منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بين القانون والعرف.. لماذا لا تصل النساء إلى حقوقهن كاملة؟

15 يوليو 2026
نساء وعنصر من حركة طالبان في أفغانستان
نساء وعنصر من حركة طالبان في أفغانستان

في كثير من المجتمعات المحافظة، لا تحتاج المرأة دائمًا إلى نص قانوني مباشر يمنعها من ممارسة حقها؛ فقد تكفي الضغوط الاجتماعية، والخوف من الوصمة، وتوقعات الأسرة والمجتمع، لتقييد حركتها واختياراتها وتعليمها وعملها ومشاركتها العامة، هنا لا تكون المشكلة في غياب الحقوق على الورق فقط، بل في المسافة الواسعة بين النص القانوني والواقع الاجتماعي الذي تعيشه النساء يوميًا.

ورغم التقدم العالمي في ملفات المساواة وتمكين النساء، تكشف بيانات الأمم المتحدة أن العالم لا يزال بعيدًا عن تحقيق مساواة فعلية بين الجنسين، فالفجوات مستمرة في سوق العمل، والتمثيل السياسي، والحماية من العنف، والوصول إلى العدالة. وتزداد هذه الفجوات في البيئات التي تفرض أدوارًا تقليدية على النساء، وتجعل ممارسة الحقوق مرتبطة بقبول العائلة أو الجماعة أو الأعراف السائدة أكثر من ارتباطها بالقانون نفسه.

وتؤكد هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن التمييز ضد النساء لا ينتج فقط عن القوانين، بل أيضًا عن الصور النمطية والأدوار الاجتماعية التي تحدد ما “ينبغي” للمرأة أن تفعله داخل الأسرة والمجتمع، وتصبح هذه الصور عائقًا مباشرًا أمام التعليم والعمل والمشاركة السياسية والاستقلال الاقتصادي.

كما يوضح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مؤشر الأعراف الاجتماعية الجندرية أن نحو 9 من كل 10 أشخاص حول العالم ما زالوا يحملون تحيزات ضد النساء، في مجالات تشمل السياسة والتعليم والاقتصاد والسلامة الجسدية.

فجوة في المشاركة والتمثيل

تشير هيئة الأمم المتحدة للمرأة إلى أن النساء لا يزلن ممثلات بشكل غير متكافئ في مواقع القرار، فحتى عام 2025، شغلت النساء نحو 27% فقط من المقاعد البرلمانية عالميًا، كما لم تتجاوز حصتهن في المناصب الإدارية نحو 30%، وترى الهيئة أن استمرار هذا الوضع يعني أن الوصول إلى المساواة في القيادة قد يحتاج عقودًا طويلة إذا بقي التقدم بالوتيرة الحالية.

ضعف التمثيل السياسي لا ينعكس فقط على صورة المشاركة العامة، بل يؤثر على السياسات نفسها. فعندما تكون النساء أقل حضورًا في مواقع القرار، تقل فرص إدراج قضايا مثل الحماية من العنف، والرعاية، والعمل غير المدفوع، والمساواة في الأجور، والصحة الإنجابية، ضمن أولويات التشريع والميزانيات العامة.

ورغم اتساع فرص التعليم والعمل مقارنة بعقود سابقة، لا تزال النساء يواجهن عقبات اقتصادية واسعة، وتشير هيئة الأمم المتحدة للمرأة في تقرير “لمحة النوع الاجتماعي 2024” إلى أن معدل البطالة العالمي بين النساء بلغ 5.2% مقابل 4.8% بين الرجال، لكن الفجوة الأهم تظهر في مؤشر “فجوة الوظائف”، الذي يقيس الأشخاص الراغبين في العمل ولا يجدونه؛ إذ بلغ 13% للنساء مقابل 8.3% للرجال.

وتعود هذه الفجوة إلى عوامل متعددة، بينها الأعمال المنزلية والرعاية غير المدفوعة، والتمييز في التوظيف، وقيود التنقل، والقبول الاجتماعي بعمل النساء، ففي مجتمعات محافِظة كثيرة، لا يُنظر إلى العمل بوصفه حقًا اقتصاديًا للمرأة، بل بوصفه خيارًا مشروطًا بموافقة الأسرة، أو بطبيعة المهنة، أو بمدى توافقه مع الأدوار التقليدية.

أزمة عالمية مستمرة

لا تزال النساء والفتيات يواجهن مستويات مرتفعة من العنف القائم على النوع الاجتماعي، ووفق تقرير مشترك صادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، قُتلت 50 ألف امرأة وفتاة عام 2024 على يد شريك حميم أو فرد من الأسرة، أي بمعدل امرأة أو فتاة كل نحو 10 دقائق. ويُظهر التقرير أن المنزل لا يزال، بالنسبة لكثير من النساء، أحد أخطر الأماكن عليهن.

وتكشف بيانات الاتحاد الأوروبي أن العنف ضد النساء ليس مقتصرًا على مناطق النزاع أو الدول الفقيرة، فقد أظهر المسح الأوروبي للعنف القائم على النوع الاجتماعي أن 31% من النساء في دول الاتحاد الأوروبي تعرضن لعنف جسدي أو جنسي خلال حياتهن، وأن كثيرًا من الحالات لا يُبلّغ عنها بسبب الخوف أو الخجل أو عدم الثقة في المؤسسات.

في المجتمعات المحافِظة، تتضاعف الأزمة لأن الإبلاغ عن العنف قد يُنظر إليه كتهديد لسمعة الأسرة، أو خروج على الأعراف، أو “فضيحة” يجب إخفاؤها، ولذلك تبقى نساء كثيرات داخل علاقات مؤذية، ليس بسبب غياب القانون وحده، بل بسبب صعوبة الوصول الآمن إليه.

التعليم لا يكفي وحده

تحسن تعليم النساء عالميًا، لكنه لا يضمن بالضرورة مساواة كاملة في الحياة العامة، فالفتيات قد يصلن إلى المدرسة أو الجامعة، لكنهن يواجهن بعد ذلك قيودًا على العمل، أو الاختيار، أو السفر، أو المشاركة العامة.

وتوضح هيئة الأمم المتحدة للمرأة في مؤشر أفغانستان للنوع الاجتماعي 2024 أن نحو 8 من كل 10 شابات أفغانيات مستبعدات من التعليم والعمل والتدريب، في واحدة من أوسع الفجوات الجندرية في العالم.

وتُظهر الحالة الأفغانية كيف يمكن للسلطة السياسية والأعراف الاجتماعية والتفسيرات الدينية المتشددة أن تتداخل لإقصاء النساء من الحياة العامة، لكنها تكشف أيضًا أن مكاسب النساء قابلة للتراجع عندما لا تكون محمية بمؤسسات قوية، وقوانين واضحة، وثقافة اجتماعية تقبل المساواة.

الحقوق بين النص والتطبيق

تنص اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو” على التزام الدول باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على التمييز ضد النساء في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لكن التقارير الأممية تؤكد أن القوانين وحدها لا تكفي إذا لم تُترجم إلى سياسات، وموازنات، وآليات إنفاذ، وتغيير اجتماعي طويل المدى.

وتحذر هيئة الأمم المتحدة للمرأة من أن بعض المكاسب الحقوقية تواجه ردود فعل عكسية في عدد من الدول، سواء عبر تقليص مساحة المجتمع المدني، أو مهاجمة الخطاب النسوي، أو إعادة إنتاج أدوار تقليدية تحد من استقلال النساء، وهذا يجعل قضية المساواة ليست مجرد هدف تنموي، بل اختبارًا لمدى احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون.

وتتداخل عدة عوامل في حرمان النساء من ممارسة حقوقهن كاملة. أولها الأعراف التي تجعل طاعة الأسرة أو الجماعة مقدمة على حرية الاختيار، وثانيها ضعف تطبيق القوانين أو غياب آليات الشكوى الآمنة، وثالثها الاعتماد الاقتصادي على الأسرة أو الزوج، ما يجعل الخروج من دائرة العنف أو السيطرة أكثر صعوبة. ورابعها ضعف التمثيل السياسي، الذي يقلل قدرة النساء على التأثير في التشريعات والسياسات.

لذلك، لا يمكن اختزال المشكلة في عبارة “القانون موجود”، فالقانون لا يصبح حقًا فعليًا إلا عندما تستطيع المرأة الوصول إليه، واستخدامه، والحصول على الحماية دون انتقام أو وصمة أو تمييز.

التقاليد والتشريعات.. معادلة معقدة

في حديثه لـ«صفر» يؤكد الباحث القانوني أحمد أبو هزيم، أن الحديث عن حقوق المرأة في المجتمعات المحافظة يُعد من أكثر القضايا القانونية والاجتماعية حساسية، نظرا لارتباطه المباشر بتداخل القانون مع الدين والعادات والتقاليد والبنية الثقافية للمجتمع، معتبرا أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في وجود النصوص القانونية، وإنما في كيفية تفسيرها وتطبيقها داخل بيئة اجتماعية قد تُقيّد أحيانًا ممارسة المرأة لحقوقها رغم الاعتراف بها قانونيًا.

ويرى أبو هزيم أن التشريعات في المجتمعات المحافظة تحاول غالبًا تحقيق توازن بين حماية حقوق المرأة واحترام الخصوصية الثقافية والاجتماعية، لافتًا إلى أن بعض القوانين تتبنى مبدأ المساواة من حيث الأصل، لكنها تسمح في التطبيق بقيود أو استثناءات تستند إلى الأعراف أو الاعتبارات الاجتماعية.

ويشدد أبو هزيم على أن احترام التقاليد لا يجب أن يتحول إلى مبرر للانتقاص من الحقوق الأساسية التي تكفلها مبادئ العدالة وسيادة القانون، مؤكدًا أن أي قيود تحرم المرأة من التعليم أو العمل أو حرية الاختيار أو المشاركة العامة دون مبرر قانوني مشروع قد تُعد مخالفة لمبادئ العدالة القانونية حتى وإن كانت مقبولة اجتماعيًا.

ويبين أن هناك فرقًا بين التقاليد التي تنظم الحياة الاجتماعية بصورة طبيعية، وبين الأعراف التي تتحول إلى أداة للتمييز أو تقييد الحقوق، مشيرًا إلى أن التطور التشريعي في عدد من الدول بات يتجه نحو إعادة قراءة بعض النصوص والأعراف بما يحقق التوازن بين الهوية المجتمعية وضمان الحقوق الدستورية للمرأة.

فجوة بين القانون والواقع

ويشدد أبو هزيم على أن دور القانون لا يقتصر على إصدار النصوص، بل يمتد إلى خلق بيئة قانونية واجتماعية تضمن الحماية الفعلية للحقوق، من خلال مكافحة التمييز وتوفير الحماية من العنف وضمان تكافؤ الفرص وتعزيز وصول المرأة إلى التعليم والعمل والمشاركة السياسية.

ويضيف أن المشكلة في كثير من الدول لا تكمن في غياب القوانين فقط، وإنما في ضعف تطبيقها ووجود فجوة بين النص القانوني والواقع الاجتماعي، حيث تخشى بعض النساء المطالبة بحقوقهن بسبب الضغوط الاجتماعية أو الاقتصادية أو خوفًا من الوصمة المجتمعية، ما يجعل الثقافة المجتمعية أحيانًا أقوى من النص القانوني نفسه.

ويؤكد أبو هزيم أن حماية حقوق المرأة تتطلب تكامل عدة عناصر، من بينها وجود تشريعات واضحة وعادلة، وقضاء مستقل يضمن تطبيق القانون دون تمييز، إلى جانب نشر الوعي القانوني داخل المجتمع وتعزيز دور المؤسسات التعليمية والإعلامية في تغيير الصور النمطية وتمكين المرأة اقتصاديًا واجتماعيًا.

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print