منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بـ 1.1 مليون سجين.. فرنسا وتركيا تتصدران اكتظاظ السجون في مجلس أوروبا

19 مايو 2026
قدرت السلطات الفرنسية أن معدل الاكتظاظ داخل السجون بلغ 139.1% في أبريل 2026
قدرت السلطات الفرنسية أن معدل الاكتظاظ داخل السجون بلغ 139.1% في أبريل 2026

سجلت فرنسا وتركيا أعلى مستويات اكتظاظ في السجون بين دول مجلس أوروبا، بواقع 131 سجينًا لكل 100 مكان متاح، وفق تقرير حديث أُعدّ لمصلحة مجلس أوروبا ونُشرت نتائجه اليوم الثلاثاء، في مؤشر جديد على اتساع أزمة الاكتظاظ داخل المؤسسات العقابية الأوروبية وتزايد الضغط على أنظمة العدالة والسجون.

وتستند الأرقام إلى بيانات تعود إلى مطلع عام 2025، جمعتها جامعة لوزان ضمن الإحصاءات العقابية السنوية لمجلس أوروبا الذي يتخذ من ستراسبورغ مقراً له ويضم 46 دولة.

ويظهر التقرير أن عدد السجناء يفوق القدرة الاستيعابية في 14 إدارة سجون من أصل 51 قدمت بياناتها، ما يعكس استمرار الاكتظاظ بوصفه إحدى أبرز مشكلات حقوق الإنسان داخل السجون الأوروبية.

فرنسا وتركيا في الصدارة

بحسب التقرير، جاءت فرنسا وتركيا في صدارة الدول الأكثر اكتظاظاً، بمعدل 131 سجيناً لكل 100 مكان. وتزداد الصورة قتامة في فرنسا مع صدور بيانات وطنية أحدث، إذ قدرت السلطات الفرنسية أن معدل الاكتظاظ داخل السجون بلغ 139.1% في أبريل 2026، وهو مستوى يعكس تفاقم الأزمة بعد تاريخ جمع بيانات مجلس أوروبا.

ويأتي بعد فرنسا وتركيا كل من كرواتيا بمعدل 123 سجيناً لكل 100 مكان، ثم إيطاليا بـ121، ومالطا بـ118، وقبرص بـ117، والمجر بـ115، وبلجيكا بـ114، وأيرلندا بـ112.

وتشير هذه المعدلات إلى أن الاكتظاظ لم يعد مشكلة محدودة في عدد قليل من الدول، بل ظاهرة ممتدة داخل أنظمة عقابية مختلفة، ومنها دول الاتحاد الأوروبي ودول خارجه.

وفي المقابل، أظهرت البيانات أن بعض الدول الأوروبية تسجل مستويات أقل بكثير من الاكتظاظ. فقد بلغ المعدل في ألمانيا 80 سجيناً لكل 100 مكان، وفي إسبانيا 77، وفي أوكرانيا 50 فقط.

ويعكس هذا التفاوت اختلافات كبيرة في السياسات الجنائية واستخدام بدائل الحبس والاحتجاز الاحتياطي وطول العقوبات، إلى جانب حجم الاستثمارات في البنية التحتية للسجون وإجراءات الإفراج المشروط والمراقبة المجتمعية.

تركيا ذات المعدلات العليا

لم تقتصر الصدارة التركية على الاكتظاظ فقط، إذ أظهرت الدراسة أن تركيا سجلت أعلى معدل سجن بين دول مجلس أوروبا، بواقع 458 سجيناً لكل 100 ألف نسمة.

وجاءت بعدها أذربيجان بمعدل 271 سجيناً لكل 100 ألف نسمة، ثم مولدافيا بـ245. وبين دول الاتحاد الأوروبي، سجلت المجر 206 سجناء لكل 100 ألف نسمة، وبولندا 189، وتشيكيا 178.

وفي أسفل الترتيب، جاءت فرنسا بمعدل 119 سجيناً لكل 100 ألف نسمة، وبلجيكا بـ106، وسويسرا بـ77، ما يكشف أن ارتفاع الاكتظاظ لا يرتبط دائماً بعدد السجناء مقارنة بالسكان فقط، بل كذلك بطاقة السجون الاستيعابية وطبيعة السياسات العقابية.

1.1 مليون سجين

بلغ إجمالي عدد السجناء في الدول المشمولة بالدراسة أكثر من 1.1 مليون سجين حتى 31 يناير 2025، بزيادة قدرها 8.5% خلال عام واحد.

وتُعد هذه الزيادة لافتة، لأنها تأتي في وقت تشدد فيه هيئات حقوق الإنسان الأوروبية على ضرورة توسيع استخدام بدائل السجن، خصوصاً في الجرائم غير العنيفة، وخفض الاعتماد على الحبس الاحتياطي، وتحسين ظروف الاحتجاز بما يتوافق مع المعايير الأوروبية.

وكان مجلس أوروبا قد أشار في إصدار سابق من إحصاءات SPACE إلى أن الاكتظاظ ظل تحدياً متزايداً داخل السجون الأوروبية، مع اختلافات كبيرة بين الدول في عدد السجناء مقارنة بالطاقة الاستيعابية.

وأشارت الدراسة إلى ارتفاع نسبة النساء داخل السجون الأوروبية من 4.8% إلى 5.2% بين يناير 2024 ويناير 2025.

ورغم أن النساء لا يزلن يشكلن أقلية داخل السجون، فإن الزيادة تثير أسئلة حول طبيعة الجرائم، والسياسات العقابية، ومدى توافر بدائل احتجاز تراعي أوضاع النساء، خصوصاً الحوامل والأمهات ومَن لديهن مسؤوليات رعاية.

دلالات حقوقية

يمثل الاكتظاظ في السجون مشكلة حقوقية مباشرة؛ لأنه يؤثر في مساحة المعيشة، والرعاية الصحية، والنظافة، والسلامة، وإمكانية الوصول إلى برامج التأهيل والتعليم والعمل داخل السجن.

وتؤكد هيئات أوروبية أن الاكتظاظ قد يؤدي إلى تدهور ظروف الاحتجاز، وزيادة العنف والتوتر داخل السجون، وصعوبة فصل الفئات المختلفة من النزلاء، فضلاً عن الضغط على الموظفين والإدارة والخدمات الطبية.

وتشير الدراسة إلى أن هذه الأرقام تعكس تغيراً في ممارسات إصدار الأحكام، وأنواع الجرائم، واستخدام بدائل السجن، وهذا يعني أن معالجة الأزمة لا تقتصر على بناء سجون جديدة، بل تتطلب مراجعة أوسع للسياسات الجنائية، منها الحبس الاحتياطي، والعقوبات القصيرة، والبدائل المجتمعية.