف أنّ توقف المحطة عمّق أزمة العطش في المنطقة، ودفع الأهالي إلى البحث اليومي المضني عن المياه، في ظل غياب أي حلول مستدامة.

خزانات فارغة ومعاناة مستمرة

وفي شهادات ميدانية، يصف نازحون الوضع بأنّه “مأساوي”، إذ يضطر بعضهم لإرسال أطفالهم لمسافات بعيدة لجلب المياه رغم المخاطر، بينما يواجه المرضى صعوبات إضافية بسبب حاجتهم المستمرة للمياه في العلاج.

ويحذر الأهالي من أنّ خزانات المياه باتت شبه فارغة، ما يضع آلاف العائلات أمام واقع عطش حاد ومتواصل، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تفاقم الأزمة إلى كارثة صحية وإنسانية ما لم يتم التدخل العاجل لإعادة تشغيل المحطة أو توفير بدائل فورية ومستدامة.

وأسهمت العمليات العسكرية الإسرائيلية المتكررة على قطاع غزة في تدمير واسع للبنية التحتية للمياه والصرف الصحي، بما في ذلك شبكات التوزيع ومحطات الضخ والمعالجة، إلى جانب تعطّل العديد من المرافق الحيوية بسبب نقص الوقود والكهرباء، ما أدى إلى توقف بعضها عن العمل أو انخفاض قدرتها التشغيلية بشكل حاد.

هذا التدهور انعكس بشكل مباشر على الواقع الصحي والبيئي، إذ تفاقمت مشكلة تلوث المياه الجوفية نتيجة اختلاط مياه الصرف الصحي غير المعالجة بمصادر المياه، الأمر الذي يرفع من مخاطر انتشار الأمراض المنقولة عبر المياه، خصوصاً بين الأطفال وكبار السن والفئات الأشد هشاشة.

وفي شهادة ميدانية، يقول الفلسطيني علي حمدونة لـ”صفر”: “الموضوع لم يعد مجرد نقص في المياه، بل أصبح يتعلق بمدى أمانها وجودتها أيضاً”، مضيفًا: “أحياناً نضطر  إلى استخدامها رغم معرفتنا بأنها ملوثة، لأنه لا يوجد بديل”.

ويؤكد حمدونة أنّ الأطفال هم الأكثر تضرراً من هذا الواقع، إذ باتت حالات الإسهال والأمراض الجلدية تتكرر بشكل ملحوظ داخل البيوت والمحيط السكني، في ظل غياب مصادر بديلة آمنة.

ويشير حمدونة إلى أنّ استمرار تدهور البنية التحتية وغياب الحلول الجذرية يضع السكان أمام خطر صحي متصاعد، حيث تتداخل أزمة المياه مع تدهور الأوضاع الصحية والمعيشية بشكل عام، في ظل واقع إنساني يزداد هشاشة يوماً بعد يوم.

الموقف الحقوقي والدولي

في الموقف الدولي والحقوقي، لم تعد المياه النظيفة ومياه الشرب الآمنة تُعامل بوصفها خدمةً إنسانية أو مطلبًا تنمويًا فحسب، بل حقًا أصيلًا من حقوق الإنسان؛ فقد اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2010 بالحق في مياه شرب مأمونة ونظيفة وخدمات صرف صحي باعتباره ضروريًا للتمتع بالحياة وسائر الحقوق الأساسية، وأكد مجلس حقوق الإنسان هذا المعنى لاحقًا.

ويُلزم هذا الحق الدول بضمان مياه كافية وآمنة ومقبولة ومتاحة ماديًا وماليًا للاستخدام الشخصي والمنزلي، مع إعطاء أولوية للفئات الأكثر هشاشة وتهميشًا.

ورغم هذا الإطار القانوني، تُظهر تقديرات منظمة الصحة العالمية واليونيسف أن نحو 2.1 مليار شخص ما زالوا محرومين من خدمات مياه شرب مُدارة بأمان، ما يجعل أزمة المياه اختبارًا مباشرًا لمدى احترام الدول لالتزاماتها الحقوقية، لا مجرد تحدٍ خدمي أو بيئي.

وبالنسبة إلى أهالي غزة، يتحول الحق في المياه النظيفة من مبدأ حقوقي إلى سؤال يومي عن البقاء؛ إذ حذّرت اليونيسف في مارس 2025 من أن تسعة من كل عشرة أشخاص في غزة لا يستطيعون الوصول إلى مياه شرب آمنة، فيما أكدت الأمم المتحدة أن نقص الوقود وتعطل مرافق الإنتاج والمعالجة يهددان بوقف أنظمة المياه والصرف الصحي وترك العائلات بلا مياه مأمونة.

وفي هذا السياق، لا تبدو أزمة المياه في غزة مجرد نتيجة جانبية للحرب، بل مساسًا مباشرًا بالحق في الحياة والصحة والكرامة، خاصة مع انهيار البنية التحتية، وتكدّس النازحين، وانتشار مخاطر الأمراض المرتبطة بتلوث المياه والصرف الصحي.

وذهب خبراء أمميون إلى التحذير من استخدام العطش كسلاح، معتبرين أن حرمان المدنيين من المياه الآمنة يرقى إلى انتهاك جسيم للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.

عجز البلديات

وتعاني بلديات قطاع غزة من نقص حاد في المعدات والإمكانات اللازمة لإصلاح ما تضرر، ما يعوق جهودها في إعادة تأهيل الشبكات وضمان الحد الأدنى من الخدمات الأساسية للسكان.

من جانبه، يؤكد المتحدث باسم البلدية حسني مهنا، في حديثه إلى “صفر”، أنّ المدينة تواجه أزمة مياه حادة نتيجة الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية خلال الحرب، في ظل وجود أكثر من 800 ألف نسمة من السكان والنازحين داخل مساحة محدودة، ما فاقم الضغط على الموارد المائية.

ويشير مهنا إلى تدمير أكثر من 150 ألف متر من شبكات المياه، و72 بئراً، وأربع خزانات رئيسية، إلى جانب تضرر آلاف التوصيلات المنزلية، ما أدى إلى انهيار كبير في منظومة الإمداد.

كما خرجت محطة التحلية شمال غرب المدينة عن الخدمة، وتعرضت خطوط “ميكروت” للتدمير المتكرر، ما تسبب في تراجع حاد بكميات المياه المتوفرة، مع عجز يتجاوز 60% من الاحتياج.

ويضيف مهنا أنّ البلدية تعمل بإمكانيات محدودة لإجراء صيانة جزئية وتشغيل بعض الآبار، رغم شح الوقود ومنع إدخال المعدات وقطع الغيار، حيث لا تتجاوز التغطية المائية 50% من المدينة بشكل متقطع.

وتحذر البلدية ومختصون من تفاقم المخاطر الصحية، بما في ذلك انتشار أمراض الجهاز الهضمي والكلى وسوء التغذية، نتيجة الاعتماد على مياه غير آمنة وتراجع الاستهلاك إلى مستويات خطيرة.

التعطيش الممنهج

ووثّق تقرير “أطباء بلا حدود” ممارسات “التعطيش الممنهج” في قطاع غزة عبر تدمير أكثر من 70% من مرافق المياه، ومنع إدخال الوقود ومعدات الصيانة اللازمة لتشغيلها.

كما يشمل هذا النهج استهداف صهاريج المياه وطواقم الصيانة ميدانياً، ما يحول المياه إلى أداة ضغط وموت، وفقاً للتقرير.

ووفقًا لبيانات فلسطينية رسمية، تسببت الحرب في أزمة مياه غير مسبوقة بقطاع غزة، حيث يعاني أكثر من 90% من السكان من نقص حاد في المياه الآمنة، عقب تدمير نحو 85% من مرافق المياه و75% من شبكات التوزيع، إلى جانب مئات الآبار ومحطات التحلية.

واتهمت الجهات الرسمية الفلسطينية إسرائيل باستخدام سياسة التعطيش والتجويع كسلاح ضد السكان، عبر استهداف البنية التحتية ومنع وصول الإمدادات الأساسية اللازمة لاستمرار الخدمات الحيوية.

سلاح عقاب جماعي

في السياق، نائب رئيس مركز الميزان لحقوق الإنسان سمير زقوت، إنّ إسرائيل تستخدم “التعطيش” كسلاح ممنهج ضد سكان قطاع غزة، عبر تدمير البنية التحتية المائية وحرمان المدنيين من الوصول إلى المياه النظيفة والآمنة، في إطار سياسة تهدف إلى جعل القطاع “غير قابل للحياة”.

ويحذّر زقوت في حديثه لـ”صفر” من كارثة إنسانية وصحية متفاقمة تهدد أكثر من 2.3 مليون فلسطيني، في ظل الانهيار شبه الكامل لمنظومة المياه والصرف الصحي، وتدمير محطات التحلية والآبار وشبكات التوزيع، ما أدى إلى انعدام المياه الصالحة للشرب في مناطق واسعة من القطاع.

ويشير إلى أنّ حصة الفرد اليومية من المياه تراجعت من 86 لترًا قبل الحرب إلى ما بين 3 و12 لترًا فقط، وهي مستويات تقل كثيرًا عن الحد الأدنى الإنساني، الأمر الذي يدفع السكان إلى استخدام مياه ملوثة ومالحة، ويزيد من انتشار الأمراض والأوبئة وسوء التغذية، خصوصًا بين الأطفال والنازحين.

ويؤكد زقوت، استنادًا إلى بيانات فلسطينية رسمية، أنّ أكثر من 85% من مرافق المياه والصرف الصحي تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي، معتبرًا أنّ سياسة التعطيش وحرمان السكان من مقومات الحياة الأساسية تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، وترقى إلى شكل من أشكال العقاب الجماعي والإبادة الجماعية بحق المدنيين في قطاع غزة.