جدد حزب السلام والازدهار في ليبيا موقفه الرافض لأي محاولات لتكريم أو إعادة تقديم شخصيات ارتبطت أسماؤها بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، مؤكداً أن احترام ذاكرة الضحايا والحفاظ على الوعي الوطني يفرضان التعامل بحذر ومسؤولية مع الشخصيات العامة التي تحوم حولها شبهات تتعلق بممارسات قمعية أو تعسفية شهدتها البلاد خلال مراحل سياسية مختلفة.
وأوضح الحزب، في بيان نشره عبر صفحته الرسمية على موقع “فيسبوك”، أن موقفه لا يرتبط بمرحلة سياسية محددة أو بجهة بعينها، بل يستند إلى مبدأ ثابت يقوم على رفض جميع الانتهاكات التي تمس كرامة الإنسان الليبي، بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي أو الظروف التي وقعت خلالها تلك التجاوزات.
وأكد الحزب أن أي خطوة تتعلق بمنح التكريم أو الاعتبار المعنوي لشخصيات متهمة بالمشاركة المباشرة أو غير المباشرة في انتهاكات حقوقية تمثل مساساً بمشاعر الضحايا وعائلاتهم، وتتناقض مع مسار بناء دولة القانون والمؤسسات التي يطمح إليها الليبيون بعد سنوات طويلة من الصراع والانقسام السياسي.
موقف مبدئي
وشدد الحزب على أن التعاطي مع ملف حقوق الإنسان يجب أن يقوم على معايير واضحة وثابتة لا تتغير بتغير التحالفات أو موازين القوى السياسية، معتبراً أن إدانة الممارسات القمعية والتعسفية يجب أن تكون شاملة لكل المراحل السياسية التي مرت بها ليبيا دون انتقائية أو ازدواجية في المعايير.
وأشار البيان إلى أن العدالة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق في ظل تجاهل الانتهاكات أو محاولة تبييض صفحات شخصيات ارتبطت أسماؤها بملفات جدلية، لافتاً إلى أن كشف الحقيقة الكاملة وتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين يمثل الطريق الأساس نحو تحقيق الاستقرار والمصالحة الوطنية.
وأضاف الحزب أن الحفاظ على الذاكرة الجماعية للشعب الليبي يعد جزءاً من مسؤولية الدولة ومؤسساتها، خاصة في ظل وجود جراح اجتماعية وسياسية لم تندمل بعد، نتيجة سنوات من النزاعات المسلحة والانقسامات والصدامات التي خلفت آلاف الضحايا والمفقودين.
العدالة الانتقالية
وفي سياق متصل، دعا حزب السلام والازدهار إلى تبني مسار وصفه بالعدالة الانتقالية الحقيقية، يقوم على أسس قانونية ومؤسساتية واضحة، بعيداً عن منطق الانتقام أو توظيف الملفات الحقوقية في الصراعات السياسية.
وأكد الحزب أن العدالة الانتقالية يجب أن تشمل كشف الحقائق المتعلقة بالانتهاكات التي شهدتها ليبيا، وإنصاف الضحايا، وضمان المساءلة القانونية لكل من يثبت تورطه، إلى جانب توفير ضمانات تحول دون تكرار تلك الانتهاكات مستقبلاً.
واعتبر أن أي مشروع للمصالحة الوطنية لا يمكن أن ينجح دون الاعتراف بالضحايا وجبر الضرر ومحاسبة المسؤولين عن التجاوزات، مشيراً إلى أن الإفلات من العقاب أسهم خلال السنوات الماضية في تعميق حالة الانقسام وفقدان الثقة في مؤسسات الدولة.
كما شدد الحزب على أن تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة يتطلب مقاربة متوازنة تراعي حقوق الضحايا وتحفظ استقرار المجتمع في الوقت نفسه، بعيداً عن الخطابات التي تؤدي إلى تأجيج الانقسامات أو إعادة إنتاج الأزمات السياسية.
دعوات للمؤسسات الرسمية
ودعا الحزب المؤسسات الرسمية في ليبيا إلى التحلي بالمسؤولية الوطنية عند التعامل مع الشخصيات العامة والرموز السياسية، مع مراعاة حساسية المرحلة التي تمر بها البلاد واحترام تطلعات المواطنين نحو بناء دولة تقوم على سيادة القانون والعدالة.
كما طالب الجهات القضائية ومنظمات حقوق الإنسان بمواصلة جهودها في توثيق الانتهاكات وحفظ حقوق الضحايا، والعمل على ترسيخ مبادئ العدالة واحترام الكرامة الإنسانية في مختلف الظروف السياسية.
وأكد البيان أن دور المؤسسات القضائية والحقوقية لا يقتصر فقط على ملاحقة الانتهاكات، بل يشمل أيضاً المساهمة في تعزيز ثقافة حقوق الإنسان ومنع تكرار الممارسات التي أدت إلى معاناة الليبيين على مدار العقود الماضية.
مخاوف من الإفلات من العقاب
وأثار البيان مخاوف متجددة من استمرار ظاهرة الإفلات من العقاب في ليبيا، خاصة في ظل تعثر المسارات القضائية المتعلقة ببعض الملفات الحقوقية الحساسة، وصعوبة الوصول إلى العدالة بالنسبة لعدد من الضحايا وعائلاتهم.
وأكد الحزب أن معالجة هذه القضايا ينبغي ألا تخضع للحسابات السياسية أو الاصطفافات الأيديولوجية، بل يجب أن تنطلق من احترام حقوق الإنسان باعتبارها قيمة فوق جميع الاعتبارات.
وأشار إلى أن بناء دولة مستقرة وقادرة على تجاوز أزماتها يتطلب ترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وهو ما لن يتحقق دون وجود قضاء عادل ومستقل قادر على محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات أياً كانت مواقعهم أو انتماءاتهم.
سجال متواصل
ويأتي موقف حزب السلام والازدهار في وقت يتواصل فيه الجدل داخل ليبيا بشأن التعاطي مع الشخصيات المرتبطة بمراحل سياسية سابقة، وسط انقسام في المواقف بين من يدعو إلى طي صفحات الماضي والتركيز على المستقبل، ومن يرى أن أي مصالحة لا يمكن أن تتحقق دون محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وكشف الحقائق كاملة.
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت الساحة الليبية نقاشات متكررة حول آليات العدالة الانتقالية وسبل التعامل مع ملفات الانتهاكات التي رافقت مراحل مختلفة من تاريخ البلاد، سواء خلال فترة النظام السابق أو خلال سنوات الصراع التي أعقبت عام 2011، وقد أسهم غياب التوافق السياسي الشامل حول آليات المحاسبة والإنصاف في استمرار حالة الاستقطاب، خاصة مع وجود مطالب متزايدة من عائلات الضحايا والناشطين الحقوقيين بضرورة فتح ملفات الانتهاكات بشكل جدي وشفاف.
تعد العدالة الانتقالية من أبرز الملفات المعقدة التي تواجه ليبيا منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، في ظل استمرار الانقسام السياسي والأمني وتعدد مراكز النفوذ داخل البلاد، وتشمل العدالة الانتقالية مجموعة من الآليات القضائية والسياسية والاجتماعية الهادفة إلى معالجة انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت خلال فترات النزاع أو الحكم السلطوي، من خلال كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وإنصاف الضحايا وجبر الضرر وتحقيق المصالحة الوطنية، ورغم إطلاق عدة مبادرات خلال السنوات الماضية، فإن ليبيا لا تزال تواجه تحديات كبيرة في بناء منظومة عدالة فعالة بسبب الانقسامات المؤسساتية وضعف الأجهزة القضائية والأمنية، إضافة إلى تعقيدات المشهد السياسي وغياب التوافق الوطني حول آليات المحاسبة والمصالحة.
