في عالم تتصاعد فيه النزاعات المسلحة، وتتعمق فيه الانقسامات السياسية والثقافية والدينية، يبرز “اليوم الدولي للعيش معاً في سلام” بوصفه مناسبة أممية تحمل رسالة إنسانية تتجاوز حدود الاحتفال الرمزي، لتؤكد أن السلام لا يبنى فقط عبر الاتفاقات السياسية، بل من خلال الاعتراف بالاختلاف، واحترام الكرامة الإنسانية، وترسيخ ثقافة الحوار والتسامح والتعايش.
ويحيي العالم في السادس عشر من مايو من كل عام هذا اليوم الدولي الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة بهدف تعبئة جهود المجتمع الدولي لتعزيز السلام والتسامح والتضامن والتفاهم والتكافل، والتأكيد على رغبة الشعوب في العيش والعمل معاً رغم اختلافاتها، لبناء عالم أكثر وئاماً وعدالة.
نشأة اليوم الدولي
أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 16 مايو يوماً دولياً للعيش معاً في سلام بموجب القرار 72/130 الصادر في 8 ديسمبر 2017، وذلك بعد تصويت أيدته 172 دولة من أصل 193 دولة عضواً في الأمم المتحدة.
وأكد القرار الأممي أن الاحتفاء بهذا اليوم يمثل وسيلة لحشد الجهود الدولية الرامية إلى تعزيز ثقافة السلام والتسامح والتفاهم بين الشعوب، كما دعا الدول الأعضاء، ومؤسسات الأمم المتحدة، والمنظمات الإقليمية والدولية، والمجتمع المدني، والأفراد، إلى إحياء المناسبة عبر الأنشطة التوعوية والتعليمية التي تعزز المصالحة والسلام والتنمية المستدامة.
ووفق الأمم المتحدة، فإن هذا اليوم يشكل دعوة مباشرة إلى “تعزيز المصالحة والعمل مع المجتمعات المحلية والزعماء الدينيين والجهات الفاعلة الأخرى ذات الصلة، من خلال تدابير التوفيق وأعمال الخدمة، وتشجيع التسامح والتعاطف بين الأفراد”.
الجهود الأممية
يرتبط اليوم الدولي للعيش معاً في سلام بمسار طويل من الجهود الأممية الرامية إلى ترسيخ ثقافة السلام بعد الكوارث التي خلفتها الحربان العالميتان.
فبعد الدمار الهائل الذي شهدته البشرية خلال الحرب العالمية الثانية، تأسست الأمم المتحدة بهدف أساسي يتمثل في “إنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب”، وهو ما انعكس في ميثاق الأمم المتحدة الذي شدد على تعزيز التعاون الدولي، واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية دون تمييز قائم على العرق أو الجنس أو اللغة أو الدين.
وفي هذا السياق، أعلنت الجمعية العامة عام 1997، بموجب القرار 52/15، سنة 2000 “السنة الدولية لثقافة السلام”، قبل أن تعتمد في عام 1998 الفترة الممتدة من 2001 إلى 2010 “عقداً دولياً لثقافة السلام واللاعنف من أجل أطفال العالم”.
كما اعتمدت الجمعية العامة في 6 أكتوبر 1999 القرار 53/243 المتعلق بـ”إعلان وبرنامج العمل بشأن ثقافة السلام”، الذي مثل إطاراً أممياً لتعزيز ثقافة اللاعنف والتفاهم بين الشعوب.
واستند هذا التوجه إلى الفكرة الشهيرة الواردة في الميثاق التأسيسي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، والتي تنص على أن “الحروب تتولد في عقول البشر، وفي عقولهم يجب أن تبنى حصون السلام”.
وأكدت الأمم المتحدة، عبر هذه القرارات، أن السلام لا يعني فقط غياب النزاعات المسلحة، بل هو “عملية دينامية وإيجابية وتشاركية” تقوم على الحوار والتفاهم والتعاون المتبادل، وتتطلب القضاء على جميع أشكال التمييز والتعصب.
وتشير المعلومات الرسمية المتداولة حول خلفية اعتماد هذا اليوم إلى أن الجزائر لعبت دوراً رئيساً في طرح المبادرة داخل الأمم المتحدة عام 2017.
وجاء اقتراح اعتماد يوم 16 مايو يوماً دولياً للعيش معاً في سلام، استلهاماً لما وصف بأنه امتداد لميثاق السلم والمصالحة الوطنية الذي أطلقه الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة عام 2005.
كما ارتبطت الفكرة بمؤتمر عقد في مدينة وهران الجزائرية عام 2014، قدم خلاله الجزائري خالد بن تونس، مؤسس الجمعية الدولية الصوفية العلوية ورئيسها الشرفي، تصوراً بشأن “اليوم الدولي للعيش معاً في سلام”.
وتضمنت التصريحات المرتبطة بإقرار المناسبة إشادات بما اعتبر تجربة جزائرية في المصالحة الوطنية ومكافحة الإرهاب، ومن بين هذه التصريحات، ما نسب إلى هنري تيسي، الذي قال إن الجزائر “ضمنت أمن وحرية الأقلية المسيحية التي فضلت البقاء في الجزائر”، إضافة إلى تصريحات لإسماعيل شرقي حول أهمية الاستفادة من تجربة الجزائر في المصالحة الوطنية.
موضوع عام 2026
يحمل اليوم الدولي للعيش معاً في سلام في عام 2026 موضوعاً رئيساً هو: “العيش معاً في سلام: بناء الثقة بالحوار والشمول والمصالحة”.
ويكتسب هذا الموضوع أهمية خاصة في ظل ما يشهده العالم من “ضغوط واضطرابات”، وهي اللغة التي استخدمها الأمين العام للأمم المتحدة في مستهل عام 2026، عندما دعا إلى تجديد الالتزام بالتعاون الدولي عبر “ميثاق المستقبل” ومبادرة “الأمم المتحدة 80”.
ويتقاطع موضوع هذا العام كذلك مع الشعار الأوسع للدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة: “معاً نحقق الأفضل: ثمانون عاماً وأكثر من أجل السلام والتنمية وحقوق الإنسان”.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن بناء السلام لا يقوم على التماثل أو التطابق، بل على القدرة على الإصغاء للآخرين، وإفساح المجال للجميع، واحترام كرامة الأشخاص مهما اختلفت تجاربهم وخلفياتهم ومعتقداتهم.
وفي هذا السياق، ترى المنظمة الدولية أن “العيش معاً في سلام” لم يعد مجرد مثال أخلاقي أو شعار نظري، بل أصبح “مهمة عملية ملحة” في عالم تتزايد فيه مظاهر الاستقطاب والانقسام.
السلام والثقة وحقوق الإنسان
أبرزت مناقشات الأمم المتحدة خلال عام 2026 العلاقة الوثيقة بين السلام والثقة المجتمعية.
ففي بيان صدر في مارس 2026 بشأن حقوق الإنسان وثقافة السلام، شددت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان على أن الإقصاء والتمييز والإفلات من العقاب تؤدي إلى تعميق المظالم، في حين يسهم احترام حقوق الإنسان في تعزيز الثقة والتماسك الاجتماعي.
كما عزز مشروع قرار للجمعية العامة في يناير 2026 بشأن الحوار بين الأديان والثقافات هذه الرسالة، عبر التأكيد على أن الحوار يمثل أداة لتحقيق السلام والاستقرار الاجتماعي والتفاهم المتبادل، مع الدعوة إلى مواجهة خطاب الكراهية والتمييز من خلال الشمول والوحدة.
وفي الإطار ذاته، تؤكد أعمال منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في مجال الحوار بين الثقافات أن الحوار ليس مجرد إجراء شكلي، بل يمثل وسيلة لإصلاح العلاقات المتضررة وتخفيف التوترات وتهيئة الظروف لترسيخ السلام.
كما تؤكد الأمم المتحدة، في إطار جهود بناء السلام، أن الثقة والشمول والمشاركة تعد عناصر أساسية بالنسبة للأطفال والشباب، نظراً لأن إحساسهم بالانتماء سيحدد مستقبل مجتمعاتهم.
وترى المنظمة الدولية أن العمل من أجل السلام لا يقتصر على الدبلوماسية والمؤسسات الرسمية، بل يمتد إلى المدارس والأحياء وأماكن العبادة والحياة العامة اليومية.
يحمل هذا اليوم أهمية خاصة باعتباره مناسبة لتجديد الدعوة العالمية إلى نبذ الكراهية والعنف والتعصب، والعمل على بناء مجتمعات قائمة على التفاهم والتسامح والعدالة الاجتماعية.
كما يمثل اليوم فرصة لتأكيد الترابط بين السلام والتنمية المستدامة وحقوق الإنسان، وهي القضايا التي تعتبرها الأمم المتحدة مترابطة وغير قابلة للتجزئة.
وبينما يحيي العالم اليوم الدولي للعيش معاً في سلام هذا العام تحت شعار “بناء الثقة بالحوار والشمول والمصالحة”، تبدو الرسالة الأممية أكثر إلحاحاً: لا يمكن تحقيق سلام دائم دون الاعتراف بالاختلاف، واحترام الكرامة الإنسانية، وتعزيز ثقافة الحوار في مواجهة الانقسام والخوف والكراهية.
