شهد العالم خلال عام 2025 ارتفاعاً حاداً وغير مسبوق في معدلات تنفيذ أحكام الإعدام، في تطور وصفته منظمات حقوقية بأنه يعكس تصاعد استخدام العقوبات القاسية بوصفها وسيلة للردع والسيطرة السياسية، وكشف التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية تسجيل أكثر من 2707 عمليات إعدام في 17 دولة، وهو أعلى رقم يتم توثيقه منذ عام 1981، ما يعكس اتساع نطاق اللجوء إلى هذه العقوبة رغم التراجع العالمي المستمر نحو إلغائها.
ووفقاً للتقرير الصادر عن منظمة العفو الدولية بشأن أحكام وعمليات الإعدام خلال عام 2025، فإن الزيادة الكبيرة ارتبطت بشكل أساسي بعدد محدود من الدول التي واصلت توسيع استخدام العقوبة، وعلى رأسها إيران التي نفذت ما لا يقل عن 2159 عملية إعدام، أي أكثر من ضعف العدد المسجل خلال عام 2024، في حين شهدت دول أخرى مثل سنغافورة والولايات المتحدة زيادات متفاوتة في أعداد الأحكام المنفذة.
تصاعد في دول محددة
أكدت المنظمة الحقوقية أن الارتفاع العالمي في أعداد الإعدامات جاء مدفوعاً بما وصفته بـ”حفنة من الحكومات” التي تعتمد على العقوبة لبث الخوف وتعزيز السيطرة السياسية، ونقلت المنظمة عن أمينتها العامة أنياس كالامار قولها إن بعض الدول تستخدم الإعدام لقمع المعارضة واستعراض سلطة الدولة على الفئات الضعيفة والمهمشة، مشيرة إلى أن الصين وإيران وكوريا الشمالية وسنغافورة والولايات المتحدة تتصدر قائمة الدول الأكثر تنفيذاً لأحكام الإعدام.
عقوبة الإعدام والحرب على المخدرات
أظهر التقرير أن الجرائم المرتبطة بالمخدرات لعبت دوراً رئيسياً في ارتفاع أعداد الإعدامات عالمياً، إذ شكّلت هذه القضايا نحو 46% من إجمالي عمليات الإعدام المسجلة خلال العام، وتصدرت إيران القائمة بتنفيذ 998 حكماً في قضايا مخدرات، إلى جانب حالات أخرى في سنغافورة والصين، كما رصد التقرير تحركات تشريعية في الجزائر وجزر المالديف والكويت لتوسيع تطبيق العقوبة على الجرائم المتعلقة بالمخدرات.
وفي موازاة ذلك، شهدت بعض الدول تحركات لإعادة العمل بعقوبة الإعدام أو توسيع نطاقها، فقد اعتمدت حكومة بوركينا فاسو مشروع قانون يقضي بإعادة العقوبة في قضايا مثل الإرهاب والخيانة والتجسس، في حين شكلت السلطات في تشاد لجنة لدراسة إمكانية إعادة تطبيقها بعد سنوات من إلغائها.
دول محدودة وراء غالبية الإعدامات
ورغم القفزة الكبيرة في أعداد الإعدامات، شددت منظمة العفو الدولية على أن الدول المنفذة للعقوبة ما زالت تمثل أقلية محدودة عالمياً، وأشارت إلى أن الدول الأكثر تنفيذاً للأحكام خلال السنوات الأخيرة منها إيران والصين والولايات المتحدة وكوريا الشمالية وفيتنام، معتبرة أن هذه الدول تواصل تجاهل الضمانات والمعايير الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والمحاكمات العادلة.
كما استأنفت عدة دول تنفيذ أحكام الإعدام خلال العام الماضي، منها تايوان واليابان وجنوب السودان، ليرتفع عدد الدول المنفذة للعقوبة على مستوى العالم إلى 17 دولة فقط.
مؤشرات على تراجع عالمي
في المقابل، أشار التقرير إلى وجود تقدم ملحوظ في مناطق مختلفة من العالم، حيث لم تُسجل أي عمليات إعدام أو أحكام جديدة في أوروبا وآسيا الوسطى. كما بقيت الولايات المتحدة الدولة الوحيدة في القارة الأمريكية التي تنفذ أحكام الإعدام للعام السابع عشر على التوالي، في حين اقتصرت الإعدامات في إفريقيا جنوب الصحراء على الصومال وجنوب السودان.
وأوضح التقرير أن عدد الدول التي ألغت عقوبة الإعدام ارتفع بشكل ملحوظ منذ سبعينيات القرن الماضي، إذ كانت 16 دولة فقط قد ألغتها عام 1977، في حين وصل العدد اليوم إلى 113 دولة ألغت العقوبة بالكامل، في حين أوقفت غالبية دول العالم تنفيذها فعلياً أو قانونياً.
خطوات إصلاحية متفرقة
وسجل بعض الدول خطوات إصلاحية باتجاه تقليص العقوبة أو إلغائها، حيث ألغت فيتنام عقوبة الإعدام في ثماني جرائم، منها نقل المخدرات والاختلاس والرشوة، كما ألغت غامبيا العقوبة في جرائم القتل والخيانة وبعض الجرائم ضد الدولة، وفي الولايات المتحدة، شهدت ولاية ألاباما سابقة تاريخية بعدما منحت الحاكمة كاي آيفي العفو لمحكوم بالإعدام من أصحاب البشرة السوداء لأول مرة في تاريخ الولاية.
كما شهدت دول مثل لبنان ونيجيريا تقديم مشاريع قوانين لإلغاء العقوبة، في وقت قضت فيه المحكمة الدستورية في قيرغيزستان بعدم دستورية أي محاولات لإعادة العمل بها.
تعد عقوبة الإعدام واحدة من أكثر القضايا المثيرة للجدل في ملف حقوق الإنسان عالمياً، إذ تنقسم الدول بين مؤيد يعدها وسيلة للردع وتحقيق العدالة، ومعارض يراها انتهاكاً للحق في الحياة وعقوبة لا يمكن التراجع عنها في حال وقوع أخطاء قضائية، وتواصل منظمات حقوق الإنسان الدولية، وعلى رأسها منظمة العفو الدولية، حملاتها من أجل الإلغاء الكامل للعقوبة، مستندة إلى تراجع أعداد الدول التي تطبقها خلال العقود الأخيرة، ورغم هذا التراجع، لا تزال بعض الحكومات تعتمد الإعدام بوصفه أداة قانونية وأمنية، خصوصاً في قضايا الإرهاب والمخدرات والجرائم السياسية، ما يثير انتقادات واسعة بشأن استخدام العقوبة خارج المعايير الدولية للمحاكمات العادلة وحقوق الإنسان.
