منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حرية التعبير في تونس تحت الضغط.. كيف عمّق المرسوم 54 أزمة الحقوق والحريات؟

22 مايو 2026
احتجاجات الصحفيين والإعلاميين في تونس ضد المرسوم 54
احتجاجات الصحفيين والإعلاميين في تونس ضد المرسوم 54

في مايو 2024، اقتحمت قوات أمن تونسية مقر هيئة المحامين لتنفيذ مذكرة توقيف بحق المحامية والإعلامية سنية الدهماني، بعد تصريحات تلفزيونية انتقدت فيها خطاب السلطات حول ملف المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء، تحولت القضية سريعاً إلى رمز لأزمة أوسع تعيشها تونس منذ سنوات، مع تصاعد الملاحقات القضائية ضد صحفيين ومحامين ومدونين ونشطاء استنادا إلى المرسوم عدد 54 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال.

وبحلول عام 2025، أصبح المرسوم 54 محوراً رئيسياً للجدل الحقوقي والسياسي في تونس، وسط تحذيرات متزايدة من منظمات محلية ودولية تعتبر أن القانون يُستخدم لتقييد حرية التعبير وتوسيع الملاحقات ضد المعارضين والمنتقدين، في وقت تؤكد فيه السلطات أن النص يهدف إلى مواجهة الأخبار الزائفة والجرائم الإلكترونية وحماية الأمن العام.

صدر المرسوم عدد 54 في سبتمبر 2022 بموجب أمر رئاسي تحت عنوان “مكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال” وينص الفصل 24 منه على عقوبات بالسجن تصل إلى خمس سنوات وغرامات مالية كبيرة بحق كل من يتعمد استعمال أنظمة معلومات لنشر أخبار أو بيانات أو إشاعات كاذبة بهدف الاعتداء على حقوق الغير أو الإضرار بالأمن العام أو الدفاع الوطني أو بث الرعب بين السكان.

اعتراضات واسعة

منذ صدوره، واجه القانون اعتراضات واسعة من النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ومنظمات دولية اعتبرت أن صياغاته فضفاضة وتتيح توظيفه ضد حرية التعبير، وقالت منظمة “مراسلون بلا حدود” في بيان نشرته مطلع 2026 إن المرسوم انحرف عن هدفه الأصلي في مكافحة الجرائم السيبرانية وأصبح يُستخدم لتجريم العمل الصحفي وقمع الصحفيين والمدافعين عن الحريات.

وأوضحت “مراسلون بلا حدود”، بالشراكة مع النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ومنظمة “أكساس ناو”، أن الفصل 24 من المرسوم يمثل أحد أخطر النصوص القانونية المقيدة للعمل الصحفي، مطالبة بإلغائه أو تعديله بما يتوافق مع المعايير الدولية الخاصة بحرية التعبير.

وتقول النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين إن أكثر من 60 شخصاً تعرضوا للملاحقة القضائية استناداً إلى المرسوم 54، بينهم ما لا يقل عن عشرة صحفيين وإعلاميين، منذ دخوله حيز التنفيذ في 2022، ونقلت منصة “أفريقيا برس” عن النقابة تأكيدها أن المرسوم تحول إلى أداة لقمع حرية التعبير في تونس.

كما وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير نشرته في أبريل 2025 بعنوان “كلنا متآمرون: استخدام الاحتجاز التعسفي في تونس لسحق المعارضة” تصاعد استخدام السلطات التونسية لقوانين مثل المرسوم 54 وقانون مكافحة الإرهاب لملاحقة المعارضين السياسيين والصحفيين والنشطاء، وقالت المنظمة إن السلطات اعتمدت على القمع القضائي والاحتجاز التعسفي لترهيب المعارضين منذ عام 2021.

وأضافت “هيومن رايتس ووتش” أن السلطات التونسية استخدمت المرسوم 54 ضد ما لا يقل عن 20 صحفياً ومحامياً وناشطاً ومعارضاً بسبب تصريحات إعلامية أو منشورات على الإنترنت تنتقد الحكومة أو الرئيس قيس سعيّد، واعتبرت المنظمة أن القانون يُستخدم لخنق المنتقدين وترهيبهم بدلاً من مكافحة الجرائم الإلكترونية.

وفي مايو 2026، أعلن التحرك المواطني “نفَس” إطلاق حملة احتجاجية جديدة تحت شعار “لا للمرسوم 54… لا لتجريم الكلمة الحرة”، معتبراً أن القانون تحوّل إلى سيف مُسلَّط على الصحفيين والمدونين والنشطاء وكل صوت ناقد أو مستقل.

وأكد التحرك، في بيان رسمي، أن الدفاع عن حرية التعبير لم يعد مرتبطاً فقط بحقوق الصحفيين، بل أصبح مرتبطاً بحق جميع التونسيين في الوصول إلى المعلومات والتعبير عن آرائهم دون خوف من الملاحقة أو السجن.

احتجاجات ضد المرسوم 54 في تونس

ملاحقة الإعلاميين والنشطاء والمدونين

وتُعد قضية سنية الدهماني من أبرز القضايا المرتبطة بالمرسوم خلال العامين الماضيين، ففي يوليو 2025، مثلت الدهماني أمام القضاء في ثلاث قضايا مختلفة استناداً إلى تصريحات إعلامية، بينما قالت هيئة الدفاع عنها إن السلطات تتعمد تضييق الخناق عليها عبر تعدد القضايا والجلسات المتزامنة، كما نظمت منظمات حقوقية تونسية وقفات احتجاجية أمام قصر العدالة في العاصمة تونس رفضاً لمواصلة قمع الحريات وملاحقة المعارضين باستخدام المرسوم 54.

وامتدت الملاحقات إلى نشطاء ومدونين خارج العاصمة، ففي أكتوبر 2025، أصدرت المحكمة الابتدائية بجندوبة حكماً بالسجن لمدة عامين بحق الناشط منصف الهوايدي، استناداً إلى الفصل 24 من المرسوم 54 والفصل 67 من المجلة الجزائية، بعد اتهامه بنشر “أخبار زائفة” والإساءة إلى رئيس الجمهورية.

تراجع مؤشرات حرية الصحافة

وفي موازاة ذلك، شهدت تونس تراجعاً حاداً في مؤشرات حرية الصحافة العالمية، وكشف تقرير منظمة “مراسلون بلا حدود” لعام 2025 تراجع تونس إلى المرتبة الـ129 عالمياً بعد أن كانت في المرتبة الـ118 خلال عام 2024، وهو ما وصفته المنظمة بأنه أكبر تراجع في منطقة شمال إفريقيا خلال عام واحد.

وفي مايو 2026، سجلت تونس تراجعاً إضافياً إلى المرتبة الـ137 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي الصادر عن “مراسلون بلا حدود”، وقال أسامة بوعجيلة، مدير مكتب شمال إفريقيا في المنظمة، خلال ندوة صحفية في تونس، إن تصاعد التتبعات القضائية وتوظيف نصوص قانونية مثل المرسوم 54 ضد الصحفيين يمثلان سبباً رئيسياً في هذا التراجع المستمر.

وأضاف بوعجيلة أن نحو 80 بالمئة من المؤسسات الإعلامية التونسية أصبحت مهددة بالإغلاق نتيجة الضغوط الاقتصادية وتراجع الإعلانات وصعوبة التمويل، في وقت تواجه فيه وسائل الإعلام المستقلة ضغوطاً سياسية وقضائية متزايدة.

كما حذّرت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، في بيان نقلته وكالة “رويترز” في سبتمبر 2025، من “قيود متصاعدة” على عمل مراسلي وسائل الإعلام الدولية في تونس، بعد منع عدد من الصحفيين الأجانب من التصوير أو استجوابهم داخل مراكز أمنية، وقالت النقابة إن رئاسة الحكومة أوقفت منذ أغسطس 2025 إصدار تصاريح التصوير الشهرية لوسائل الإعلام الأجنبية، ما أدى إلى تضييق إضافي على الصحافة الدولية.

وذكرت “رويترز” أن خمسة صحفيين تونسيين على الأقل كانوا داخل السجون خلال 2025، بينما واجه عشرات النشطاء ملاحقات قضائية بسبب منشورات أو تصريحات تنتقد الرئيس أو المؤسسات الحكومية.

ردود حكومية

وفي المقابل، تنفي السلطات التونسية استخدام المرسوم 54 لتقييد حرية التعبير، وقالت وزيرة العدل التونسية ليلى جفال، خلال تصريحات رسمية في أواخر 2025، إن المرسوم لا يُطبق في مجال حرية التعبير، مؤكدة أن الهدف منه يتمثل في مكافحة حملات التضليل والابتزاز الإلكتروني ونشر الإشاعات التي تهدد الأمن العام والاستقرار الاجتماعي.

كما يؤكد الرئيس قيس سعيّد في أكثر من مناسبة أن الحريات مضمونة في تونس، نافياً الاتهامات المتعلقة بعودة الاستبداد أو التضييق على الصحافة، وفي تصريحات نقلتها وكالة “رويترز”، شدد سعيّد على أنه “لن يتحول إلى ديكتاتور”، معتبراً أن الإجراءات التي اتخذها منذ 2021 تهدف إلى تصحيح مسار الثورة ومحاربة الفساد والفوضى السياسية.

لكن منظمات حقوق الإنسان تعتبر أن التطبيق العملي للمرسوم يكشف اتجاهاً مختلفاً، وقالت منظمة العفو الدولية إن العقوبات السجنية في قضايا التعبير تتعارض مع التزامات تونس الدولية، خاصة المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صادقت عليه تونس، ويكفل الحق في حرية الرأي والتعبير وتلقي المعلومات ونقلها دون مضايقة.

كما شدد خبراء تابعون لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، في بيانات متفرقة خلال 2025، على ضرورة احترام استقلال القضاء وضمان عدم استخدام التشريعات المتعلقة بالأمن السيبراني لتجريم التعبير السلمي أو تقييد الإعلام المستقل.

مناخ الحريات العامة

ولا تنفصل أزمة المرسوم 54 عن السياق السياسي الأوسع الذي تعيشه تونس منذ 25 يوليو 2021، حين أعلن الرئيس قيس سعيّد تجميد عمل البرلمان ثم حلّه لاحقاً، قبل الانتقال إلى الحكم بالمراسيم وإقرار دستور جديد عام 2022 عزز صلاحيات الرئاسة.

ومنذ ذلك الحين، شهدت البلاد تراجعاً تدريجياً في مناخ الحريات العامة، وفق تقييمات منظمات حقوقية محلية ودولية، وتقول الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان إن الملاحقات القضائية والقيود المفروضة على الإعلام واعتقال المعارضين تعكس “انكماشاً متزايداً في المجال العام”.

كما يتزامن هذا التراجع الحقوقي مع أزمة اقتصادية واجتماعية متفاقمة، تشمل ارتفاع معدلات التضخم والبطالة وتراجع القدرة الشرائية، ما زاد من حدة التوتر السياسي والاجتماعي داخل البلاد.

وبعد أكثر من عقد على الثورة التونسية التي تحوّلت إلى رمز إقليمي للحرية والانفتاح السياسي، يبدو الجدل حول المرسوم 54 اليوم أكثر من مجرد خلاف قانوني، فالقانون بات يمثل اختباراً حقيقياً لمستقبل حرية التعبير في تونس، ولقدرة البلاد على الحفاظ على المكاسب الديمقراطية التي تحققت بعد عام 2011، في مواجهة تصاعد المخاوف الحقوقية من عودة مناخ الرقابة والخوف وتقييد المجال العام.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية