انطلقت اليوم السبت قافلة جديدة تضم نحو 1200 عائلة نازحة من محافظة الحسكة باتجاه قراها وبلداتها الأصلية في منطقة عفرين بريف حلب، في خطوة جديدة ضمن الجهود المعلنة لإعادة الأهالي إلى مناطقهم بعد سنوات من النزوح الداخلي.
وتأتي القافلة بإشراف الفريق الرئاسي السوري، وبالتنسيق مع الجهات المعنية، في إطار مسار أوسع يستهدف معالجة ملف النزوح وتهيئة عودة تدريجية للسكان إلى مناطقهم الأصلية، خصوصاً في الشمال السوري الذي شهد خلال السنوات الماضية موجات نزوح واسعة نتيجة العمليات العسكرية وتبدل خطوط السيطرة.
وذكرت مديرية إعلام الحسكة، في بيان صحفي اليوم السبت، أن انطلاق القافلة يأتي استمراراً لعودة الأهالي إلى مناطقهم الأصلية بعد سنوات من النزوح، مشيرة إلى أن العملية تجري بمرافقة وحدات من الأمن الداخلي في محافظتي الحسكة وحلب.
وأضافت المديرية أن وزارة الطوارئ والكوارث السورية تشارك في التنسيق الميداني، من خلال توفير الدعم والمستلزمات المطلوبة خلال الرحلة، ما يضمن وصول العائلات إلى وجهاتها بشكل منظم وآمن.
وتعكس هذه الخطوة، بحسب البيان، استمرار الجهود الحكومية لمعالجة تداعيات النزوح الداخلي، عبر تسيير قوافل متتابعة للعائلات الراغبة في العودة إلى القرى والبلدات التي غادرتها خلال سنوات الصراع.
قوافل متتالية للعائدين
ولا تُعد هذه القافلة الأولى من نوعها، إذ سبقتها قافلة أخرى في 14 أبريل الماضي، ضمت نحو 800 عائلة من أهالي عفرين، عادت من مناطق النزوح باتجاه قراها وبلداتها الأصلية.
وبذلك يرتفع عدد العائلات التي شملتها القوافل المعلنة خلال أقل من شهرين إلى نحو 2000 عائلة، في مؤشر على تسارع إجراءات العودة ضمن المسار الذي تقول الحكومة السورية إنه يهدف إلى إنهاء ملف النزوح تدريجياً.
وتكتسب عودة أهالي عفرين أهمية خاصة؛ نظراً لحساسية المنطقة التي شهدت خلال السنوات الماضية تحولات أمنية وديموغرافية واسعة، جعلت ملف عودة السكان أحد أكثر الملفات تعقيداً في شمال سوريا.
وترافق القافلة وحدات من الأمن الداخلي في محافظتي الحسكة وحلب، بهدف تأمين مسار الحركة وتسهيل عبور العائلات بين المحافظات، في ظل الحاجة إلى تنسيق أمني ولوجستي بين أكثر من جهة.
ويشمل التنسيق، وفق ما أعلن، توفير المتطلبات الأساسية خلال الرحلة، ومتابعة أوضاع العائلات، وضمان وصولها إلى مناطقها الأصلية دون عراقيل.
وتأتي هذه الإجراءات في وقت تسعى فيه السلطات السورية إلى إظهار قدرة مؤسسات الدولة على إدارة ملفات العودة والخدمات، بعد سنوات من تفكك السيطرة الإدارية والأمنية في عدد من المناطق.
اتفاق الحكومة وقسد
وترتبط هذه التحركات بسياق سياسي وأمني أوسع بدأ مع إعلان الحكومة السورية، في 29 يناير الماضي، الاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية “قسد” على وقف إطلاق النار، وبدء عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية.
وبحسب الإعلان الحكومي، يتضمن الاتفاق تسلّم الدولة جميع المؤسسات المدنية والحكومية والمعابر والمنافذ، إلى جانب حل ملفات المعتقلين والنازحين.
ويمثل هذا الاتفاق، وفق التصريحات الرسمية، إطاراً لتنظيم العلاقة بين مؤسسات الدولة والمناطق التي كانت تخضع لإدارة “قسد”، وفتح الطريق أمام معالجة ملفات كانت عالقة، وفي مقدمتها النزوح والعودة وإعادة تشغيل المؤسسات.
ويشكل ملف النزوح الداخلي واحداً من أكبر التحديات التي تواجه سوريا بعد سنوات الحرب، إذ ترتبط العودة بعوامل متعددة، منها الأمن، والخدمات، والسكن، والبنية التحتية، ووجود ضمانات تمنع تكرار النزوح.
وفي حالة عفرين، تزداد أهمية هذه العوامل بسبب طول فترة النزوح، وتغير الظروف الميدانية، وحاجة العائدين إلى استعادة مساكنهم أو إعادة تأهيلها، إضافة إلى تأمين المدارس والمراكز الصحية والخدمات الأساسية.
وتشير عودة قافلتين كبيرتين خلال فترة قصيرة إلى وجود رغبة لدى عدد من العائلات في استعادة حياتها داخل مناطقها الأصلية، لكنها في الوقت نفسه تضع السلطات أمام اختبار عملي يتعلق بقدرتها على تأمين شروط العودة المستقرة، وليس فقط نقل العائلات إلى مناطقها.
تحديات عودة النازحين
رغم الأهمية الإنسانية والسياسية لعودة النازحين، تبقى عملية العودة مرهونة بجملة من التحديات، أبرزها مدى توفر الخدمات الأساسية في القرى والبلدات العائدة إليها العائلات، وحالة المنازل، وفرص العمل، والأمن المحلي.
كما تحتاج العودة إلى آليات متابعة بعد وصول العائلات، لضمان عدم تحولها إلى عودة شكلية أو مؤقتة، خصوصاً إذا واجه السكان نقصاً في المياه أو الكهرباء أو المدارس أو الخدمات الصحية.
ويؤكد مراقبون أن نجاح قوافل العودة لا يقاس بعدد العائلات التي تصل فقط، بل بقدرتها على الاستقرار في مناطقها، واستعادة حياتها الطبيعية، وضمان عدم تعرضها لأي شكل من أشكال التمييز أو التضييق أو النزوح المتكرر.
