لا تُقاس العدالة بوجود المحاكم أو النصوص القانونية وحدها، بل بقدرة الأفراد، خصوصًا الفئات الأكثر هشاشة، على الوصول إليها بأمان ومن دون تمييز، وفي أفغانستان، تجد النساء أنفسهن اليوم أمام منظومة شديدة التعقيد، تتداخل فيها القيود السياسية التي فرضتها طالبان مع الأعراف القبلية والتفسيرات الدينية المحافظة، بما يجعل طلب الإنصاف أو الحماية القانونية مسارًا محفوفًا بالخوف والعوائق.
ومنذ عودة طالبان إلى السلطة عام 2021، لم يقتصر التراجع على حقوق النساء في التعليم والعمل والمشاركة العامة، بل امتد إلى حقهن في الوصول إلى العدالة، ومع تآكل الضمانات القانونية، وتراجع حضور النساء في الفضاء العام، وغياب المؤسسات المستقلة القادرة على حمايتهن، أصبحت سلطة العرف والتقاليد أكثر تأثيرًا في حياة النساء من منظومة القانون نفسها.
وتعكس بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة حجم هذا الانكماش الحقوقي والاجتماعي، إذ باتت أفغانستان تسجل ثاني أوسع فجوة جندرية في العالم، بفارق يصل إلى 76% بين الرجال والنساء في مجالات التعليم والصحة والتمكين الاقتصادي واتخاذ القرار، كما أن نحو 78% من الشابات الأفغانيات خارج التعليم والعمل والتدريب، وهو ما يكشف اتساع العزلة الاجتماعية والاقتصادية المفروضة على النساء منذ عام 2021.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل أزمة العدالة عن التراجع الأوسع في مكانة النساء داخل المجتمع، فالمرأة التي تُحرم من التعليم والعمل والتنقل والمشاركة العامة، تصبح أقل قدرة على معرفة حقوقها، أو الوصول إلى المؤسسات، أو المطالبة بالحماية، وهكذا تتحول العدالة من حق قانوني إلى مسار شبه مغلق، في بلد تواجه النساء فيه واحدة من أقسى صور الإقصاء في العالم.
بناء مؤسسات قضائية
خلال العقدين السابقين لعودة طالبان، شهدت أفغانستان محاولات متعثرة لبناء مؤسسات قضائية تسمح بحضور النساء داخل المحاكم والنيابات ومؤسسات الحماية القانونية، لكن هذا المسار تعرض لتراجع واسع بعد عام 2021، مع إلغاء وزارة شؤون المرأة، وتفكيك اللجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان، وإقصاء غالبية القاضيات والمحاميات من العمل.
وتكشف بيانات بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان أن النساء أصبحن أقل قدرة بأربع مرات تقريبًا على الوصول إلى العدالة الرسمية مقارنة بالرجال، ووفق مشاورات ميدانية أجريت أواخر عام 2025، قالت 14% فقط من النساء إن بإمكانهن الوصول إلى خدمات التقاضي الرسمية، مقابل 53% من الرجال.
ولا يرتبط هذا التراجع بضعف المؤسسات وحده، بل بالخوف الاجتماعي أيضا، حيث تتجنب كثير من النساء اللجوء إلى القضاء خشية الوصمة أو الانتقام الأسري أو فقدان الحماية الاقتصادية، خاصة في المناطق الريفية.
القضاء بين النص والعرف
في أجزاء واسعة من أفغانستان، لا يعمل القضاء الشرعي بمعزل عن الأعراف المحلية، بل تتداخل سلطته مع المجالس التقليدية مثل “الجيرغا” و”الشورى”، التي يقودها رجال الدين وزعماء القبائل.
وتبرز الإشكالية بصورة أوضح في قضايا الزواج القسري والعنف الأسري والميراث وحضانة الأطفال، حيث تصبح المرأة الطرف الأضعف داخل منظومة يختلط فيها التفسير الديني بالبنية القبلية والعلاقات الاجتماعية التقليدية.
وغالبا ما تُدفع النساء نحو التسويات العائلية بدل اللجوء إلى القضاء الرسمي، تحت ضغط المجتمع أو الأسرة، ما يحد من فرص الوصول إلى إنصاف حقيقي.
تآكل الحماية القانونية
قبل سيطرة طالبان، وُجدت آليات محدودة لحماية النساء من العنف، رغم هشاشتها، لكن بعد عام 2021، تراجعت معظم هذه الآليات، وسط غياب واضح لمراكز الحماية والدعم القانوني والنفسي.
وتؤكد هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن أكثر من 70 مرسوما وتوجيها وإجراء فُرضت على النساء منذ عودة طالبان، شملت التعليم والعمل والتنقل والمشاركة العامة.
وحذرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان من أن القوانين المتعلقة بـ”الآداب العامة” تسهم في محو النساء من المجال العام وتحويلهن إلى حضور معزول اجتماعيًا.
وفي ظل هذا الواقع، تصبح العدالة بالنسبة للنساء أكثر هشاشة، خاصة مع محدودية وجود المحاميات والقاضيات والخدمات القانونية المستقلة.
الفقر والعزلة يعمّقان الأزمة
لا يمكن فصل أزمة العدالة عن التدهور الاقتصادي والإنساني الذي تشهده البلاد. فبحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يعيش ثلاثة من كل أربعة أفغان في حالة هشاشة معيشية حادة، فيما تعرضت 90% من الأسر لصدمات اقتصادية خلال عام 2024.
وفي هذه البيئة، تعتمد كثير من النساء اقتصاديا على الأسرة أو المجتمع المحلي، ما يقلل من قدرتهن على الاعتراض أو المطالبة بحقوقهن القانونية، كما يدفع الفقر بعض العائلات إلى تزويج الفتيات مبكرا أو حرمانهن من التعليم والعمل.
وتحذر الأمم المتحدة من أن استمرار القيود على النساء في التعليم والعمل والرعاية الصحية قد يؤدي إلى ارتفاع وفيات الأمهات بأكثر من 50% بحلول عام 2026.
أزمة تطبيق لا أزمة نصوص
في حديثها لـ”صفر”، تؤكد الدكتورة سحر الشوابكة، الأكاديمية المتخصصة في القضاء الشرعي والتحكيم الدولي، أن فهم واقع المرأة داخل منظومة القضاء الشرعي في أفغانستان يتطلب التمييز بين النصوص القانونية وآليات تطبيقها داخل السياق السياسي والاجتماعي القائم.
وتوضح الشوابكة أن قضايا الأحوال الشخصية تخضع لقانونين رئيسيين؛ هما القانون المدني الأفغاني لعام 1972، وقانون الأحوال الشخصية الشيعي لعام 2009، وكلاهما ينظم ملفات الزواج والطلاق والنفقة والحضانة، وهي من أكثر القضايا ارتباطًا بحقوق المرأة داخل الأسرة والمجتمع.
لكن الشوابكة ترى أن المشكلة لا تكمن في وجود هذه القوانين بحد ذاتها، بل في البيئة التي تُطبق فيها، خصوصا بعد تصاعد الاعتماد على تفسيرات متشددة للشريعة الإسلامية عقب عودة طالبان إلى السلطة، ما انعكس مباشرة على قدرة النساء في الوصول إلى العدالة واسترداد حقوقهن القانونية.
العرف وتهميش النساء
تشير الشوابكة إلى أن المرأة الأفغانية لا تواجه فقط تحديات قانونية، بل تصطدم أيضا ببنية اجتماعية ذات طابع ذكوري تمتد من الأسرة إلى المجتمع والمؤسسات القضائية نفسها.
وتوضح أن كثيرا من النزاعات الأسرية تُحال إلى المجالس القبلية وآليات التسوية العرفية، التي تُقدَّم بوصفها بديلا اجتماعيا للقضاء، لكنها غالبا ما تُدار بعقلية محافظة تركز على الحفاظ على التماسك المجتمعي أكثر من ضمان حقوق النساء، خصوصا في قضايا العنف الأسري والزواج القسري والميراث؛ ما يقوّض مبدأ الإنصاف، لأن المرأة تدخل في منظومة غير متكافئة من حيث السلطة الاجتماعية والقدرة على التعبير والدفاع عن الحقوق.
وتؤكد الشوابكة أن غياب النساء عن المناصب القضائية والقانونية يمثل أحد أبرز العوامل التي تعمق أزمة العدالة في أفغانستان، في ظل النقص الحاد في أعداد القاضيات والمحاميات والعاملات في المجال القانوني، إذ إن وجود المرأة داخل المؤسسات القضائية لا يرتبط فقط بمبدأ التمثيل، بل يشكل عنصرا أساسيا في توفير بيئة قانونية أكثر أمانًا وقدرة على فهم قضايا النساء، خاصة في الملفات المتعلقة بالعنف الأسري والأحوال الشخصية.
كما تشير إلى أن كثيرا من النساء يلجأن إلى التسويات العرفية بسبب غياب الثقة أو صعوبة الوصول إلى القضاء الرسمي، ما يضعهن أمام خيارات محدودة قد تنتهي بالتنازل عن حقوقهن تحت ضغط الأسرة أو المجتمع.
أزمة التفسير لا الدين
ترفض الشوابكة تحميل القضاء الشرعي وحده مسؤولية الانتهاكات التي تتعرض لها النساء في أفغانستان، معتبرة أن المشكلة الأساسية تكمن في التفسيرات المتشددة والأعراف القبلية التي تُقحم نفسها في تطبيق الأحكام الشرعية، فالشريعة الإسلامية، في جوهرها، تقوم على مبادئ العدل وصون الكرامة الإنسانية ورفع الضرر، وهي مبادئ توفر أساسا قانونيا وأخلاقيا لحماية المرأة لا لتقييدها.
وترى أن الخلل يظهر عندما تُستخدم النصوص الدينية ضمن سياقات اجتماعية محافظة تُعيد إنتاج الهيمنة الذكورية تحت غطاء ديني، مؤكدة أن النقاش الحقوقي في أفغانستان يجب ألا يتحول إلى مواجهة بين الدين وحقوق الإنسان، بل إلى نقاش حول كيفية توظيف التفسير القانوني والديني بما يضمن حماية الحقوق الأساسية للنساء.

