تشهد مناطق سورية متفرقة منذ مطلع عام 2026 تصاعداً لافتاً في حالات الانتحار، في ظل استمرار التدهور الاقتصادي والمعيشي وتراجع الخدمات الأساسية، ما ترك آثاراً نفسية واجتماعية قاسية في السكان، خصوصاً بين فئة الشباب واليافعين، وتمتد هذه الحوادث عبر محافظات عدة، من إدلب وحلب إلى دمشق ودير الزور والحسكة ودرعا وحمص واللاذقية والرقة، في مؤشر يعكس اتساع الظاهرة وتحولها إلى أزمة مجتمعية متفاقمة.
وبحسب ما وثقه المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن حالات الانتحار المسجلة منذ بداية العام الجاري بلغت 29 حالة، بينهم 22 رجلاً و5 سيدات وطفلان، توزعت بين مناطق الحكومة المؤقتة ومناطق الإدارة الذاتية، وأشار المرصد في بيان له إلى تنوع أساليب الانتحار بين إطلاق النار والشنق وإلقاء النفس من أماكن مرتفعة، إضافة إلى حالات ارتبطت باضطرابات نفسية وصدمات اجتماعية ومعيشية حادة.
حوادث متلاحقة
بدأت سلسلة الحوادث الأخيرة في سوريا منذ الأيام الأولى من العام الجاري، حين أقدم شاب في ريف الحسكة على إنهاء حياته بإلقاء نفسه من مبنى سكني، وسط معلومات عن معاناته من اضطرابات نفسية. وبعد أيام، توفيت طفلة في الرابعة عشرة من عمرها بريف إدلب إثر تناول مادة سامة، في حادثة ارتبطت بضغوط دراسية وفشلها في تحقيق نتائج امتحانية كانت تطمح إليها.
وفي دير الزور ودرعا وطرطوس والرقة، تكررت الحوادث بوتيرة متقاربة، حيث أنهى عدد من الشبان حياتهم باستخدام أسلحة نارية، وسط حديث متكرر عن الظروف الاقتصادية الخانقة والضغوط النفسية المتزايدة.
صدمات نفسية وضغوط معيشية
خلال فبراير ومارس، شهدت عدة مدن سورية حوادث أكثر قسوة، بينها انتحار شابة في حمص بعد صدمة اختطاف والدها، إضافة إلى حالات لشبان ويافعين أنهوا حياتهم شنقاً أو بإلقاء أنفسهم من مبانٍ وجسور، في ظل اضطرابات نفسية وظروف اجتماعية صعبة.
كما سجلت مناطق في ريف دمشق وحلب وإدلب ودرعا تزايداً واضحاً في هذه الحوادث، مع استمرار تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع معدلات البطالة والفقر، ما زاد من حالة الإحباط لدى شريحة واسعة من السكان.
أبريل ومايو الأكثر قسوة
ومع دخول أبريل، استمرت السلسلة الدامية في عدة مناطق سورية، حيث وثقت حالات انتحار لشبان وشابات بوسائل مختلفة، منها الشنق وإطلاق النار وحتى إحراق النفس، ومن أبرز هذه الحوادث إقدام معتقل سابق في سجن صيدنايا على إحراق نفسه داخل منزله المدمر بريف دمشق، وسط معلومات عن معاناته من اضطرابات نفسية حادة.
وفي مايو، تواصل تسجيل حالات جديدة في مخيم اليرموك وريف منبج ومدينة دير الزور، وسط ترجيحات تربط معظم الحوادث بتفاقم الضغوط الاقتصادية وانعدام الاستقرار النفسي والاجتماعي.
مؤشرات خطيرة
وفقاً للمرصد فإن تصاعد حالات الانتحار في سوريا لم يعد مجرد حوادث فردية معزولة، بل بات يعكس أزمة نفسية واجتماعية عميقة تتغذى على سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي وضعف الخدمات الأساسية، كما يفاقم غياب برامج الدعم النفسي والاجتماعي في كثير من المناطق من خطورة الظاهرة، خاصة مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية وتآكل شبكات الحماية الاجتماعية.
وتعاني سوريا منذ أكثر من عقد من أزمة إنسانية واقتصادية معقدة نتيجة الحرب المستمرة والعقوبات والانهيار المالي، ما أدى إلى تراجع حاد في مستوى المعيشة وارتفاع نسب الفقر والبطالة، وتشير تقارير أممية إلى أن ملايين السوريين يعيشون تحت خط الفقر ويواجهون صعوبات في تأمين الاحتياجات الأساسية، في وقت تشهد فيه خدمات الصحة النفسية ضعفاً كبيراً نتيجة نقص الكوادر والإمكانات، وتحذر المنظمات الحقوقية من أن استمرار الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب غياب الدعم النفسي، قد يؤدي إلى مزيد من تفاقم الأزمات النفسية وارتفاع معدلات الانتحار خلال الفترة المقبلة.
