منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حين تصبح الشيخوخة أزمة دولة.. أستراليا تواجه تحدياً متصاعداً في رعاية المسنين

14 مايو 2026
رعاية كبار السن في أستراليا
رعاية كبار السن في أستراليا

في إحدى ضواحي مدينة سيدني، تنتظر امرأة أسترالية تبلغ 79 عاما منذ أشهر الحصول على مكان داخل دار رعاية، بعدما أصبحت غير قادرة على العيش بمفردها إثر تدهور حالتها الصحية… ابنتها، التي اضطرت إلى تقليص ساعات عملها لرعايتها، تقول إن تكاليف الرعاية المنزلية والإيجار والطاقة باتت تفوق قدرة الأسرة، وهذه القصة لم تعد استثناء في أستراليا، بل أصبحت انعكاسا لتحول ديموغرافي واسع تعيشه البلاد مع تسارع الشيخوخة وازدياد الضغط على نظام رعاية المسنين. 

وتواجه أستراليا اليوم واحدة من أكثر أزماتها الاجتماعية تعقيدا، في ظل ارتفاع أعداد كبار السن بوتيرة أسرع من قدرة قطاع الرعاية على التوسع والاستجابة، وبينما تضخ الحكومة مليارات الدولارات في القطاع، تحذر منظمات حقوقية وخبراء اقتصاديون من أن التمويل الحالي لا يكفي لتغطية الاحتياجات المستقبلية، ما يهدد بتفاقم الفقر والعزلة ونقص الرعاية الصحية بين كبار السن خلال العقود المقبلة.

شيخوخة سكانية متسارعة

تشير بيانات مكتب الإحصاء الأسترالي وتقرير الأجيال الصادر عن وزارة الخزانة الأسترالية عام 2023 إلى أن أكثر من 22 في المئة من سكان البلاد تجاوزوا سن 65 بحلول مطلع 2026، مقارنة بنحو 16 في المئة فقط عام 2020، بينما كانت النسبة لا تتجاوز 8 في المئة في سبعينيات القرن الماضي.

ويعكس هذا التحول ارتفاع متوسط العمر المتوقع وتراجع معدلات الولادة، ما أدى إلى تغير عميق في التركيبة السكانية، ووفق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يبلغ متوسط العمر المتوقع في أستراليا نحو 84 عاماً، وهو من بين الأعلى عالمياً، الأمر الذي يرفع الطلب على خدمات الرعاية طويلة الأمد والخدمات الصحية المتخصصة.

كما تتوقع وزارة الخزانة الأسترالية أن ينخفض معدل المشاركة في سوق العمل من 66.6 في المئة حالياً إلى 63.8 في المئة بحلول 2062 و2063، ما يعني تقلص أعداد العاملين القادرين على تمويل الخدمات العامة عبر الضرائب، مقابل ارتفاع أعداد المتقاعدين الذين يحتاجون إلى الدعم.

فاتورة الرعاية ترتفع بسرعة

وفق ميزانية الحكومة الأسترالية لعام 2024 و2025، بلغ الإنفاق الحكومي على معاشات التقاعد وبرامج دعم كبار السن نحو 39.8 مليار دولار أسترالي، استفاد منها قرابة 3 ملايين شخص فوق سن 65.

لكن تقرير الأجيال الحكومي يحذر من أن رعاية المسنين ستصبح واحدة من أكبر الضغوط المالية على الموازنة العامة خلال العقود المقبلة، متوقعاً أن تستحوذ وحدها على نحو 40 في المئة من الزيادة المستقبلية في الإنفاق الحكومي.

كما تتوقع الحكومة أن يصل إجمالي الإنفاق على رعاية المسنين إلى نحو 45 مليار دولار أسترالي في ميزانية 2026، مع زيادات سنوية تتراوح بين مليار و3 مليارات دولار.

وتوضح وزارة الخزانة في أستراليا أن الإنفاق المرتبط بالصحة ورعاية المسنين والتأمين الوطني للإعاقة والدفاع وخدمة الدين قد يرتفع من نحو ثلث الإنفاق الحكومي حالياً إلى ما يقارب نصفه بحلول منتصف القرن.

أزمة أسرّة الرعاية

رغم زيادة التمويل، تشير بيانات وزارة الصحة إلى أن الحكومة الأسترالية موّلت إنشاء نحو 800 سرير جديد فقط في قطاع رعاية المسنين خلال 2025، في حين تؤكد مؤسسات الرعاية أن البلاد تحتاج إلى ما لا يقل عن 10000 سرير إضافي سنوياً لمواكبة الطلب المتزايد.

وقالت منظمة Ageing Australia، وهي أبرز هيئة تمثل قطاع رعاية المسنين، إن دور الرعاية تعمل حالياً بنسبة إشغال تصل إلى 94 في المئة على المستوى الوطني، فيما وصلت بعض المدن الكبرى إلى الامتلاء الكامل.

وأوضح الرئيس التنفيذي للمنظمة توم سيموندسون أن المزيد من المرافق باتت ترفع يومياً لافتات “لا شواغر”، محذراً من أن بعض المؤسسات قد تضطر إلى الإغلاق بسبب الفجوة المتزايدة بين تكلفة التشغيل والدعم الحكومي.

ووفق المنظمة، تبلغ فجوة التمويل نحو 13 دولاراً يومياً لكل سرير، بينما لا تتجاوز الزيادة الحكومية الحالية خمسة دولارات يومياً، وهو ما يجعل تشغيل بعض المرافق غير مستدام اقتصاديا.

خطر الفقر والتشرد

الأزمة لا تقتصر على نقص الرعاية فقط، بل تمتد إلى الأوضاع المعيشية لكبار السن أنفسهم، فقد أكدت لجنة حقوق الإنسان الأسترالية في تقريرها لعام 2025 أن أكثر من نصف الأستراليين فوق سن 65 يعتمدون بصورة أساسية على المعاشات الحكومية، بينما يعيش واحد من كل أربعة تحت خط الفقر.

كما حذرت اللجنة من تصاعد خطر التشرد بين كبار السن، خاصة النساء اللواتي يواجهن ضعفاً مالياً أكبر نتيجة فجوات الأجور والعمل والرعاية الأسرية غير المدفوعة.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن النساء الأستراليات يدخلن مرحلة التقاعد بمدخرات تقل بنحو 25 في المئة مقارنة بالرجال، كما يغادر كثير منهن سوق العمل مبكراً لرعاية الأطفال أو أفراد الأسرة، ما يقلص قدرتهن على الادخار.

أما كبار السن من السكان الأصليين وسكان جزر مضيق توريس فيواجهون تحديات إضافية مرتبطة بالفقر وصعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية والاجتماعية، خصوصاً في المناطق النائية.

أزمة العمالة والرعاية المنزلية

وفق المعهد الوطني لأبحاث الشيخوخة في أستراليا، فإن أحد أكبر التحديات التي تواجه القطاع يتمثل في نقص الكوادر البشرية المؤهلة، وقالت المديرة التنفيذية للمعهد تريسي كومانز إن ارتفاع متوسط الأعمار وتزايد الطلب على الرعاية يفرضان ضغوطاً متواصلة على الحكومة ومؤسسات الرعاية، مؤكدة أن القطاع “بحاجة إلى إعادة هيكلة حقيقية”.

وأضافت أن رعاية المسنين تمثل تحدياً عالمياً، لأن القطاع لا يحقق عوائد مالية مباشرة للحكومات، في وقت ترتفع فيه التكاليف التشغيلية ورواتب العاملين ومتطلبات الرعاية الصحية.

كما تشير بيانات وزارة الصحة الأسترالية إلى أن البلاد تحتاج خلال السنوات المقبلة إلى عشرات الآلاف من العاملين الإضافيين في قطاع الرعاية المنزلية ودور المسنين لتلبية الطلب المتزايد.

وفي الوقت نفسه، ارتفع متوسط سن التقاعد إلى 67 عاماً، وهو ما يعكس اضطرار كثير من الأستراليين إلى البقاء في سوق العمل لفترات أطول بسبب تكاليف المعيشة المرتفعة.

الخرف والعزلة الاجتماعية

مع ارتفاع أعداد كبار السن، تتزايد أيضاً معدلات الإصابة بالخرف وألزهايمر، ووفق وزارة الصحة الأسترالية ومنظمة Dementia Australia، يعيش أكثر من 433 ألف شخص مع الخرف في أستراليا خلال 2026، مع توقع ارتفاع العدد إلى أكثر من 800 ألف بحلول 2058، ولهذا أعلنت الحكومة تخصيص 200 مليون دولار لإنشاء 20 وحدة متخصصة لرعاية مرضى الخرف، إضافة إلى توسيع برامج دعم المرضى الخارجين من المستشفيات.

لكن منظمات الرعاية الاجتماعية تحذر من أن الأزمة لا تتعلق فقط بالخدمات الطبية، بل تمتد إلى العزلة النفسية والاجتماعية التي يعاني منها كثير من كبار السن، خاصة أولئك الذين يعيشون بمفردهم أو بعيداً عن عائلاتهم.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن العزلة الاجتماعية بين كبار السن ترتبط بارتفاع معدلات الاكتئاب والخرف والأمراض المزمنة، مؤكدة أن “الشيخوخة الصحية” لا تعني فقط إطالة العمر، بل ضمان جودة الحياة والاندماج الاجتماعي.

استجابة حكومية وضغوط متواصلة

ضمن ميزانية 2026، أعلنت الحكومة الفيدرالية استثماراً بقيمة 3 مليارات دولار إضافية في قطاع رعاية المسنين، يتضمن إضافة 5000 سرير سنوياً وتوسيع برنامج الدعم المنزلي، كما خصصت الحكومة مليار دولار لتقديم بعض خدمات الرعاية المنزلية والسريرية مجاناً للفئات المؤهلة.

وقال وزير الصحة الأسترالي مارك باتلر إن هذه الاستثمارات تعزز التزام الحكومة بتحسين جودة الرعاية وتوفير مزيد من الأسرّة والحزم العلاجية لكبار السن.

لكن منظمة National Seniors Australia، التي تمثل أكثر من 285 ألف عضو، أكدت أن الإجراءات الحالية لا تزال غير كافية لمعالجة الضغوط المتزايدة، وطالبت المنظمة بإصلاحات أوسع تشمل زيادة مساعدات الإيجار، وتقديم دعم للطاقة، وإطلاق برامج لعلاج الأسنان لكبار السن، إلى جانب مراجعة نظام التأمين الصحي الخاص.

مقارنات دولية وضغوط عالمية

الأزمة الأسترالية تأتي ضمن موجة عالمية من الشيخوخة السكانية تواجهها دول متقدمة عديدة مثل اليابان وألمانيا وكندا، ووفق الأمم المتحدة، سيصل عدد الأشخاص فوق سن 65 عالمياً إلى أكثر من 1.6 مليار بحلول 2050، مقارنة بنحو 761 مليوناً في 2021.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الحكومات تواجه تحدياً متزايداً في تحقيق التوازن بين تمويل الرعاية الصحية والمعاشات والخدمات الاجتماعية، مع الحفاظ على استدامة المالية العامة، وفي حالة أستراليا، فإن سرعة التحول الديموغرافي تجعل التحدي أكثر إلحاحاً، خاصة مع ارتفاع تكاليف الإسكان والطاقة والخدمات الصحية.

مع كل عام جديد، ينضم مئات الآلاف من الأستراليين إلى الفئة العمرية الأكبر سناً، فيما تزداد الضغوط على دور الرعاية والمستشفيات والبرامج الاجتماعية، وبين الأرقام الحكومية والتحذيرات الحقوقية، يبدو أن أستراليا تقف أمام اختبار طويل يتعلق بقدرتها على حماية كبار السن من الفقر والعزلة ونقص الرعاية، في مجتمع اعتاد لسنوات طويلة على تقديم نفسه بوصفه واحداً من أفضل أماكن العيش في العالم.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية