تعيش نساء أفغانيات في باكستان داخل دائرة ضاغطة من الخوف القانوني والاقتصادي والأمني، مع انتهاء صلاحية التأشيرات، وتصاعد حملات التفتيش والترحيل، وتباطؤ ملفات إعادة التوطين إلى دول ثالثة.
وبالنسبة لكثير من النساء اللواتي غادرن أفغانستان بعد عودة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021، لم تعد باكستان محطة عبور مؤقتة، بل مساحة انتظار طويلة ومهددة، يتداخل فيها الفقر مع الخوف من الشرطة وخطر الإعادة القسرية إلى بلد تقلصت فيه حقوق النساء إلى مستويات غير مسبوقة.
وتكشف شهادات نساء أفغانيات في إسلام آباد وبيشاور، نقلتها أفغانستان إنترناشيونال، جانباً من هذه الأزمة، فبعضهن كن ناشطات في حقوق المرأة، أو عاملات في الإعلام، أو محاميات، أو معلمات، قبل أن يجدن أنفسهن اليوم بلا وضع قانوني مستقر، وبلا قدرة على العمل بحرية، وبلا ضمانات تحميهن من الاعتقال أو الترحيل.

انتظار بلا نهاية
تقول “سيما”، وهو اسم مستعار لامرأة أفغانية تقيم في إسلام آباد مع طفليها بانتظار نقلها إلى فرنسا، إنها عملت سابقاً في الإعلام ونشطت في مجال حقوق المرأة قبل سقوط الحكومة الأفغانية، لكن ملف هجرتها لا يزال معلقاً بعد نحو أربع سنوات.
ومع انتهاء صلاحية تأشيرتها، تقول إنها باتت تخشى الاعتقال في أي لحظة، مضيفة أنها تعرضت سابقاً للاعتقال قبل الإفراج عنها مقابل المال.
هذه الشهادة لا تعكس حالة فردية فقط، بل تكشف هشاشة واسعة تواجهها نساء أفغانيات عالقات في باكستان، خصوصاً من لهن ملفات إعادة توطين أو هجرة إلى دول غربية لكنها لم تُحسم بعد. فكل تأخير جديد يعني مزيداً من التعرض للابتزاز، والتفتيش، وانعدام الدخل، والخوف من العودة القسرية.

محاميات بلا حماية
تروي “سارا”، وهو اسم مستعار لمحامية سابقة من كابل، أنها كانت تدافع عن الآخرين في أفغانستان، لكنها أصبحت اليوم عاجزة حتى عن الدفاع عن نفسها.
تقول إنها تلقت تحذيرات متكررة من الحديث إلى وسائل الإعلام؛ خوفاً من الترحيل من باكستان، رغم أن لديها ملف هجرة إلى الولايات المتحدة لا يزال مصيره مجهولاً.
وتحمل قصة “سارا” دلالة خاصة؛ فالنساء العاملات سابقاً في القانون والقضاء والإعلام وحقوق الإنسان يواجهن خطراً مضاعفاً إذا أُعدن إلى أفغانستان؛ بسبب عملهن السابق ومواقفهن العامة.
وحذرت منظمات حقوقية مراراً من أن النساء والفتيات في أفغانستان يواجهن قيوداً ممنهجة منذ عودة طالبان، خصوصاً في التعليم والعمل والحركة والمشاركة العامة، ما يجعل الإعادة القسرية لنساء ناشطات أو مهنيات سابقات مسألة ذات مخاطر جدية.
وتشير رويترز إلى أن منظمات حقوقية عارضت حتى نقاشات أوروبية بشأن ترحيل أفغان إلى بلد تسيطر عليه طالبان، محذرة من خطر الاضطهاد والانتهاكات ومبدأ عدم الإعادة القسرية.

الخوف يعطل الحياة اليومية
أما “بنفشه”، وهو اسم مستعار لمعلمة سابقة من كابل، فتقول إنها وصلت إلى باكستان عام 2023 بعد ترحيلها من إيران، وتعيش حالياً مع عائلة باكستانية.
ومع انتهاء تأشيرتها وعدم قدرتها على تجديدها، تقول إن الخوف من الشرطة منعها حتى من اصطحاب أطفالها المرضى إلى الطبيب.
هذه التفاصيل الصغيرة تكشف كيف يتحول انعدام الوضع القانوني إلى حرمان يومي من الحقوق الأساسية: العلاج، العمل، الحركة، التعليم، الأمان، والقدرة على طلب المساعدة.
فالخوف من الترحيل لا يبقى على مستوى القلق النفسي، بل يدخل تفاصيل الحياة كلها، ويدفع النساء إلى العزلة والاختباء، ويزيد هشاشة الأطفال.

عودة وضغط متصاعد
تأتي هذه الشهادات في سياق أوسع من عودة وترحيل واسع للأفغان من باكستان. ووفق بيانات مفوضية اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة، شهد عام 2025 ارتفاعاً حاداً في عودة الأفغان من باكستان، إذ سجلت المنظمة الدولية للهجرة 1,125,946 عائداً أفغانياً خلال 2025، بزيادة كبيرة مقارنة بـ315,100 عائد في 2024.
واستمر الاتجاه في 2026؛ إذ تشير بوابة بيانات مفوضية اللاجئين إلى أن 328,100 شخص عادوا من باكستان إلى أفغانستان حتى 30 أبريل 2026، ضمن حركة عودة أوسع من دول الجوار، في حين سجلت البيانات 241,424 حالة ترحيل إلى أفغانستان في 2026 حتى تحديث 10 مايو.
وفي أحدث تحديثات مفوضية اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة، قُدّر عدد العائدين من باكستان عبر معابر تورخم وغلام خان وسبين بولدك وبهرام شاه خلال أسبوع واحد، من 3 إلى 9 مايو 2026، بنحو 38,486 أفغانياً. كما قدر التحديث السابق للفترة من 26 أبريل إلى 2 مايو 2026 عدد العائدين بنحو 39,487 شخصاً خلال أسبوع واحد.
نساء وأطفال في قلب الأزمة
لا يمكن قراءة هذه الأرقام بمعزل عن النوع الاجتماعي والعمر، فوفق تحديث استجابة العودة بين باكستان وأفغانستان، تشكل النساء 49% من إجمالي العائدين منذ 1 أبريل 2025، وبينهن 28% فتيات، في حين يشكل الأطفال 57% من إجمالي العائدين.
هذه النسب تعني أن الترحيل والعودة لا يطولان رجالًا بالغين فقط، بل يضربان أسراً كاملة، ونساءً وأطفالاً يواجهون عند العودة إلى أفغانستان واقعاً إنسانياً واقتصادياً شديد الهشاشة.
وبالنسبة للفتيات، فإن خطر العودة لا يرتبط فقط بالفقر أو النزوح، بل أيضاً بالقيود المفروضة على تعليمهن وحركتهن وفرصهن المستقبلية.

تحذيرات حقوقية
حذرت منظمات حقوقية من أن حملة الترحيل من باكستان تُعرّض أفغانيين كثيرين لخطر جدي، خصوصاً من لديهم ملفات حماية، أو روابط مهنية أو سياسية قد تجعلهم عرضة للانتقام أو الاضطهاد داخل أفغانستان.
وقالت هيومن رايتس ووتش في أبريل 2026 إن باكستان شهدت “زيادة في الإعادة القسرية للاجئين الأفغان”، وإنه في 2026 وحده تم ترحيل أكثر من 146 ألف أفغاني من باكستان، مع تصاعد الأعداد منذ بداية أبريل.
وحذرت مفوضية اللاجئين سابقاً من أن استئناف باكستان الترحيل القسري لنحو 1.4 مليون لاجئ أفغاني من حاملي بطاقات إثبات التسجيل، بعد انتهاء صلاحيتها في يونيو 2025، قد يخالف الالتزامات الدولية، ودعت إلى وقف الترحيلات واعتماد نهج أكثر إنسانية وطوعية وتدريجية.
وتقول مفوضية اللاجئين إن عودة اللاجئين ينبغي أن تكون طوعية ومبنية على قرار مستنير بالكامل، وهو ما يتعارض مع أجواء الخوف من الاعتقال أو انتهاء التأشيرات أو التفتيش الليلي أو الابتزاز المالي.
أفغانستان لا تحتمل المزيد
تتفاقم خطورة الترحيل لأن أفغانستان نفسها تواجه أزمة إنسانية واقتصادية عميقة. فقد حذرت الأمم المتحدة من أن عودة أكثر من 5 ملايين أفغاني منذ أواخر 2023، بسبب سياسات الطرد في دول الجوار خصوصاً باكستان وإيران، تضع نظام المساعدات تحت ضغط شديد.
ووفق رويترز، عاد 2.9 مليون شخص في 2025 وحده، وبينما وصل 150 ألفاً إضافيين في أوائل 2026، لم يُموّل سوى 8% من احتياج تمويلي قدره 216 مليون دولار لدعم العائدين في ذلك العام.
هذا يعني أن النساء المرحلات لا يعدن إلى بلد مستقر قادر على استقبالهن، بل إلى أزمة مركبة: فقر، بطالة، قيود على النساء، نقص مساعدات، وضعف في الخدمات الأساسية، مع احتمالات عالية للنزوح الداخلي أو الاعتماد الكامل على المساعدات.

غياب الحماية القانونية
المشكلة الأساسية التي تواجه الأفغانيات في باكستان هي الفراغ القانوني. فمن تنتهي تأشيرتها تصبح في وضع هش، حتى لو كان لديها ملف هجرة أو إعادة توطين معلق. ومن لا تستطيع العمل قانونياً تصبح عرضة للفقر والاعتماد على الآخرين.
ومن تخشى الشرطة تتجنب المستشفيات والمدارس والأسواق، ما يحول الحياة اليومية إلى دائرة مغلقة من الخوف.
وتزداد الهشاشة مع ما ترويه النساء عن الرشاوى أو التحذيرات أو التفتيش، إذ تصبح الحماية مرهونة بالقدرة على الدفع أو الصمت أو الاختباء. وفي مثل هذه الظروف، تفقد النساء القدرة على الوصول إلى العدالة أو الإعلام أو المنظمات، حتى عندما يكنّ من الفئات ذات الخطر العالي.
ولا يمكن ترك هذه الأزمة بين باكستان وأفغانستان وحدهما. فنساء كثيرات عالقات في باكستان لأن دولاً ثالثة فتحت لهن ملفات هجرة أو إعادة توطين ثم تركتها سنوات دون حسم. وكل تأخير في نقل النساء المعرضات للخطر يعني عملياً زيادة احتمال توقيفهن أو إعادتهن إلى أفغانستان.
والمطلوب دولياً هو تسريع إجراءات إعادة التوطين والإجلاء الإنساني للنساء المعرضات للخطر، خصوصاً العاملات السابقات في الإعلام والقضاء والتعليم وحقوق الإنسان، والناشطات المدنيات، والنساء المعيلات، والأمهات الوحيدات، ومن لديهن أطفال أو احتياجات صحية، كما ينبغي الضغط لوقف أي ترحيل قسري، وضمان تمديد التأشيرات أو منح وضع حماية مؤقتة لمن ينتظرون الترحيل.
