في أرخبيل سفالبارد النرويجي، لا تبدو السياسة بعيدة عن حياة الناس اليومية، فالقريتان المرتبطتان تاريخيًا بالنفوذ الروسي، بارنتسبورغ وبيراميدن، ليستا مجرد نقطتين على خريطة التنافس بين أوسلو وموسكو، بل مجتمعات صغيرة تعيش في بيئة جليدية قاسية، وتعتمد على وظائف محدودة، وخدمات أساسية، وإمدادات منتظمة، وتوازن قانوني هش عمره أكثر من قرن.
ومنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، تدهورت العلاقات بين النرويج وروسيا، وبدأ الوجود الروسي في سفالبارد يُقرأ بقلق أمني أكبر، لكن التناول الحقوقي والإنساني لهذا الملف يطرح سؤالًا مختلفًا.. كيف يمكن حماية سيادة النرويج وأمنها من دون تحويل السكان الروس والأوكرانيين وغيرهم من المقيمين في الأرخبيل إلى ضحايا جانبيين للتوتر الجيوسياسي؟
وتعيش في سفالبارد مجتمعات صغيرة، بعيدة عن مراكز القرار، محاطة بالجليد والظروف المناخية الصعبة، وفي مثل هذه المناطق، لا تكون السياسة الدولية مجرد خطابات دبلوماسية، بل تنعكس مباشرة على فرص العمل، وحرية التنقل، وتوافر الغذاء والوقود، والخدمات الصحية، والإحساس بالأمان، بحسب ما ذكرت وكالة “رويترز”.
وفي بارنتسبورغ، يعتمد كثير من السكان على شركة التعدين الروسية الحكومية آركتيكوغول، التي تدير النشاط الاقتصادي والخدمي في البلدة. ومع تراجع التعدين وصعود التوتر بين روسيا والغرب، يصبح مستقبل هؤلاء السكان أقل وضوحًا، فالعقوبات والقيود والتوتر السياسي قد تؤثر في الإمدادات، والوظائف، والحركة، والقدرة على الحفاظ على حياة طبيعية في واحدة من أكثر المناطق عزلة في العالم.
أما بيراميدن، وهي مستوطنة سوفيتية سابقة شبه مهجورة، فتحمل بعدًا إنسانيًا آخر.. ذاكرة مجتمع كامل بُني حول العمل الجماعي والتعدين، ثم تراجع فجأة ليبقى كمدينة مجمدة في الزمن، وهنا لا يتعلق الأمر بالرموز السياسية وحدها، بل بمصائر بشر عاشوا في هذه الأماكن، وعملوا فيها، وتركوا خلفهم بيوتًا ومدارس ومرافق تحولت إلى شواهد على مرحلة انتهت.
حقوق لا تتلاشى
تمنح معاهدة سفالبارد لعام 1920 النرويج السيادة على الأرخبيل، لكنها تضمن في الوقت نفسه لمواطني الدول الموقعة حقوقًا اقتصادية متساوية في الإقامة والعمل والاستثمار، وهذا الإطار القانوني يضع على النرويج مسؤولية مزدوجة.. حماية سيادتها وأمنها، وفي الوقت ذاته احترام حقوق السكان والمقيمين وعدم التمييز بينهم بسبب الجنسية أو الخلفية السياسية.
التوتر الحالي لا ينبغي أن يؤدي إلى وصم جماعي للمقيمين الروس أو العاملين في المؤسسات الروسية هناك، فهؤلاء السكان ليسوا بالضرورة ممثلين للدولة الروسية أو لسياساتها، كثير منهم عمال، وفنيون، وموظفون، وأسر تعيش في ظروف طبيعية صعبة، وتحتاج إلى ضمانات قانونية وإنسانية تحميها من أن تصبح رهينة للصراع السياسي.
وفي المقابل، من حق النرويج مراقبة أي نشاط قد يهدد أمنها أو يخالف قوانينها، لكن التحدي الحقوقي يكمن في ضرورة التمييز بين الرقابة المشروعة على الأنشطة ذات الطابع الأمني، وبين التضييق العام على مجتمع صغير بسبب هويته أو ارتباطه التاريخي بروسيا.
حرية الفكر والدين
ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على حقوق أساسية مثل حرية الفكر والضمير والدين، وحرية التعبير، وحرية تكوين الجمعيات، والحماية من التدخل التعسفي في الحياة الخاصة أو المراسلات، كما يؤكد عمل لجنة حقوق الإنسان الأممية أن الحقوق المدنية والسياسية يجب أن يتمتع بها الجميع دون تمييز.
كما يؤكد العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حقوقًا مثل مستوى معيشي لائق، والسكن، والغذاء، والصحة، والعمل، وهي حقوق تكتسب أهمية خاصة في مناطق نائية مثل سفالبارد، حيث تعتمد الحياة على انتظام الإمدادات والخدمات الأساسية. وتشير لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلى أنها تراقب تنفيذ هذه الحقوق التي تشمل الغذاء، والسكن، والتعليم، والصحة، والمياه والصرف الصحي، والعمل.
ومن ثم، فإن أي مقاربة أمنية لسفالبارد يجب أن تراعي أن السكان ليسوا مجرد “امتداد روسي”، بل هم أشخاص يتمتعون بحقوق في العمل، والحركة، والخدمات، وعدم التمييز، والحماية القانونية. وهذه ليست مسألة سياسية فقط، بل التزاماً حقوقياً على الدولة صاحبة الولاية.
عدم التمييز أولًا
تكتسب قاعدة عدم التمييز أهمية مضاعفة في سفالبارد لأنها موجودة في مستويين: مستوى المعاهدة الخاصة بالأرخبيل، ومستوى القانون الدولي لحقوق الإنسان، فمعاهدة سفالبارد تقر مبدأ المعاملة المتساوية في المجالات الاقتصادية، بينما تؤكد معايير حقوق الإنسان أن الحقوق لا يجوز تقييدها بشكل تعسفي بسبب الجنسية أو الأصل القومي أو السياسي.
وبحسب مفوضية حقوق الإنسان، تنص اتفاقية حماية حقوق العمال المهاجرين وأفراد أسرهم على احترام وضمان الحقوق دون تمييز، بما في ذلك على أساس الجنسية أو الأصل القومي أو الاجتماعي.
ورغم أن الدول تختلف في انضمامها للاتفاقية، فإن المبدأ العام الذي تؤكده الأمم المتحدة هو أن الحقوق الأساسية للمهاجرين والعمال الأجانب لا تسقط بسبب وضعهم أو جنسيتهم.
لذلك، لا ينبغي أن يتحول الخوف من موسكو إلى معاملة جماعية للمقيمين الروس كتهديد، كما لا ينبغي أن تُستخدم حقوق السكان الروس كغطاء سياسي من جانب الدولة الروسية لتحدي السيادة النرويجية. كلا الأمرين يضع الأفراد في موقع هش، إما موصومين من الدولة المضيفة، أو مستغلين من الدولة الأصلية.
هشاشة العزلة
سفالبارد ليست مدينة أوروبية عادية يمكن لسكانها الانتقال بسهولة أو تعويض فقدان العمل سريعًا. العيش هناك يعتمد على منظومة دقيقة من النقل والإمدادات والطاقة والسكن والخدمات.. وأي توتر سياسي قد يضغط على هذه المنظومة، بما ينعكس مباشرة على السكان.
وفي البيئات القطبية، الوصول إلى الرعاية الصحية ليس تفصيلًا ثانويًا، المسافات بعيدة، والطقس قاسٍ، والإجلاء الطبي قد يكون معقدًا، والعمل في التعدين أو الخدمات أو السياحة يحمل مخاطر إضافية، لذلك، فإن أي اضطراب في التعاون الإداري أو اللوجستي بين الجهات النرويجية والمجتمعات الروسية قد يخلق آثارًا إنسانية تتجاوز السياسة.
كما أن عزل المجتمعات الصغيرة أو التعامل معها بمنطق الشبهة الدائمة قد يدفعها إلى مزيد من الانغلاق، ومن منظور حقوقي، فإن حماية الأمن لا تتحقق فقط بالمراقبة، بل أيضًا بالحفاظ على التواصل، وضمان الخدمات، ومنع التمييز، وفتح قنوات واضحة للشكوى والحماية القانونية.
ذاكرة سوفيتية معقدة
تحمل بارنتسبورغ وبيراميدن رمزية سوفيتية واضحة، من العمارة إلى النُصب والشعارات، وقد باتت هذه الرموز أكثر حساسية بعد حرب أوكرانيا، خاصة عندما تُستخدم في احتفالات أو عروض قد تُقرأ باعتبارها رسائل سياسية.
لكن التناول الحقوقي يميز بين الذاكرة الثقافية والدعاية السياسية، فمن حق المجتمعات الاحتفاظ بتاريخها ورموزها الثقافية، ما دامت لا تتحول إلى تمجيد للعنف أو تبرير للعدوان أو وسيلة لترهيب الآخرين، وفي الوقت نفسه، من حق السلطات النرويجية التدخل إذا تحولت الرموز أو الأنشطة إلى أدوات ضغط أو استفزاز أو مظهر من مظاهر سلطة موازية.
وهنا تبرز أهمية الإدارة الدقيقة.. لا قمع للهوية الثقافية، ولا تساهل مع أي نشاط قد يهدد النظام القانوني والسيادة المحلية.
خوف متبادل
الحرب في أوكرانيا جعلت الثقة بين النرويج وروسيا في أدنى مستوياتها منذ عقود. وفي سفالبارد، يتحول هذا التوتر إلى خوف متبادل؛ النرويج تخشى التجسس، والأنشطة الهجينة، واستخدام الوجود المدني الروسي كأداة ضغط، وفي المقابل، قد يشعر السكان الروس بأنهم مراقبون أو مستهدفون أو مهددون بفقدان حقوقهم بسبب سياسات لا يملكون قرارها.
هذا الوضع يخلق بيئة نفسية صعبة، خصوصًا في المجتمعات الصغيرة المعزولة.. فالشعور الدائم بالاشتباه قد يؤثر على العلاقات اليومية بين السكان، وعلى العمل، والسياحة، والتبادل المحلي. لذلك، فإن حماية السلم الأهلي في سفالبارد تتطلب خطابًا رسميًا متوازنًا يفرّق بين الدولة الروسية كفاعل سياسي، وبين السكان الروس كمقيمين يتمتعون بحقوق قانونية.
ولا يمكن إنكار حساسية سفالبارد الأمنية. فالأرخبيل يقع في منطقة قطبية تزداد أهميتها مع تغير المناخ وفتح طرق بحرية جديدة واحتدام التنافس على الموارد والبنية التحتية، لكن الأمن في المناطق الهشة لا يعني فقط حماية الحدود، بل حماية الناس أيضًا.
التحدي الحقيقي أمام النرويج هو أن تدير هذا الملف بطريقة تحافظ على القانون والمعاهدة وحقوق الإنسان في الوقت نفسه، أي إجراءات رقابية يجب أن تكون محددة، وضرورية، ومتناسبة، وغير تمييزية، وأي خلاف مع روسيا يجب ألا يتحول إلى تضييق عشوائي على العمال والسكان أو حرمانهم من الخدمات أو التعامل معهم ككتلة سياسية واحدة.
ومن الجانب الروسي، تقع مسؤولية واضحة في عدم استخدام السكان المدنيين أو المؤسسات الاقتصادية في سفالبارد كأدوات رمزية أو سياسية في صراع أوسع، فاستغلال المجتمعات الصغيرة في رسائل القوة يعرّضها للخطر، ويزيد التوتر، ويقوّض الثقة الضرورية لاستمرار الحياة في الأرخبيل.

